حلُّ الدولتين أم حلُّ الدولة الثالثة النافلة؟

بقلم: جواد البشيتي

المسار الذي يسير فيه نتنياهو لا يسمح له بأن يقبل "حلَّ الدولتين"، إذا ما قبله، إلاَّ بما يؤسِّس لواقع تنتفي فيه مقوِّمات الدولة الفلسطينية، التي يمكن تصويرها، عندئذٍ، على أنَّها "الدولة الثالثة النافلة".

ونتنياهو, على ما نراه بعين عقيدته السياسية, يمكن أن يقبل "حلَّ الدولتين" على ألاَّ تكون إحداهما الدولة الفلسطينية, وإنْ "تنازل" عن جزء من "يهودا والسامرة".

"الدولة الثالثة النافلة" إنَّما هي الدولة الفلسطينية (ذات السيادة) التي تتَّخِذ من قطاع غزة والضفة الغربية إقليماً لها، ومن القدس الشرقية عاصمةً لها، ومن خطِّ الرابع من حزيران 1967 (ولو معدَّلاً تعديلاً طفيفاً) حدَّاً دولياً نهائياً بينها وبين دولة إسرائيل.

و"الدولتان" في "حلِّ الدولتين"، الذي يمكن أن يقبله نتنياهو، هما: إسرائيل والأردن. أمَّا ما بينهما من أرضٍ وسكَّان فيجب أن يُعالَج أمره بـ "الضم"، فإسرائيل تضمُّ إليها ما تحتاج إليه من الضفة الغربية والقدس الشرقية، لِيُرْغَم الأردن، من ثمَّ، على أن يَضُمَّ إليه مزيداً من الفلسطينيين؛ وهذا "الضم الديمغرافي الإضافي"، والذي هو توأم ذلك "الضم الجغرافي"، يشمل فلسطينيي الضفة الغربية (والقدس الشرقية). وقد يشمل، أيضاً، "عرب إسرائيل"، أو قسم كبير منهم.

وما لا يُضَم من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل لن يكون خاضعاً، من الوجهة الفعلية والواقعية والعملية، إلاَّ لسيادة، أو سيطرة، إسرائيل، التي قد تسعى، عندئذٍ، إلى جعل "الممر" بين قطاع غزة والضفة الغربية يمرُّ بالأراضي الأردنية.

ومع إقامة "إسرائيل الثالثة"، الأصغر، جغرافياً، من "إسرائيل الكبرى"، والأكبر من "إسرائيل 4 حزيران 1967" يصبح ممكناً قَذْف "القنبلة الديمغرافية" شرقاً؛ ومع هذا التغيير الكبير للميزان الديمغرافي شرقاً، والمُقْتَرِن بتغيير كبير آخر في "الميزان الحقوقي ـ السياسي"، يصبح الأردن "الدولة الفلسطينية ذات السيادة"، و"الوطن الفلسطيني البديل (من فلسطين)".

وعلى هذا النحو فحسب، تقبل إسرائيل "اليهودية الصهيونية الديمقراطية" الدولة الفلسطينية، و"حل الدولتين"، فـ "الدولتان" تقومان ليس في فلسطين، أو من خلال اقتسام أرض فلسطين، وإنَّما في "أرض إسرائيل الكبرى"، ومن خلال اقتسامها.

هذا هو "الحل النهائي" الذي تعتزمه إسرائيل اليوم، أمَّا غداً فيمكن أن ترجح كفَّة أمثال النائب الإسرائيلي ميخائيل بن آري على كفَّة أمثال النائب الإسرائيلي آرييه الداد، فالأوَّل اتَّهم الثاني بالتنازل عن جزء من "الوطن القومي اليهودي"، هو الأردن، عَبْر دعوته إلى جعل الأردن دولة الفلسطينيين، ووطنهم البديل.

إسرائيل اليوم، والتي يمثِّلها الداد خير تمثيل، إنَّما تريد أن تقول للأردن الآتي: سنأخذ كل ما نحتاج إليه من الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ وخُذْ أنتَ البقية الباقية، على أن تأخذ معها السكَّان (وبعضهم من سكَّان إسرائيل) وتجعلهم جزءاً من مواطنيك، وتجعل نفسكَ دولة للفلسطينيين، ووطناً لهم، بديلاً من وطنهم فلسطين (أو في فلسطين).

