حماس.. علاقتها بالسلفية الجهادية

أخونة حماس وجهادية السلفية نزاع على النفوذ

ليست الحركات السلفية في غزة ظاهرة جديدة، فهناك مجموعات اجتماعية وسياسية غير عنيفة -مثل حزب التحرير- تعمل في غزة منذ الثمانينيات على الأقل. لكن خلال العقد الماضي، شهد القطاع صعود عدد صغير من مجموعات السلفية الجهادية غير محكمة التنظيم. ظهرت هذه المجموعات قبيل الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، لكنها ازدادت نفوذاً في خضم الصدامات بين حركتَي فتح وحماس، وما أعقبها من سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007.

اعتمدت حماس ممارسات مختلفة في التعامل مع المجموعات السلفية الجهادية مع مرور الوقت، بدءاً من التغاضي عن الحراك السلفي الجهادي المحلي، وصولاً إلى شنّ حملات ناشطة للتضييق عليه.

حتى تاريخه، وقعت المواجهة الأقوى في صيف 2009، عندما تحدّى عبداللطيف موسى (زعيم جند أنصار الله، وإمام مسجد ابن تيمية في رفح) حكومة حماس وأعلن إنشاء "الإمارة الإسلامية" في رفح، مما أدّى إلى اندلاع مواجهة عنيفة بين أنصاره السلفيين وحكومة حماس، أسفرت عن مقتل قادة التنظيم وانهياره.

منذ صعود "داعش" في العراق وسوريا، وإعلان أبي بكر البغدادي تأسيس "دولة الخلافة" في صيف عام 2014، احتدمت الخلافات بين الطرفين، واشتعل الصراع بينهما من جديد. حيث شجع هذا الإعلان عددا من التنظيمات السلفية الجهادية في قطاع غزة على إعلان تأييدها للتنظيم. كذلك، بايع البعض البغدادي. ضمت هذه الفصائل: مجلس شورى المجاهدين، أنصار الدولة الإسلامية، أنصار الشريعة، والنصرة المقدسية.

كذلك ظهرت بشكل لافت –منذ ذلك الوقت- رغبة تلك المجموعات في الحضور وإثبات الفاعلية (عسكريا وسياسيا واجتماعيا) في المجال العام في غزة، بشكل أكبر. من ذلك على سبيل المثال:

1- صدر عن الجماعة التي تزعم أنها تمثل "ولاية غزة" عدد من البيانات، وزعمت مسؤوليتها عن العديد من الهجمات منذ أواخر 2014. مثلا ادعت الجماعة مسؤوليتها عن الاعتداء على المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2014. بعدها بشهر أصدرت الجماعة بيانا تطالب فيه النساء بالالتزام بالقواعد الإسلامية فيما يخص الزي. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2014، أصدرت الجماعة بيانا تهدد فيه بقتل كتّاب وشعراء في غزة إذا لم يتوقفوا عما اعتبرته "إهانة للإسلام".

2- قبل ذلك كانت عناصر من السلفية الجهادية في رفح جنوب غزة قد أقامت، في 12 يونيو (حزيران) 2014، مهرجانا خطابيا لدعم "داعش"، رفعت خلاله أعلام التنظيم، وأطلقت الشعارات المؤيدة لإنشاء "خلافة إسلامية"، وقامت شرطة حماس بتفريق المشاركين في المهرجان.

3- خلال عملية "الجرف الصامد" حملت مجموعة من السلفية الجهادية على اليوتيوب، يوم 8 يوليو (تموز) 2014 شريطا يظهر توثيقا لعدد من الأحداث التي أُطلقت خلالها القذائف الصاروخية على إسرائيل. حيث تضمن ما لا يقل عن عشر عمليات لإطلاق الصواريخ على إسرائيل من موقعين أو ثلاثة. وتم تحميل الشريط على اليوتيوب تحت عنوان: "الحركة السلفية الجهادية في غزة.

4- صعدت جماعة "جند أنصار الله" –التي قتلت حماس زعيمها عبداللطيف موسي عام 2009- أخيرا على السطح مرة أخرى، بعد أن بثت فيديو يزعم مسؤوليتها عن الاعتداء الثاني على المركز الثقافي الفرنسي في غزة، ديسمبر (كانون الأول) 2014. في هذا الفيديو، زعمت الجماعة أنها نفذت عددا من الهجمات تأييدا لـ"داعش". أيضا، يُشتَبَه في وجود اتصالات بين "جند أنصار الله" ووحدة مقاتلين فلسطينيين في سوريا تُسمى "سرية الشيخ أبو النور المقدسي" تعمل تحت مظلة "داعش".

