حملة حزب الله ضد محكمة الحريري تضع لبنان على 'حافة الهاوية'

بيروت
تشنج سياسي خطير

يطغى التشنج السياسي مجددا على الوضع اللبناني على خلفية تصعيد حزب الله المتحالف مع سوريا حملته الهادفة الى تعطيل المحكمة الدولية المكلفة النظر في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، ووسط تحذيرات من "فتنة" واحداث امنية في البلاد.
وشكل عدم اقرار بند الموازنة العامة لعام 2010 المتعلق بتمويل المحكمة الخاصة بلبنان الخميس في لجنة المال والموازنة النيابية، على رمزيته كون الهيئة العامة للبرلمان قادرة على اقراره، فصلا جديدا من فصول التصعيد بين الاكثرية النيابية بزعامة رئيس الحكومة سعد الحريري والاقلية وابرز اركانها حزب الله.
ويرى استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية في بيروت هلال خشان ان حزب الله والسوريين "يريدون ان تتبرأ الحكومة اللبنانية من المحكمة وان تنظر اليها على انها غير شرعية وان تنهي كل تمويل لبناني لانشطتها".
ويقول "بالنسبة الى حزب الله، اذا قررت الحكومة اللبنانية ان المحكمة ملغاة وكأنها لم تكن، ستكون هذه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. بهذه الطريقة، لن تملك المحكمة آلية تنفيذ قراراتها لا سيما بالنسبة الى توقيف المدعى عليهم".
واعلن الامين العام لحزب الله حسن نصر الله في تموز/يوليو انه يتوقع ان توجه المحكمة الدولية الاتهام بمقتل الحريري الى عناصر من حزبه. وبدأ الحزب منذ ذلك الحين حملة تدرجت صعودا ضد المحكمة متهما اياها بانها مسيسة.
وقال النائب جمال جراح من كتلة "المستقبل" النيابية بزعامة سعد الحريري ان نواب حزب الله "قالوا كلاما كبيرا" في جلسة لجنة المال والموازنة "حول ان المحكمة اميركية واسرائيلية، (...) وانهم لا يريدون التعاطي معها بعد الآن او تمويلها".
والمبلغ المخصص للمحكمة في موازنة 2010 هو 61 مليار ليرة لبنانية (اربعون مليون دولار)، سبق للحكومة ان دفعت الجزء الاكبر منها عبر سلفة خزينة.
وانشئت المحكمة الدولية العام 2007 بهدف محاكمة منفذي اغتيال الحريري في عملية تفجير في بيروت العام 2005 اودت بحياة 22 شخصا آخرين.
واضطرت سوريا بعد توجيه اصابع الاتهام في العملية اليها وبضغط من الشارع والمجتمع الدولي، الى سحب جيشها من لبنان بعد ثلاثين سنة من التواجد ونفوذ سياسي من دون منازع في السياسة اللبنانية.
الا ان سعد الحريري احدث صدمة في اوساط حلفائه وخصومه اخيرا عندما اعلن ان "الاتهام السياسي لسوريا انتهى، وانه وحلفاءه اخطأوا عندما وجهوا الاتهام الى دمشق في السابق".
ويرى محللون في هذا التحول في موقف الحريري دليلا على ضعف موقعه تحت وطأة سيل من الضغوط التي يتعرض لها.
ويقول خشان "لقد قام الحريري بتنازل كبير جدا يشبه الزلزال... وما نشاهده اليوم في لبنان هو ارتدادات هذا الزلزال"، مشيرا الى "الارتدادات يمكن ان تكون مدمرة كالزلزال واكثر".
وبعد ايام على تصريح الحريري، شن المدير العام السابق للامن العام جميل السيد الذي سجن لاربع سنوات للاشتباه بتورطه في اغتيال الحريري، ثم افرج عنه بقرار من المحكمة الدولية "لعدم كفاية الادلة"، حملة عنيفة على سعد الحريري، متهما اياه بانه يرعى ويحمي "شهود زور" تسببوا باعتقاله.
وردت وزارة العدل بالطلب من النائب العام سعيد ميرزا تحريك دعوى الحق العام في حق السيد واستدعاءه الى التحقيق في "موضوع تهديد امن الدولة ورئيس مجلس الوزراء".
وانتقد حزب الله قرار استدعاء السيد، معتبرا انه "قرار سياسي بامتياز وعنوان للقمع والترهيب". ورأى ان "اقامة العدالة تقضي ان يسارع القضاء اللبناني الى وضع يده على شهود الزور" الذين ادلوا بافادات تحدثت عن تورط مسؤولين سوريين ولبنانيين في اغتيال الحريري.
ويقول الخبير القانوني شفيق مصري "من الناحية القانونية، لا يمكن لاحد ان يغير شيئا في المعاهدة الموقعة بين لبنان والامم المتحدة والتي نصت على انشاء المحكمة تحت الفصل السابع الملزم".
ويشير الى ان هناك نصا في القرار الدولي 1757 الذي انشأ المحكمة يجيز للدول المانحة تمويل المحكمة بشكل كامل اذا تعذر على لبنان تسديد حصته.
ويقول "المحكمة مؤسسة دولية لا يمكن للبنان او اي دولة اخرى ان تتدخل فيها".
وسط كل هذا، تتصاعد التحذيرات من حصول تدهور امني قد ينتج عن جو الاحتقان القائم.
وقال النائب الدرزي وليد جنبلاط في مقابلة تلفزيونية ليل الخميس "اذا كانت العدالة مصيرها الفتنة وتهديد السلم الاهلي، فالسلم الاهلي اهم".
واكد جنبلاط ان الخوف، في حال صدور القرار الظني، هو من "فتنة سنية شيعية".
ويرى مدير مركز كارنيغي للدراسات في الشرق الاوسط بول سالم ان "حزب الله وحلفاءه يريدون ان يغير رئيس الوزراء موقفه حول المحكمة، واذا لم يفعل سيزيدون الضغط عليه".
ويشير الى ان الحزب الشيعي الذي يمتلك السلاح ويشارك في الحكومة مع حلفائه "قادر على اسقاط الحكومة او التسبب بحوادث عنف في الشارع".
ويرى سالم ان الحريري "في موقف صعب جدا جدا لان خياراته محدودة".
ويقول خشان ان "سعد الحريري لا يملك خيارا غير القيام بالمزيد من التنازلات".