حلّ الصدر لمعضلة الإرهاب يهدد العراق بحرب أهلية غير مسبوقة

نحو 'كارثة أمنية كبرى'

بغداد ـ دعا مقتدى الصدر إلى تشكيل وحدات أمنية لتقاتل بالتنسيق مع الحكومة العراقية تحت مسمى "سرايا السلام"، تعمل على حماية المقدسات الاسلامية والمسيحية من "القوى الظلامية".

وتأتي تصريحات الصدر في نفس اليوم الذي أكد فيه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بان "بغداد ستتعاون مع القوات الكردية لطرد المتشددين من الموصل".وهي تطورات قال مراقبون إنها قد تدخل العراق في دومة حرب طائفية وعرقية لا سابقة لها هذه المرة.

وقال الصدر في بيان "لا استطيع الوقوف مكتوف الايدي واللسان امام الخطر المتوقع على مقدساتنا واعني بها المراقد والمساجد والحسينيات والكنائس ودور العبادة مطلقا".

وجاء اقتراح الصدر بعدما اعلن رئيس الوزراء نوري المالكي الثلاثاء التعبئة العامة وتسليح كل من يرغب بالتطوع لمقاتلة الارهاب اثر سقوط محافظة نينوى في ايدي مقاتلين جهاديين سنة.

ويعتبر الصدر الذي اعلن في شباط/فبراير اعتزاله الحياة السياسية، من ابرز اوجه النزاع الطائفي السني الشيعي بين عامي 2006 و2008 خلال قيادته لميليشيا "جيش المهدي" التي اتهمت بالوقوف وراء اعمال عنف بحق السنة.

واضاف "لذا فأني ومن معي (...) على اتم الاستعداد ان ننسق مع بعض الجهات الحكومية لتشكيل \'سرايا السلام\' للدفاع عن المقدسات المذكورة انفا بشرط عدم انخراطها إلا مؤقتا في السلك الامني الرسمي وبمركزية منا لا بالتحاق عفوي يسبب الكثير من الإشكالات".

وقال مراقبون إن الصدر يدعو صراحة لتكوين مليشيات شيعية في مواجهة تنظيم متشدد محسوب على السنة، وهذا ما يهدد العراق بحرب طائفية لا سابقة لها.

واوضح الصدر ان قراره جاء بعدما راى ان سنة العراق وقعوا بين "فكين، فك الارهاب والتشدد وفك الميليشيات اللامنضبطة". وتاجج "نار الطائفية بينهم وبين شيعة العراق"، واستعداد "القوى الظلامية" لاستغلال ذلك ومهاجمة المقدسات.

وتابع ان اقتراحه ناجم ايضا عن قيام "المجاميع الخارجية باحتلال بعض مناطق العراق"ن في اشارة الى سقوط مدينة الموصل (350 كلم شمال بغداد) ومحافظة نينوى في ايدي تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" الجهادي المتطرف.

لكنه شدد في الوقت ذاته على انه لا يريد الدخول في "حرب طائفية ضروس"، معتبرا انه اذا تدخل في الاحداث الحالية "فلن يكون مصير سامراء ولا صلاح الدين ولا الموصل ولا الانبار ولا اي شبر من العراق الى حيث وصل".

تركيا تدخل على الخط

من جهته، قال مصدر في مكتب رئيس الوزراء التركي إن متشددين احتجزوا 48 تركيا من القنصلية التركية في مدينة الموصل الأربعاء. وبين المحتجزين القنصل العام وثلاثة أطفال وعدد من أفراد القوات الخاصة التركية.

وأضاف أن المحتجزين نقلوا من مبنى القنصلية إلى قاعدة تابعة للمتشددين. وتابع أن السلطات التركية اتصلت بالجماعات المتشددة وأكدت أنه لم يلحق أذى بأي منهم.

وسيطر متشددون من جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام السني على الموصل، الثلاثاء، في استعراض للقوة ضد الحكومة التي يقودها شيعة.

وقال مصدر حكومي تركي "تم الاتصال مباشرة بجماعات متشددة في الموصل لضمان أمن البعثة الدبلوماسية".

وبسيطرة المتشددين على القنصيلة صار عدد الأتراك المحتجزين لديهم في الموصل 76 شخصا. ويأتي ذلك بعد يوم من خطف جماعة الدولة الاسلامية في العراق والشام لنحو 28 من سائقي الشاحنات الأتراك أثناء نقلهم شحنة وقود لمحطة طاقة في الموصل.

ولتركيا علاقات تجارية وسياسية قوية مع المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد إلى الشمال من الموصل. ولم يستهدف متشددو جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام تلك المنطقة حتى الآن. وترى تركيا أن لها دورا يتركز في حماية مصالح الأقلية التركمانية في المنطقة.

وقال مسؤولون إن رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان عقد اجتماعا طارئا مع وكيل جهاز المخابرات الوطني ونائب رئيس الوزراء بشير اتالاي لبحث التطورات.

وقال مسؤولون من مكتب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، الذي كان من المفترض أن يلقي كلمة في اجتماع مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة في نيويورك، إنه قطع زيارته وهو في طريق العودة إلى تركيا الآن.

