حماس، ما بين الوثيقة والميثاق ودولة غزة

نشرت حماس وثيقتها السياسية بمبادئها الاثنين والأربعين والتي حملت مجموعة من المبادئ السياسية والأهداف التي اعتُبرت من قبل الحركة وأنصارها تطوراً عن ميثاقها الصادر عام 1988. مبدئياً يمكننا تسجيل أن صدورها من الدوحة وليس دمشق أو بيروت أو طهران أو غزة يعتبر بحد ذاته تطورا سياسيا له معنى، فهي تصدر من عاصمة خليجية تتواجد فيها أكبر قاعدتين عسكريتين أميركيتين في المنطقة ومقر مراجع إخوانية فقهية كبيرة.

وقد أثار هذا الأمر تساؤلات فيها بعض المنطقية، حول استمرار التخندق السياسي لحماس الذي تم أثناء ما عُرف بالربيع العربي. هل مازال هذا التخندق على ما هو عليه أي أن حماس مازالت تحسب نفسها ضمن الحلف التركي القطري الإخواني الذي تشكل نتيجة تلك الأحداث؟ أم أن ذلك ليس له أي دلالة ذات معنى سياسي؟ وأن إذاعة الوثيقة من قطر ليست إلا تدليلا على واقع معلوم مسبقا، تشكل بعد خروج قيادة حماس من دمشق إلى الدوحة. وأن قيادة حماس في الخارج هي التي مازالت تمسك بزمام الأمور وهي المرجع السياسي للحركة ممثلة برئيس المكتب السياسي السيد خالد مشعل لا بأحد أخر غيره كما أُشيع أو يشاع في أن قيادة حماس الجديدة في غزة ممثلة بالأسير المحرر السيد يحيى السنوار هي القيادة الفعلية وأن غزة عادت من جديد تُمسك بقيادة الحركة كما كان حاصلا أثناء حياة المجاهدين الراحلين الشيخ أحمد ياسين ورفيقه عبدالعزيز الرنتيسي؟

ربما تلك ليست المسألة بل المسألة هي الوثيقة نفسها هل تُعبر عن كل تيارات حماس (الداخل والخارج)؟ القول بنعم ونعم واضحة هو الجواب. فحضور السنوار وقيادات حماس في غزة ومتابعتهم نشر الوثيقة وإذاعتها عبر قناة الجزيرة ووصف السنوار لها بكلمة واحدة (ممتازة) فيه إجابة على تلك التساؤلات. فقيادة حماس مازالت في قطر ممثلة بالسيد مشعل ولو شكلياً.

السؤال هو هل حملت الوثيقة جديدا يستحق الاهتمام أو أنها ليست سوى فقاعة أو بالون اختبار مرحلي الهدف، تنتهي بنهاية المأمول منها على الصعيدين العربي والدولي.

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا أُطلقت حركة حماس على ما أعلنه خالد مشعل في الدوحة كلمة وثيقة "المبادئ والسياسات العامة "وليس الميثاق الجديد أو المعدل؟

هل هذا يعني أن الميثاق لم يُمس وأن الوثيقة هي برنامج سياسي مرحلي فقط، (إن حصل! فهذا ليس إلا استنساخاً تعلمته حركة حماس من تجارب حركة فتح التي حافظت على ميثاقها الذي انطلقت من خلاله عام 1965 ولكنها تُغير في كل مرحلة من المراحل عبر الزمن برنامجها السياسي ليتعاطى مع الواقع المتجدد وليخدم تلك المرحلة (.

قرأت الوثيقة واستمعت للمؤتمر الصحفي للسيد خالد مشعل ولتصريحات ومقالات قادة آخرين من حركة حماس...ولم أجد فيها شيئاً قد تغير...

التغيرات تمت بالشكل لا بالجوهر...

الوثيقة قد تكون مجرد قناع لجوهر ما زال على ما كان عليه.

من الملاحظات الهامة على الوثيقة هو كيف يمكن القول أن حماس اصبحت تنظيماً وطنياً وهي مازالت تحمل فكراً إخوانياً شمولياً...

فمفهوم الوطنية هو مفهوم محدد ضمن المساحة الجغرافية المسماة وطن الذي يقع ضمن حدود معينة، بينما الفكر الإخواني على سبيل المثال يساوي بين باكستان وماليزيا وفلسطين.