تحديات الأيديولوجيا:

إن نشأة الكثير من الجماعات السلفية الجهادية والمتشددة داخل قطاع غزة؛ وتمدد نشاط بعضها، واستقطاب بعضها لعناصر من فصائل أخرى، على رأسها حماس، كان إحدى نتائج المرونة الأيديولوجية والاستراتيجيات المزدوجة لحركة حماس. إذ باتت هذه الجماعات حاضنة الجذب الجديدة لعناصر حماس الأكثر التزاما من الناحية الأيديولوجية، والساخطة على ممارسات رأوا أنها تخالف عقيدة التنظيم، أبرزها دخول الحركة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني 2006. إذ إن الديمقراطية، في عقيدة السلفية الجهادية تعتبر شكلا من أشكال الهرطقة، لأنها –بحسب زعمهم- تعطي الناس قوة لا تمنح إلا لله، وتسمح لهم بذلك بإضفاء الشرعية على ما حرمه الله.

كذلك، انتقدت –في السابق- السلفية الجهادية صلات حماس وعلاقاتها بحزب الله وإيران، وكانت ترفضها على خلفية شخصيتهما الشيعية. وكانت ترفض اتصالات حماس بسوريا (كان ذلك قبل خروج حماس من دمشق أواخر عام 2011) على خلفية الهوية العلوية العلمانية للأسد ونظامه. وارتفع سقف هذه الانتقادات في وقت ما، إلى حد وصم حماس بأنها داعية التشيع في العالم السني.

خلال الأشهر التي تلت أحداث "مسجد ابن تيمية" في أغسطس (آب) 2009 بمدينة رفح -والتي انتهت بمواجهة مع جماعة جند أنصار الله، أسفرت عن مقتل زعيمها عبداللطيف موسى، وتصفية معظم عناصرها- بدأت حماس بمراجعة داخلية واسعة النطاق. كان من بين أهم عناصرها التوقف لمدة عام -تقريباً- عن قبول العضوية الجديدة في جماعة الإخوان المسلمين، وتكثيف المراقبة على الأعضاء لا سيما داخل القسام. وتجميد عضوية من يشتبه في امتلاكه لأفكار تتعارض مع فكر حماس، أي يُمنع من المشاركة في أنشطة الحركة.

كذلك، فإن التغيير في الخطاب الحمساوي، وذلك المؤيد لحماس، عن قضية العلاقات الحمساوية- الشيعية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن أن يندرج ضمن عملية التكيف والتحدي الأيديولوجي للفكر السلفي الجهادي. وبينما كان الخطاب بشأن تحالفات حماس مع الشيعة يتأسس ذات يوم على قاعدة ومبدأ "التضامن الإسلامي- الإسلامي"، بات اليوم يتأسس على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، أي إن هذه التحالفات هي الضرورة العملية في ظل غياب البدائل.

الأمر الآخر، أن التشكيك في الالتزام الأيديولوجي لحماس وهويتها السنية، كان السبب وراء غياب أعلام حزب الله عن مناسبات حماس، خلافا لما كان يحدث من قبل (قبل تورط الحزب في سوريا) حيث كانت أعلام حزب الله الصفراء ترفرف إلى جوار أعلام حماس نفسها. وكان أيضا الدافع من وراء امتلاء منتديات حماس الإلكترونية بفتاوى ومنشورات محسوبة على التيار السلفي، وبشجب موسمي للمعتقدات والطقوس الشيعية. اتمست "لغة المشاركات" بالجرأة غير المعتادة على نقد حماس وإدانة سلوك قياداتها. ويبدو أن المعلقين رأوا أن قيادة الحركة تجاوزت ببرقياتها تلك ثوابت الدين الحنيف، فتحركوا من على قاعدة أن "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

أما "الأكثر تعقلاً" من بين جميع المشاركين فكانت لهم رؤية أخرى، سعوا من خلالها إلى "إيجاد العذر لحماس والكتائب". تحدثوا عن "مرونة" و"مناورة" و"مراوغة" و"تكتيك" وعن "ضرورات تبيح المحظورات" وانتهوا إلى تفسيرات بأن قيادتي حماس والكتائب لا تعنيان ما قالتاه في برقيتيهما بالضبط، وأن في الأمر "توريةً" و"تقيةً" و"تمويهاً"، داعين إلى ترك هذه الموجة العاتية تمر بأقل قدر من الضجيج والخسائر