وفي اثينا، قال زيباري على هامش اجتماع للاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في أثينا إنه سيكون هناك تعاون أوثق بين بغداد وحكومة اقليم كردستان لطرد المقاتلين الأجانب.

ودعا كلّ القادة العراقيين إلى توحيد صفوفهم لمواجهة ما وصفه بخطر جسيم يهدد البلاد. وقال إن الرد على ما حدث يجب أن يكون سريعا.

وكل هذه التطورات، جاءت بعد يوم من سيطرة جماعة منشقة عن تنظيم القاعدة على مدينة بيجي النفطية بعد سيطرته على الموصل ثاني أكبر المدن العراقية.

أهداف نفطية

وفي وقت سابق، قالت مصادر أمنية عراقية الأربعاء إن متشددين من جماعة منشقة لم تسمها يعتقد انها تابعة لتنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام"، تقدموا صوب مدينة بيجي التي توجد بها مصفاة نفطية وأشعلوا النار في محكمة ومركز للشرطة.

ويأتي تحرك المسلحين صوب المدينة النفطية، بعد يوم من سيطرتهم بالكامل على مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى وثاني أكبر مدن العراق.

وقالت مصادر أمنية إن المسلحين أرسلوا وفدا من شيوخ قبيلة محلية لإقناع حوالي 250 حارسا حماية للمصفاة بالانسحاب.

وذكرت المصادر أن الحراس وافقوا شريطة نقلهم بسلام إلى مدينة أخرى.

في الأثناء، يسود الهدوء في مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى العراقية الاربعاء بعد يوم من سقوطها في ايدي مقاتلي تنظيم "داعش" الذين يدعون عبر مكبرات الصوت الموظفين الحكوميين للعودة الى دوائرهم.

وقال شهود عيان في المدينة ان مجموعات من المسلحين الذي ارتدى بعضهم زيا عسكريا فيما ارتدى اخرون ملابس سوداء من دون ان يغطوا وجوههم ينتشرون قرب المصارف والدوائر الحكومية ويتواجدون داخل مقر مجلس المحافظة.

وأضاف الشهود ان الهدوء يسيطر على شوارع الموصل (350 كلم شمال بغداد) التي اغلقت محالها ابوابها، وان المقاتلين الذين يحكمون سيطرتهم عليها يتجولون بسياراتهم المكشوفة ويدعون عبر مكبرات الصوت الموظفين الحكوميين للتوجه الى دوائرهم.

نازحون يفرون بحياتهم

وقال حسن برجس خلف الجبوري (45 عاما) الذي يسكن حي الدندان في جنوب المدينة "لقد اذاع تنظيم \'داعش\' في مكبرات الصوت اعلانا دعا فيه جميع الموظفين الى الدوام (...) وبخاصة في الدوائر الخدمية".

وأضاف كذلك ان التنظيم المتشدد "حذر السكان من النطق بكلمة \'داعش\' وتوعد المخالفين بالجلد 80 مرة".

من جهته، قال ابو احمد (30 عاما) الذي يملك محلا لبيع المواد الغذائية في وسط الموصل "لم افتح باب المحل منذ الخميس الماضي بسبب الظروف الامنية. كنت قلقا من تدهور الأوضاع، وتبين انني كنت على حق".

واضاف "لكنني باق في الموصل. هذه مدينتي على كل حال، وهي مدينة هادئة حاليا".

بدوره قال بسام محمد (25 عاما) وهو طالب جامعي "انا باق هنا، لكنني اخشى على الحريات، واخشى تحديدا ان تفرض علينا قريبا قوانين جديدة بمرور الايام لا تجعلنا نعيش حياتنا بشكل طبيعي".

ولا تزال عشرات العائلات تنزح من الموصل ثاني اكبر مدن العراق باتجاه اقليم كردستان المجاور لمحافظة نينوى، بحسب ما افاد شهود عيان.

ويتخوف سكان الموصل الذي يبلغ عددهم نحو مليوني شخص من تعرض المدينة لعمليات قصف من قبل الجيش كما يحدث في مدينة الفلوجة (60 كلم غرب بغداد) في الانبار والتي يسيطر عليها ايضا تنظيم "داعش" منذ بداية العام، وفقا لما افاد به سكان في المدينة.

وسقطت الثلاثاء محافظة نينوى الواقعة في شمال العراق عند حدود اقليم كردستان والمحاذية لسوريا خلال ساعات بأيدي التنظيم الجهادي الاقوى في العراق وسوريا، في حدث استثنائي مفاجئ يهدد بكارثة امنية كبرى.

وهذه المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤولون عراقيون عن خروج محافظة بكاملها عن سيطرة الدولة العراقية.

وسرعان ما انسحبت سيطرت هؤلاء المقاتلين الجهاديين على مناطق مجاورة لنينوى في محافظتي صلاح الدين وكركوك.

وفي ضوء هذا التدهور الامني، دعت الحكومة العراقية البرلمان الذي سيعقد جلسة طارئة الخميس الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد، وتعهدت تسليح كل مواطن يتطوع لقتال "الإرهاب"، معلنة التعبئة العامة.