حلم.. عابدين

بقلم: محمد طعيمة

في متن خبر بالمصري الأحد الماضي، انشغل عنوانه بفراغ سرادق لـ"حث" الابن على احتلال كرسي أبيه، قال اللواء أحمد زكي (عابدين)، محافظ كفر الشيخ، في حفل إفطار: "إن الرئيس المقبل قد يكون مدنياً وليس بالضرورة عسكرياً. إذا أراد جمال الترشح فلديه الحق، فالشعب هو من سيختار".
دعك من اللعب بـ"المدني"، وتجاهل أنه لا يتعلق بزي معين بقدر ما هو ثقافة دولة ومجتمع، فالجديد في التصريح المراوغ كما تعبيرات دعاة التوريث، إن مُطلقه هو أول شخصية ذات "جذر" عسكري تبشر بقدوم جمال. صحيح أن "أفراداً" تعود جذورهم لمؤسسات الكتلة الصلبة نشطوا في حملة التوريث، إلا أن أياً منهم لم يقلها صراحة.
في اسم وعائلة عابدين تتشابك الدلالات، فقصر جدهم هو مقر الرئاسة. كان أحد رجال محمد علي الذين بنوا مصر الحديثة، وحفيده المحافظ أحد أبطال أكتوبر، وبينهما عبدالحكيم عابدين سكرتير عام الإخوان سنة 1940 وزوج شقيقة حسن البنا. عبدالحكيم هو مهندس التحالف التاريخي بين الإخوان وبين إمارة شرق الأردن منذ سنواتها الأولى.. كـ"كيان وظيفي" خلقته ورعته لندن، كما مولت وحمت البنا وجماعته.
تحالف عابدين ممثلاً للبنا مع عبدالله الهاشمي يذكرنا بتحالف ابن عبدالوهاب مع آل سعود. كلاهما تم بين أسرة تحلم بدولة خريطتها بريطانية وبين رجل أصبح ظاهرة، وكلاهما وظّف الدين كمبرر لشرعية وجوده، وكلاهما يوجه الدين لما يعرقل تقدم المسلمين. الفارق أن حلم آل سعود عمره قرون.. بينما اُختُلقت شرق الأردن فجأة، وأن طرفي التحالف الأول محليين.. بينما استدعي الثاني "خبيراً" إخوانياً، ظلت الوهابية مجرد غطاء ديني لآل سعود.. بينما بنّاوية الأردن شركاء في الحكم حتى منصبي رئيسي الوزراء والبرلمان.. وفي تنفيذ سياساته "الوظيفية" بما فيها مذابح أيلول الأسود. ذات التحالف كرره الإخوان بالمغرب، وحديثاً في الجزائر ضد جبهة الإنقاذ برعاية الغرب.. ثم دعموا التمديد المفتوح لبوتفليقة تمهيداً لتوريث شقيقه، وفي قطر وفروا "شرعية" لانقلاب الابن على أبيه.. برعاية واشنطن، وهم مع توريث سيف الإسلام في ليبيا.
دعم "تقليدي" للتمديد والتوريث، ومنذ سنوات تتداخل شبكة تمويلهم الخليجية مع دوائر بيزنس التوريث. قبل ثلاث سنوات سألت د.محمد كمال المتحدث الرسمي باسم السياسات عن خيوط تواصل بين جمال والإخوان، منها أعضاء نادي جامعة القاهرة، قال: "أمر واقع.. كما نتعامل في البرلمان مع نوابهم"، قلت له إن لفتحي سرور صفة رسمية وجمال بدونها؟ أجاب: "لماذا لا يجتمع كحزبي مع المجتمع المدني.. والنادي جزء منه، ناقشنا قضايا التعليم ولم نتحاور مع الإخوان، وإن تطرقنا إلى قضايا عامة".