الإقليم الوطن في العرف الإخواني لا قيمة له (حيث ما زالت عبارة محمد مهدي عاكف اللاوطنية "طز في مصر"، هي المعبر عن فكر الاخوان ونظرتهم للأوطان، وعبارة السيد عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي "القتال في سوريا أولى من فلسطين" هي المُعبر عن هذا الفكر أيضا الذي لا يعترف بالوطنية) فهو لا يقدس علماً أو نشيداً أو تراثاً أو تاريخاً وطنيا محلياً. بل يستصغرها جميعا ويهرطقها مقابل العلم والنشيد والتراث والتاريخ الإسلامي.

الوطنية حدودها الأرض بينما الإسلاموية حدودها السماء، الوطني مرجعه الشعب والإسلاموي مرجعه التراث الديني أي كل ما صدر عن الله أو نُسب إلى رسوله وصحابته وتابعيه وتابعي تابعيه إلى أن نصل إلى قيادات الحركات الإسلامية المعاصرين الذي يتحولون جميعاً إلى رموز ذات قدسية دينية وسياسية.

لكن اعود واقول أنني لا ارى ان الوثيقة هي ميثاق بل هي برنامج سياسي، أي قشرة خارجية لخدمة الانفتاح على العرب والعالم، ولذلك لا تغييراً جوهرياً في رؤية حماس الايديولوجية، هناك ربما تغييراً قد حدث في السياسة والتكتيك، اما الاستراتيجية فبقيت ثابتة لم تتغير.

حماس تتجه نحو السلطة والحكم والتشبث بهما والابتعاد تدريجياً عن خيار التحرير الكامل هذا ما تقوله الوثيقة في الأجزاء التي تعتبر تطورا كما يراها البعض خصوصا الموافقة على دولة في حدود عام 1967، أو ربما تطويع هذا الخيار كرصيد في منافسة منظمة التحرير على قيادة المشروع الوطني بحده الأدنى أي دولة في حدود عام ١٩٦٧.

حماس تكرر تجربة فتح، تكررها بالكامل... الفارق بين فتح وحماس، أن فتح مارست كل ما ستقدم عليه حماس منذ سنوات طوال وهي بذلك سباقة في فهم الواقع العربي والدولي بل والإسرائيلي، فتح أصبح لديها خبرة، حماس تريد ان تكسب خبرة فتح وتُقلدها، حماس كما عبر بعض الناطقين باسمها بعد نشر الوثيقة هدفها السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية أو صناعة كيان موازٍ لها يسحب من فتح قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية وبالتالي حق التمثيل الفلسطيني (مع أن ذلك لم يرد بالوثيقة لكن ذلك فُهم من تصريحات لقادة ذوي وزن مثل السيد محمود الزهار وغيره).

لكن الملفت أنه وبعد كل اتهامات التخوين والتفريط التي وجهت لفتح، ها هي حماس تُقر بأن فتح كانت على حق...ولكنها تعتبر أن فتح انتهت صلاحيتها للقيادة واصبحت تاريخاً وحماس هي المستقبل...

هل ستنجح حماس في ذلك،يشك معظم الخبراء في ذلك وانا منهم...لكن هناك من أقنع حماس بأن ذلك ممكن ولكن ذلك لن يكون الا مجرد أوهام.

لن تستطيع حماس الإخوانية الصعود مكان فتح الوطنية العلمانية إلا إذا طرحت برنامجاً جديداً مغايراً لبرنامج فتح فلو طرحت حماس وتبنت مشروع الدولة الواحدة وقبلت بدولة المساواة بين سكان هذه الأرض المسماة فلسطين أو فلسطين-إسرائيل أي بعث برنامج ياسر عرفات (أو بالأحرى فتح) الأول عام 1974 مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني لكان ذلك أعتُبر قنبلة ذات أصداء عالمية. خصوصا في ظل تقهقر مشروع حل الدولتين ولكن ذلك على ما يبدو ليس في حسبان حماس ففكرها الديني المنغلق يقيدها في هذا الأمر.