مشروع قانون الداد يمكن أن يُسْدَل عليه الستار، عمَّا قريب، وأن يفشل صاحبه (أو أصحابه) بالتالي في جعله قانوناً، فتظهر دولة إسرائيل، ولو حكمتها حكومة نتنياهو، أو أشباهها، على أنَّها ملتزمة معاهدة السلام مع الأردن، ولا يمكنها أن تقبل حلاًّ نهائيا للنزاع مع الفلسطينيين، قوامه جعل الأردن دولة فلسطينية، أو وطناً فلسطينياً بديلاً من الوطن الذي يمكن أن "تمنحه لهم" في قطاع غزة، وفي أجزاء من الضفة الغربية.

ولكنَّ النائب الداد ليس وحده، فمعه الآن نحو نصف أعضاء الكنيست الإسرائيلي (وبعضهم من حزب العمل). وهذا الاتِّجاه البرلماني والسياسي (والفكري) والشعبي الإسرائيلي هو الآن أقرب إلى المستقبل منه إلى الماضي في النهج السياسي ـ الإستراتيجي الإسرائيلي.

حتى الولايات المتحدة، في عهد الرئيس أوباما، لا تملك من سياسة يمكنها أن تدرأ مخاطر اتِّجاه الداد، أو مخاطر تعاظمه، فالرئيس أوباما نفسه يتحدَّث عن الدولة الفلسطينية بصفة كونها "مصلحة إسرائيلية إستراتيجية"، ولم يتحدَّث عنها حتى الآن بصفة كونها "حقَّاً قومياً للشعب الفلسطيني"؛ أمَّا الكونغرس فقد بعث رسالة إلى الرئيس أوباما، وقَّعها 400 من أعضائه، دعوه فيها إلى أن يسعى إلى إحلال السلام بين إسرائيل وبين الفلسطينيين والعرب؛ ولكن من خلال تنسيقه وتعاونه مع حكومة نتنياهو.

وإذا أردنا إطفاء نار القلق (الواقعي) بشيء من ماء الوهم، فها هو بيريز يزوِّدنا هذا الماء، فهو أظهر كل ما يختزن من "عداء" لحلول كالتي اقترحها النائب الداد إذ قال إنَّ المشكلة الفلسطينية تُحل مع الفلسطينيين، وعلى الأرض الفلسطينية (وليس في الأردن).

ولكن، هل لدى بيريز، وأمثاله، من "حلول مضادة" ما يكفل أن يكون الحل النهائي للمشكلة الفلسطينية، على الأرض الفلسطينية، مضاداً نوعياً، ولجهة عواقبه، للحل الذي يقترحه ويدعو إليه النائب الداد؟!

إنَّ بيريز، مع غيره من "الحمائم"، لا يملك من "الحلول المضادة" إلاَّ ما يجعل الدولة الفلسطينية التي يؤيِّد قيامها على الأرض الفلسطينية طريقاً أخرى إلى الحل الذي يقترحه ويدعو إليه النائب الداد وأمثاله.

بيريز لم يقل، وربَّما لن يقول أبداً، إنَّه مع حلٍّ ينتهي إلى جعل الأردن دولة للفلسطينيين؛ ولكنَّه لم يؤيِّد من الحلول إلاَّ ما يفضي أخيراً إلى جعل "حلِّ الداد" حقيقة واقعة، وإلاَّ ما معنى أن يؤيِّد بيريز حلاًّ يقوم على دعوة الفلسطينيين والعرب إلى الاعتراف بإسرائيل على أنَّها دولة تخصُّ "الشعب اليهودي" فحسب، وعلى جعل الدولة الفلسطينية بخواص جغرافية وسيادية واقتصادية.. لا تسمح لها أبداً بأن تكون الحل النهائي للمشكلة القومية لغالبية الشعب الفلسطيني، أي لملايين اللاجئين الفلسطينيين؟!

إنَّه لأمرٌ في منزلة البديهية، أو المسلَّمة، أن أقول إنَّ الشعور الشعبي الأردني بالعداء لإسرائيل هو أقوى، وأقوى بكثير، من أن تتمكَّن من محوه "ممحاة" معاهدة وادي عربة، أي "إيجابياتها" بالنسبة إلى الأردن، والتي يتعذَّر على كل أردني أن يراها ولو بمجهر إلكتروني.

