حملة اقليمية لتحجيم ˝الدولة الكردية˝ المستقلة

عبر الرئيس العراقي جلال الطالباني عن ذهوله من تأييد الرئيس السوري بشار الأسد للاجراءات التحضيرية التي تعتمدها تركيا في مجابهة حزب العمال الكردستاني المسلح. قال أنه يستغرب كيف تؤيد دولة عربية غزوا أجنبيا لبلد عربي آخر! في اليوم التالي عبر رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني عن ذهول أقل في برنامج "حوار مفتوح" وقال "لا اعرف لماذا يؤيد بشار الأسد هجوما تركيا على أراضي دولة هو يقول أنها عربية" ولعل ضمير الغائب "هو " يحرر البرزاني من "عروبة اراضي العراق" بحكم مقامه الرئاسي الكردي لكنه أيضا لا يعترض عليه "مؤقتا" إذ يعينه في الضغط على دمشق علها تتراجع عن الحملة التأديبية التركية ضد المقاتلين الأكراد.
وإذا كان رئيس العراق الكردي يجزم بأن العراق "العربي" لن يسلم " قطة" من كردستانه إلى الأتراك فإن رئيس الإقليم الكردي يجزم أيضا بأنه سيقاتل دفاعا عن "سيادة" العراق "الفدرالي" بوصفه "الاسم الحركي" للدولة الكردية المستقلة.
لا يمكن للاكراد اقناع احد بحرصهم على عروبة الاراضي العراقية طالما أن إجراءاتهم تفيد في محافظات الشمال تذهب في الاتجاه المعاكس: منع تدريس اللغة العربية لصالح الإنجليزية. حظر العلم العراقي الرسمي بذريعة "بعثيته" واعتماد علم كردي كان رمزا للحركة الكردية الانفصالية. تطهير كردستان من العرب باستثناء المتبضعين. تطهير عرقي بطيء لعرب كركوك ناهيك عن تركمانها. توقيع عقود نفطية مع شركات أجنبية على الضد من رغبة الحكومة المركزية. استخدام وزارة الخارجية وما تبقى من أجهزة الدولة العراقية لتدعيم الانفصال الكردي. المطالبة بنقل قاعدة "انشرليك" الأميركية من تركيا إلى كردستان. اعتبار قرار الكونغرس الأميركي الأخير حول تقسيم العراق مطابقا للدستور العراقي. استكمال بناء أجهزة الدولة الكردية: شرطة.جيش. إدارات. حكومة. برلمان. رئاسة ضمن هرمية سياسية متكاملة. استدراج الدول العظمى لفتح سفارات متنكرة بتسميات قنصلية وآخرها قنصلية فرنسية كان برنار كوشنير قد تعهد لأصدقائه الأكراد بفتحها منذ تعيينه وزيرا للخارجية في بلاده... الخ.
لا يضير البرزاني أن تكون كردستان مستقلة تماما ومتدثرة لحين بعباءة العراق العربي سيما وان المثلث السوري التركي الايراني يحاصرها من كل الجهات ويعتبرها خطرا داهما على الوحدة الوطنية في البلدان الثلاثة لا بل يمكن للغطاء العراقي أن يكون فعالا في حماية الدولة الكردية عبر الجامعة العربية التي تبدو اليوم مذهولة بدورها إزاء طلب العراق بحث التهديد التركي بالهجوم على محافظاته الشمالية.
وإذا كان عمرو موسى قد وجد صعوبة بالغة في اختيار العبارات الملائمة لبحث الطلب العراقي متعهدا بمناقشته في اجتماع مقبل لمجلس الجامعة فان موضوع البحث نفسه لا يخلو من الحيرة.ذلك أن عرب الجامعة مدعوون لرفض "غزو" أجنبي يهدد في الأصل قواعد حزب العمال التركي المستقرة في دولة كردستان المنفصلة واقعيا عن العراق والرافضة لتعليم لغة الجامعة العربية في الاراضي الكردية.
لا بأس من تخيل سيناريو نقاش هذا الطلب السوريالي. سيقول مندوب العراق - وهو للمناسبة وزير الخارجية الكردي هوشيار زيباري - سيقول ان الغزو التركي الاجنبي يهدد وحدة الاراضي العراقية.لن يجرؤ أي من المندوبين على سؤاله عن الغزو الاميركي الاجنبي الذي تسبب بتعيينه وزيرا للخارجية. ولن يجرؤ أحد على تذكيره بأن وحدة العراق مهددة بقرار التقسيم الصادر للتو عن الكونغرس الاميركي بمسعى كردي و أن أراضي البلد مهددة يوميا بتأسيس "الدولة الكردية" على أنقاض الدولة العراقية. لن يذهب زيباري إلى حد المطالبة بتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك في مواجهة الاتراك لكنه سيطالب بموقف عربي مناهض للغزو التركي العسكري لشمال العراق. لن يكون الرد على الطلب سهلا فان وافق المندوبون فهذا يعني انهم يؤازرون حزب العمال الكردستاني الذي يسعى للانفصال عن تركيا وإن رفضوا سيقول زيباري ان الجامعة تؤازر الترك ضد الكرد وانها لاتعبأ بوحدة الاراضي العراقية. في نهاية المطاف قد يصدر بيان عن الجامعة يطالب بحل سلمي للمشكلة. لن يعبأ الاتراك بالبيان طالما انهم لا يعبأون بالمناشدات الاميركية. سيهاجمون قواعد حزب العمال ستقف سوريا وايران الى جانبهم. سيتلقى مشروع الدولة الكردية المستقلة ضربة قوية. سيطلب الاكراد الحماية من العراقيين العرب الذين قد لا يجدون أسبابا كافية لانقاذهم أما الولايات المتحدة فستكون في موقع لا تحسد عليه فمن جهة لا يمكنها المغامرة بخسارة حليف تركي يضمن القسم الاعظم من امداداتها العراقية ومن جهة ثانية ستبدو عاجزة عن حماية الاكراد الذين يشكلون عمقا استراتيجيا لمغامرتها الشرق أوسطية.
لقد أصاب مسعود البرزاني كبد الحقيقة عندما أكد للجزيرة أن تركيا ومن ورائها سوريا وإيران تريد القضاء على الدولة الكردية المستقلة على حدودها وأنها تتذرع لهذه الغاية بقضية العمال الكردستاني لكنه نسي أو تناسى أن يضيف أن قرار الكونغرس بتقسيم العراق هو الذي دفع الاكراد نحو اختبار اقليمي للقوة قد لا تخرج منه قضيتهم سالمة. في هذه اللحظات الصعبة ربما يدرك الطالباني والبرزاني أنه يصعب ادعاء الحرص على وحدة الاراضي العراقية عبر الرئاسة في المنطقة الخضراء وتهديد هذه الوحدة عبر رئاسة الاقليم . في هذه اللحظات ربما على الحكماء الاكراد أن يدركوا أن الرقصة الكردية قد وصلت إلى طريق مسدود وأن من الصعب الرهان على استكراد صلاح الدين عبر التحالف مع احفاد الغزاة الذين دمر ممالكهم في "اورشليم". فيصل جلول