ولكن لو قبلت بهذا المشروع أو تبنته لاختفت التناقضات الواردة في وثيقتها من حيث التمسك بالتحرير الكامل وعدم التنازل عن أي شبر منها. وكان بإمكانها إضافة عبارة بكل الوسائل المشروعة بما في ذلك الكفاح المسلح وكان ذلك قد استقبل استقبال الكرام (ورد في الوثيقة مادة 20 ما يلي: إن حماس تعتبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أُخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة – الصيغة المطروحة في الوثيقة لا تقول أن ذلك هو موقف حماس بل هو موقف اجماع وطني وهي لا تعترض عليه ولكنها لا تتبناه.) وربما الهدف من هذه العبارة هو الحفاظ على سلطة حماس في قطاع غزة الذي انسحبت منه قوات الاحتلال عام 2005 إلى حدود عام 67 وسيطرت عليه حماس عام 2007 بالقوة، وتحويلها إلى دولة، فدولة عام 67 قائمة جزئياً في غزة ولكنها بحاجة إلى اعتراف عربي ودولي.

كذلك وعند حديث الوثيقة عن منظمة التحرير الفلسطينية استخدمت حماس صياغة عامة لا تعني بأي شكل من الأشكال اعتراف حماس بالمنظمة ممثلا شرعياً وحيدا للشعب الفلسطيني بل أبقت الباب مواربا للتمسك بما ورد في ميثاق عام 1988 (مادة 29: منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية-كان على الحركة وحتى لا تجعل هناك تفسيرات لهذه الصياغة الغامضة أن تُعرف المنظمة كممثل شرعي وحيد وتضيف العبارة الواردة في هذه المادة ولكن عدم قول ذلك أظنه مقصودا).

الحكم والسلطة أصبحا غاية، غاية لفتح وغاية لحماس. هناك كيانان يتصارعان على الأرض، يتصارعان على القيادة، فتح المتحررة من الأيديولوجيا وبالتالي من العداء مع الإقليم والعالم ولديها قدرة ومرونة فائقة بالتعاطي مع الشأن العربي والدولي والإسرائيلي، وحماس التي ما زالت وعلى ما يبدو ستبقى حبيسة الإيديولوجيا الإخوانية التي أصبحت مطاردة ومتهمة بالإرهاب في عدد كبير من الدول العربية والعالم، لن تستطيع حماس التحرر من إخوانيتها ولبس زي وطني كامل لا إيديولوجي عابر للقارات، بالصياغات الواردة في الوثيقة، لذلك شاهدنا رفضا إسرائيليا وأميركيا لإزالتها عن قائمة الإرهاب ودون موافقة هذين الطرفين تبقى وثيقة حماس نقلة نوعية في صياغة المبادئ وليس في الجوهر.

ربما ما كان على حماس فعله هو التلاقي مع حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في العمل على إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني، ربما لكان ذلك أفضل من كل هذه الضجة حول الوثيقة المنشورة فاندماج حماس في مؤسسات المنظمة سيريحها من كثير من الصياغات واختيار الكلمات وتنميق العبارات.

حماس بمبادئها العامة الواردة في الميثاق والوثيقة تعبر عن الضمير الجمعي الفلسطيني فيما يتعلق بالصراع والأرض ولكنها من حيث الايدولوجيا تُعبر عن عناصرها فقط، ما يحاصر حماس عربيا هو الأيديولوجيا الإخوانية وليس المبادئ الضميرية التي لن يتخلى عنها أي فلسطيني فردا أو تنظيماً من حيث الحلم والامل بالعودة الى يافا وحيفا وعكا، فواقعيا لم يُغير أي تنظيم فلسطيني ميثاقه ليتطابق مع اتفاق إعلان المبادئ المرحلي في أوسلو أو مع دولة في حدود عام 1967 ما تغير هو البرنامج السياسي فقط أما المبادئ والأهداف لم تتغير.

حماس حركة مناضلة لديها رصيد من التضحيات والبطولات يفخر به كل فلسطيني وعربي ولكنها وبتمسكها بالحكم كبلت نفسها بشروطه ومتطلباته بإمكانها أن تشارك في الحكم وإدارة الأمور من خلال حكومة وحدة وطنية وهذا حقها ولكن ليس من حقها أن تُبقي أهل غزة رهينة للحصار والظلم حتى تستطيع هي تسويق نفسها كممثل جديد للشعب الفلسطيني عوضاً عن ممثلهم الحالي منظمة التحرير الفلسطينية فعشر سنوات من المعاناة تكفي.