وهذا العداء المتأصِّل في النفوس، والذي، في الوقت نفسه، يضرب جذوره عميقاً في الواقع الموضوعي للعلاقة التاريخية (والتي قوامها الصراع) بين إسرائيل والعرب، هو ما يُفسِّر معظم، إنْ لم يكن كل، الغضبة الشعبية الأردنية على ذلك السعي البرلماني الإسرائيلي إلى جعل الأردن "أرض الميعاد" للشعب الفلسطيني، مع أنَّ ممثَِّلي "التلمودية السياسية" في إسرائيل لم يَفُتْهُم تذكير الأردنيين بأنَّ "الضفة الشرقية" التي يقيمون فيها دولة لهم هي أيضاً جزء من "أرض الميعاد"، التي، في أساطيرهم، منحها الرب لبني إسرائيل، الذين، في نسختهم الجديدة التي فيها نُسِخَ بنو إسرائيل الذين عرفهم التاريخ، "تنازلوا" عنها، وكأنَّهم "شعب الفضيلة"!

أقول، ذلك العداء المتأصِّل وليس هذا السعي البرلماني الإسرائيلي، على خطورته الظاهرة والكامنة، هو ما يفسِّر الغضبة الشعبية الأردنية العارمة، فلو أنَّ إسرائيل أنزلت على الأردنيين المن والسلوى لاستمر الأردنيون في دعوة حكومتهم إلى "سحب السفير"، و"طرد السفير"، و"إغلاق السفارة"، و"إلغاء المعاهدة".

ولو قُيِّض للأردنيين أن يقولوا كلمتهم في "المعاهدة"، في استفتاء شعبي حر، وليس عبر البرلمان، لغدت أوراقها وكلماتها وحروفها هباءً منثوراً، ولتأكَّد للقاصي والداني أنَّهم لا يرون في "المعاهدة" إلاَّ ما يِشْحَن عداءهم لإسرائيل بمزيد من الطاقة (بأوجهها وصورها كافة).

في مديح "المعاهدة"، والذي لا تستحقه، قالوا وكأنَّهم أتوا بمعجزة إذ أتوا بها، إنَّ إسرائيل، التي تتضوَّر جوعاً إلى الاعتراف بها، قد اعترفت بأنَّ الأردن هو الوطن النهائي للأردنيين، أي أنَّه أصبح في مأمن من الخطرين: خطر أن "تحرِّره" إسرائيل من العرب بصفة كونه جزءاً من "أرضها التلمودية"، وخطر أن تجعله "أرض ميعاد" للفلسطينيين (التوطين والوطن البديل والدولة البديلة..). والخطران إنَّما هما الخطر الإسرائيلي بوجهيه.

وقالوا أيضاً إنَّ السلام مع إسرائيل لم يكن في مقابل "لا شيء"؛ لقد كان في مقابل "الأرض"، وفي مقابل "استعادة حقوق مائية"، وكأنَّ "القُبَّة" يمكن أن تكون في مقابل "حَبَّة"!

ولو كانت "الأرض"، التي في مقابل تخلِّي إسرائيل عنها أُعْطيت "السلام"، هي الضفة الغربية والقدس الشرقية، لفضَّل الإسرائيليون استمرار العداء (إلى الأبد) على السلام، ولَمَا أبصرت "المعاهدة" النور.

لِنَقُلْ إنَّ "الأرض"، بمعناها هذا، ما عادت جزءاً من منطق السلام مع إسرائيل، فَلِمَ لم يكن المبدأ هو "السلام في مقابل اللاجئين"؟!

رُبَّ مُعْتَرِض يقول إنَّ إسرائيل لن تقبل سلاماً مع الأردن إذا ما كان ثمنه نقل اللاجئين الفلسطينيين منه إلى إسرائيل؛ ولكن لِمَ لم يكن المطلب (أو الشرط) هو نقلهم إلى الضفة الغربية.. ولو مؤقَّتاً، أي إلى أن تُحَلَّ مشكلتهم حلاًّ نهائياً عبر التفاوض السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين.

ورُبَّ مُعْتَرِض ثانٍ يقول إنَّ إسرائيل لن تقبل هذا أيضاً، فَلِمَ لَمْ..

لِمَ لَمْ نتوصَّل إلى "حلٍّ فريد" لـ "مشكلة فريدة"؟

وفي هذا "الحل الفريد"، والذي لن ينزل برداً وسلاماً على إسرائيل، وعلى سائر المتوفِّرين على جعل "التوطين" طريقاً إلى حل معظم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، أقول: لِيُسْتثنى "الحق الانتخابي والسياسي" من مبدأ "المساواة في حقوق المواطَنة"، فيتمتَّع اللاجئون الفلسطينيون في الأردن، مؤقَّتاً، بحقوق المواطَنة باستثناء الحقوق الانتخابية والسياسية العامة، فلا يشاركون في الانتخابات البرلمانية، لا انتخاباً ولا ترشيحاً، ولا يَظْهَر لهم وجود في الحكومة والدوائر والمؤسسات الرسمية..