لم تكن قد تكشفت وقتها صفقة الفكر الجديد مع الإخوان. في أبريل 2004، ناوش الإخوان النظام بفزاعة كفاية. حينها لم يلتفت أحد لإعلان أحمد كمال أبوالمجد استعداده للوساطة مع الإخوان.. لأنهم "سيراجعون موقفهم، واللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش"، ملاحظاً لبرنامج "منتهى السياسة" بالقول "تشابه أفكار الجيل الجديد في الإخوان والحزب الوطني". انتظرنا أربع سنوات ليكشف لنا مهدي عاكف، بعفوية، أنهم "باعوا" الحراك السياسي، ثم أيده مستشاره عبدالحميد الغزالي: "كلام صحيح 100%، عقدنا صفقة مع الأمن فى انتخابات 2005." التفاصيل شرحها نائبهم حمدي حسن في "صباح دريم": عشرات المقاعد مقابل التخلي عن "لا للتمديد.. لا للتوريث".
بعد الانتخابات في أغسطس 2006 تكشف الأخبار اللبنانية عن "قنوات سرية بين الإخوان وجمال مبارك"، وفي ذات العام رفعت حركة "أحرار الإخوان"، التي وُصفت بالمنشقة، لافتات "بحبك يا جمال" و"جمال.. حلم جميل لبلد أجمل" في ست محافظات. قبلها وبعدها توالت التصريحات الزئبقية، أبرزها تأكيد محمد حبيب لرويترز أنهم لا يعترضون على التوريث مقابل شروط إصلاحية، ثم عاد ليقول إنه "فُهم خطأ"، لكنه كرر ذات التصريح لنفس الوكالة أبريل 2009 .. متوقعاً أن شروطهم لن تتحقق. قبله في مايو 2008 عبر حوار مخدوم بالمصري اليوم، "تمنى" يوسف ندا، رئيس حكومة ظل الإخوان، "ترتيب اتفاق بين الإخوان وجمال"، رافضاً مفردة التوريث.. لأن "له حقاً كمصري، علي ألا يكون مقروناً بالسلطة" ولا يصح "أن نقع في نفس الخطأ، وننادي بمنعه"، ممهداً بأن الإخوان "لا يهمهم من يحكم مصر، بل كيف تُحكم"، وإذا كانوا "مش عارفين يتفاهموا.. فأنا مستعد، وبيننا صديق مشترك سويسري مصري". يوسف كرر نفس العرض في أكتوبر 2009 لتليفزيون الـ"بي.بي.سي".
لم يوضح يوسف الاتفاق المُقترح، فالبنّاوية مهدوا لعرضهم بمقال للإخوانجي التونسي عادل الحامدي في القدس العربي أبريل 2008، عن "زواج مُكره" لن يحقق "نموذجية" زواج الجزائر، لكنه "مدخل جمال مبارك إلي الحكم على جواد ابن العاص"، ويحمي من "الدهماء".. ويقي الحياة السياسية "الرافضة والخوارج والأزارقة". ومع تذكيره بأن الغرب ضد التصعيد مع الإخوان، يوضح الحامدي أن العرض ليس فقط تقاسم سلطة "لكن أيضاً مغارمها"، فـ"البابا بنديكت الثاني، ممثل مليار من إخواننا الكاثوليك، دعا للتحالف مع الإسلام المعتدل ضد المتشددين الإسلاميين والعلمانيين"، والخلاصة "وزارات السيادة للحزب الحاكم، وللإخوان باقي الوزارات مع الفائزين في الانتخابات القادمة".
الآن تمهد تصريحات المرشد وكمال الهلباوي زعيم التنظيم الدولي والنائب محمد البلتاجي لصفقة قادمة، تهدد أقدس ما في ذاكرة عابدين: قسم عرابي بـ"لا نورث ولا نستعبد" وأذرع محمد علي وروح أكتوبر والقصر/المقر. صفقة تُفاقم انحدار مصر إلى كيان وظيفي، يتقاسم أدواره.. الإخوان والوريث. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com