حل روسي.. بوجود الأسد!

مما لا شكَّ فيه فإن الحل السلمي للأزمة السورية المُتفاقمة عاماً بعد آخر كان منذ بدء الثورة، ولا يزال، المطلب الدائم للقاعدة الشعبية في سوريا الساعية وراء مجتمعٍ تسوده قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة.

إلا أن هذا المطلب كان على الدوام مرهوناً ودائم الاصطدام بمصالح ومخططات القوى والاتجاهات والتحالفات المحلية، الإقليمية والدولية التي أسهمت بمُجملها في زيادة تصدع كيان الدولة السورية وتشقق النسيج السوري على مر عمر الثورة السورية المُغتَصَبَة.

وقد أسهمت روسيا عبر دعمها اللامحدود للأسد في زيادة عمر النظام البعثي المبني على ثقافة القتل والعنف؛ هذا العنف الذي ولَّد، بالضرورة، عنفاً مضاداً وإرهاباً متنوع المشارب والانتماءات.

وعلى الرغم من كل هذا الدعم تصر موسكو على طرح نفسها كوسيط للتفاوض السلمي بين الأسد كنظام وبين المعارضة.. المعتدلة والمقبولة (بتعريف النظام). وقد كان طرحها الأخير حول خطة الحل السلمية الجديدة عبر نقاطٍ عِدَّة محور اهتمام الصحافة والإعلام في الآونة الأخيرة.

فإذا ما أردنا الخوض في هذه الخطة الجديدة واحتمالات نجاحها وفشلها لا بُّد من الوقوف عند النقاط التالية:

أولاً). روسيا، وقبل كل شيء، لم ولن تكون في يوم الأيام قادرة على لعب دور ساحة التفاوض أو الوسيط في ظل السياسة الأحادية الجانب للأزمة السورية والتي ما انفكت تنتهجها منذ بدء الثورة.. المبنية على تقديم الدعم للنظام السوري وبكافة الأشكال، الوقوف في وجه كافة قرارات الإدانة الدولية وإفشال مشاريع التحرك الدولي ضد الأسد ونظامه (إلى جانب الصين) والاستمرار في ترديد روايات النظام السوري وإعلامه العاهر والمُفلِس بخصوص المؤامرة والحرب الكونية والمجموعات المسلحة وسواها من الروايات والأكاذيب.

ثانياً). الخطة الجديدة ما هي إلا استنساخ (مع بعض التعديلات البسيطة) لمشاريع الخطط الروسية السابقة والتي ظلت حبيسة الأدراج والورق نتيجة حالة عدم الثقة وعدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بسقف المطالب والجداول الزمنية المنوطة بها.

ثالثاً). الخطة الروسية الجديدة تطرح مشروعاً غير متكافئ بين النظام السوري وبين معارضةٍ مُفصَّلةٍ على مقاسات النظام وشروطه. وكأن حكام دمشق وموسكو يتناسون بذلك أن الشارع السوري قد تجاوز منذ زمن بعيد رموز معارضته في الداخل وفي الخارج؛ وتجاوز فكرة أن يقوم بتمثيله العديد من أجسام المعارضة السورية المنقسمة هنا وهناك والتي زادت الارتباطات الدولية والمصالح الشخصية وتحالف قوى الشر(روسيا، إيران، حزب الله والنظام السوري) في زيادة تشرذمها وتشتتها على طول خريطة وعمر الأزمة السورية.

رابعاً). تنص أهم بنود الخطة على احتفاظ الأسد بمنصب رئاسة الجمهورية لحين الانتخابات الرئاسية القادمة بالإضافة إلى احتفاظه (أي الأسد) بقيادة الجيش وبثلاثة من أهم وأبشع فروع الأمن في سوريا (أمن الدولة، الأمن العسكري والأمن الجوي) على أن تتولى المعارضة /المقبولة/ تشكيل حكومة جديدة تتولى فيها غالبية الحقائب الوزارية وعلى رأسها حقيبتي الداخلية والدفاع بالإضافة إلى باقي الأفرع الأمنية.