وهذا "الوضع المؤقَّت"، الذي يجب ألاَّ يكون مشابهاً لوضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ينتهي مع قيام الدولة الفلسطينية في الأرض الفلسطينية، فيعود اللاجئون إليها إلاَّ من اختار منهم (شخصياً) المواطَنة الأردنية الكاملة، وحظي "طلبه" بقبول الدولة الأردنية.

وحتى لا تكون الدولة الفلسطينية طريقاً إلى "التوطين" لا بدَّ من أن يتضافر الفلسطينيون والأردنيون على جعل تلك الدولة بخواص جغرافية وسيادية وسياسية واقتصادية.. تسمح لها بأن تَسْتَجْمِع فيها، ولو تدريجاً، الكتلة الكبرى من اللاجئين الفلسطينيين، فإذا كانت العودة (عودة الملايين من اللاجئين الفلسطينيين) إلى ديارهم ممنوعة إسرائيلياً، وبما يشبه "القرار الدولي"، فإنَّ "التوطين" يجب أن يكون، أي أن يظل، ممنوعاً فلسطينياً (وأردنياً ولبنانياً وسورياً..).

لقد انفصلت إسرائيل عن قطاع غزة؛ ولكن بما أسَّس لانفصال القطاع عن الضفة الغربية، ولجعله أكثر احتياجاً إلى العيش بتبعية شبه مطلقة لمصر؛ ولن تنفصل عن الفلسطينيين في الضفة الغربية إلاَّ بما يجعلهم، ومن الوجهة الموضوعية، في تبعية شبه مطلقة للأردن.

الفلسطينيون يسعون إلى حلٍّ نهائي لمشكلتهم القومية عبر التفاوض السياسي مع إسرائيل. ويكفي أن يلتزموا السير في هذا المسار حتى لا يبقى لديهم من سبب وجيه للاستمساك بحلٍّ نهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يقوم على عودة الملايين منهم إلى حيث تقوم دولة إسرائيل؛ ولكنَّ هذا التنازل الفلسطيني الكبير يفقد مبرِّره الفلسطيني إذا لم يؤدِّ إلى حلٍّ نهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني، قوامه قيام دولة فلسطينية بخواص جغرافية وسيادية واقتصادية.. تسمح لها بأن تكون من الوجهتين النظرية والعملية دولةً للشعب الفلسطيني بأسره.

ولَنَتَذَكَّر دائما ما تسعى إسرائيل إلى تذكيرنا به وهو أنَّها لا تُظْهِر هذا العداء لمبدأ وجود الدولة الأردنية إلاَّ إذا اشتدَّ لديها العداء للبقية الباقية من الحقوق القومية للشعب الفلسطيني، فهي في مسعاها البرلماني التلمودي ذاك إنَّما تقول للفلسطينيين لن تقوم لكم دولة قومية ولو في جزء من وطنكم، وتقول للأردنيين، في الوقت نفسه، لن تظلَّ لكم دولة، فأرض الفلسطينيين لنا، وأرضكم لهم!

مسعاهم المعادي للفلسطينيين والأردنيين ربَّما لا يتكلَّل بالنجاح في الكنيست الحادي عشر؛ ولكن هل ثمَّة ما يضمن أن يُحْبَط أيضاً في الكنيست الثاني عشر أو الثالث عشر.. ونحن نرى "التلمودية السياسية" في مسارٍ شعبيٍ صاعِدٍ؟!

إذا فاز أصحاب هذا المسعى، وهم الآن كُثر، بغالبية مقاعد الكنيست، وبما يمكِّنهم من أن يحكموا، وإذا ما شرعوا، بالتالي، يعاملون الأردن وكأنْ لا وجود لمعاهدة معه، فهل ثمَّة ما يدعونا إلى الثقة بوجود "مجتمع دولي"، يمكن أن يُخْضِع مشيئتهم لمشيئته؟!

بعد خراب البصرة لن ينفع قول من قبيل "هذا هو عهدهم؛ إنَّهم دائماً ينكثون العهود"! جواد البشيتي