حماس، أبعد من دمشق.. أقرب الى طهران

في المكان الخطأ

لندن- إذا صحت المعلومات القائلة بأن هناك فتورا في العلاقات بين دمشق و"حماس"، فالأمر قد يعني منعطفا مهما ليس بالنسبة للحركة الاسلامية الفلسطينية وحدها بل للتوازنات الفلسطينية برمتها.
ربما يجد قادة الحركة اليوم شيئا مما كان يعنيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عندما رفع شعار "يا وحدنا" تجاه "التدخلات" السورية في القرار الوطني الفلسطيني. فالتضييق على نشاطات الحركة في دمشق يرسم حدودا للارتياحات السابقة، بعد أن بدا أن لدى "حماس" خيارات و"بدائل" اقليمية. وهو أمر لا يسر بالضرورة دمشق، حتى ولو كانت تلك البدائل.. حليفة بمستوى طهران نفسها.
دمشق لم توفر جهدا في دعم أي حركة فلسطينية، من فتح الى جبهة النضال الشعبي، وكل ما مر بينهما من جبهات "تحرير". ولكنها لا تحب "تعدد الزوجات"، بما فيها "القرار المستقل" نفسه، فهذا بدوره "زوجة أخرى". ما تحبه دمشق، وما دأبت على فعله هو أن تقدم الدعم السياسي والمادي والمعنوي، مقابل ان تكون دمشق هي الزوج او الزوجة الوحيدة، وليس هذا فحسب، بل وأن تكون "العصمة" بيدها أيضا.
اليوم تبدو "حماس" وكأنها تسير على خطى "منظمة التحرير" بقيادة ياسر عرفات. فلديها "زوجة" أخرى (في طهران)، وتحاول ان يكون لديها "قرار خاص" بها أيضا. أما الطامة الكبرى، فهي ان تبدو حماس وكأنها تصدق أنها قادرة على ممارسة هذا المستوى من "التعددية".
الذهاب الى طهران قد لا يكلف حماس كل الدعم الذي تتلقاه من دمشق، فسوريا وإيران يظلان حليفين يتمتعان بالقدرة على "تقسيم العمل" و"تبادل الأدوار" فيما بينهما، ولكنهما لا يرغبان أن تكون لأي قوة تدعمانها القدرة على ان تشق لنفسها طريقا خاصا. فالنبذ والإبعاد هو الثمن عادة.
لقد رضيت دمشق بان يكون حزب الله اللبناني حليفا يؤمن بولي الفقيه الإيراني، وبأن يكون فرعا من فروع الحرس الثوري الإيراني. ولكنها كانت تأمل من حماس أن تؤمن بالقيادة القومية الدمشقية (وهي ما يناظر "ولي فقيه" آخر) لا أن تتحول الى فرع فلسطيني من فروع الحرس الثوري. فهذا يُضعف مركزها حيال الحليف، كما انه يحد من قدراتها على تحريك عناصر اللعبة في الاتجاه المناسب عندما تصبح الخيارات المتعلقة بالجولان والسلام الشامل مطروحة على طاولة الأخذ والرد.
الإسرائيليون لا يخفون رغبتهم بأن تختار دمشق بين استعادة الجولان وبين التحالف مع طهران. ولكن بما أن الجولان ليس موضعا على طبق من فضة بعد، فسوريا لا تجد مناسبا أن تدير ظهرها لحليف يكاد يكون الوحيد لها في المنطقة.
بيد انه لا مفر، في النهاية، من الإقرار بان تسوية ما يجب أن تُطبخ في وقت من الأوقات. وسيكون من الأنسب على الدوام، بالنسبة لدمشق، أن "تمسك العصا من الوسط" لتُبقي تحالفها مع طهران، في إطار "تسوية شاملة تشمل إيران نفسها أيضا، من ناحية، ولتستعيد الجولان من ناحية أخرى. وهذا الأمر يتطلب أن تتمتع دمشق بـ"المرونة" الكافية في "الميزان" الفلسطيني، لكي لا أن يطلع لها شبح "مقاومة" يلخبط خيوط المغزلة.
ما لم تلاحظه حماس، في غمرة الحماس للعلاقة مع ولي الفقيه، هو أن موقعها الافتراضي في المعادلة الفلسطينية هو أن تكون نظيرا لحزب الله ولكن في كفة دمشق، لا نظيرا لحزب الله في كفة طهران. "الولي الفقيه القومي" سيجد نفسه، في هذه الحال، بلا أوراق.
هذا هو سبب المضايقات او "الفتور".
انه محاولة لجعل حماس تفهم، انها إذا أرادت أن تصلي، ففي محراب دمشق، لا في محراب طهران.
ثم أن الأمر لا يتحمل "لعبا" من ألعاب "استقلالية القرار".
وعندما تحاول حماس أن تمتهن السياسة لغاية السياسة، كما تفعل هذه الأيام، فلا بد أن أقدامها سوف "تتشربك" في الرقص مع أقدام دمشق.
حماس تستمتع بطبيعة الحال بحلاوة اللعبة السياسية والاعلامية وكأنها دولة مثل قطر، حيث لا يكون هناك فرق بين السياسة والمزاح. إلا أن الأمر بالنسبة لتوازنات دمشق الإقليمية أمر أكثر جدية من مجرد اللعب.
رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل كان يجب أن يفهم إن دمشق عندما تؤجل خطابه لحساب لقاء مع قيادي من فتح، فإنها أرادت أن تقول له شيئا واحدا: نحن الذين نحدد الأولويات، بما فيها أولوياتك الخاصة.
وفي إطار هذه الأولويات، فانه يمكن لحماس أن تكون "حزب الله-2"، إلا أنها يجب أن تكرس نفسها لخدمة دمشق، وان تلعب لعبتها في الداخل الفلسطيني لا كمنظمة تحرير جديدة تبحث عن منافي سياسية في الخارج.
النهاية من هذا السلوك تعرفها دمشق: "يا وحدنا".