فإذا ما افترضنا جدلاً التزام النظام السوري بالنقاط الآنفة الذكر وظهور بوادر حسن النية لديه عملياتياً بالتزامن مع تجميد القتال في حلب بناءاً على مبادرة المبعوث الدولي دي ميستورا فإننا نجد أن ذلك لن يغير في المعادلة من شيء. حيث أن وزارة الدفاع، مثلاً، لن يكون لها أي دور حقيقي وفاعل على الأرض في ظل استمرار الأسد بقيادة الجيش مما يجعل قراراتها عديمة الفاعلية والأثر، والأمر ذاته ينطبق على عمل وزارة الداخلية في ظل استمرار تحكم النظام بأشرس الأفرع الأمنية في سوريا وتوظيف الشبيحة والمرتزقة فيها من جهة، بالإضافة إلى إفراغ الأفرع الأمنية الأخرى (والتي يُفتَرَض أن تقودها حكومة المعارضة) من عناصرها لخدمة مشروع الأسد الأمني وفروعه الضاربة من جهة أخرى، وقبل هذا وذاك انتفاء مفهوم السيادة السورية التي تم انتهاكها بعد سيطرة العديد من القوى والمجموعات التكفيرية وغيرها (إلى جانب نظام دمشق) على العديد من المناطق والمدن السورية. لذا ستكون الحكومة الجديدة التي ستقودها المعارضة (المُفترضة) عديمة الفاعلية.. مشلولة الإرادة في ظل التصور الافتراضي العام الذي سُقناه جدلياً بحتاً، هذا إذا ما تم الاتفاق عليه والبدء بتنفيذه من قبل الطرفين.

خامساً). وأخيراً، حتى لو توصل النظام والمعارضة المقبولة من طرفه إلى اتفاقٍ حقيقي وتم ترجمته فعلياً على أرض الواقع فإن الشعب السوري وما تبقى من القاعدة المنتفضة في وجه الأسد ونظامه منذ حوالي أربع سنوات لن ترضخ بأي حالٍ من الأحوال لقرارات ونتائج هذا الاتفاق بعد أن قام الأسد وزبانيته بتقسيم الشعب السوري بين قتيلٍ وسجين ومشردٍ ولاجئٍ في أصقاع العالم.. بعد أن قسم الشعب السوري والمعارضات السورية على ذواتها.. بعد أن نشر الرعب بشتى صنوفه وحوَّل سوريا من بلد الأمن والأمان إلى مرتعٍ للإرهاب وتربةً خصبةً للتنظيمات الإسلاموية الدموية التي بدأت بتصفية حساباتها وتنفيذ مآربها الدنيئة على الأرض السورية في حربٍ قذِرة أصبح الشعب السوري المسكين وقودها الأول والأخير.

إن مستقبل الخطة الروسية إذاً محكومٌ عليه بالفشل سلفاً، في ظل تعنت النظام السوري واستمراره بالحلين العسكري والأمني وتمسكه بشروطه المُجحفة بحق الشعب السوري وثورته المُحِّقة في الحرية والكرامة؛ وعلى رأس تلك الشروط إصرار الأسد على تمسكه بمنصب قبطان السفينة السورية الذي لن يتخلى عن قيادة سفينته مهما حصل (كما صرح قبل عدة أيام)، وفي ظل إصرار موسكو ودمشق والدول الحليفة لها على إمكانية العودة بالحالة السورية إلى ما قبل آذار 2011، وهذا ما استحال تماماً بعد نزول أول قطرة دم بريئة على ثرى سوريا. ذلك أنَّ السوريين لم يخرجوا ولم يقدموا كل هذه التضحيات ليعودوا مجدداً إلى حضن جمراثية الرعب والخوف الأسدي؛ فلتذهب إِذاً كل الخطط والحلول إلى الجحيم ما دامت لا تعترف ببطولات وتضحيات هذا الشعب العظيم.