حلقة إرهابية واحدة

صدعتنا الولايات المتحدة لفترة من الزمن بأنها تخوض حربا عالمية لمكافحة الإرهاب. وعندما وجدت من يساندونه، في السر والعلن، يحققون لها أهدافها فتر حماسها، وتجاهلت الحرب التي خاضتها، وغزت تحت شعارها أفغانستان ثم العراق، وسمحت لطائراتها أن تقصف في اليمن والصومال وليبيا وباكستان..

رغم تزايد البصمات الدالة على الإرهاب الآن في سوريا والعراق ولبنان وروسيا ومالي وحتى مصر، إلا أن واشنطن تصر على تقزيمه وتحاشي تضخيمه، وتتحفظ على التعامل مع العنف المفرط في هذه البلدان على أنه إرهاب، وتريد تسميته أي شيء آخر، وتتخذ الكثير من الحجج لتفويت الفرصة على الدول المتضررة منه، لعدم تحويل عمليات الإرهاب التي تضرب مؤسسات وأشخاص ومصالح إلى حرب إقليمية شاملة. ولم تفق إلا عقب تصاعد دور ما يسمي بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قبل أيام، ووجدت نفسها في موقف حرج، بين حلفائها وأهدافها، وأسقط في يد الإدارة الأميركية، حيث تخطت عمليات داعش حدود العراق، وتوسعت في سوريا، وألحقت أذى بلبنان، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الأردن. ولأن هذا التنظيم المتطرف هو امتداد للقاعدة، التي جعلتها واشنطن عدوا صريحا لها، أضحت مطالبة باتخاذ موقف أكثر وضوحا، من العمل الجماعي تحت شعار مكافحة الإرهاب، الذي تتبناه روسيا وآخرين. فالوقت يمر دون تحقيق انجازات في أي من القضايا الاقليمية التي تزداد تعقيدا، وتتوسع وتنتشر أدوار جماعات ظلامية تمثل تهديدا لعدد من الدول، وأوراق اللعبة التقليدية تتزحزح عن أماكنها، بصورة قد يصعب السيطرة معها على مفاتيحها الرئيسية.

الواقع أن شعار مكافحة الإرهاب الذي تبنته واشنطن ونحتته على جدران كثير من دول العالم، أصبح منفرا لها في الوقت الحالي، ليس فقط لأنه يتناقض مع مصالحها، بل تخشى أن يتم توظيفه من قبل جهات سياسية متعددة، وقد يكتب شهادة وفاة لبعض المخططات الأميركية، واجتهدت في استبعاده، ولو مؤقتا من أجندتها المكدسة. فمكافحة الإرهاب، تعزز رؤية موسكو التي ترى أن ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، من حروب وصراعات وتوترات، يمكن القضاء عليه ضمن تعاون وتنسيق جماعي في هذا الإطار. وقد ازداد حماسها ودفاعها عن موقفها، بعد تفجير فولفوجغراد الروسية الشهر الماضي، التي أشارت أصابع الاتهام إلى تنظيمات متشددة لها روافد في الشرق الأوسط. وتقلق الولايات المتحدة أيضا من احتمال أن تستفيد سوريا من العمل تحت هذا الشعار، لأنه بمثابة حبل انقاذ للرئيس بشار من ورطته الراهنة، وبامكانه أن يحوله من موقف الدفاع ضد قوى من الشرق والغرب، إلى الهجوم على المعارضة المتشرذمة، والمتشددين الذين تكاتفوا عليه، وجاءوا من كل حدب وصوب. والمفارقة أن الأسد هنا سيكون مدعوما ممن وقفوا في مواجهته ووضعوا رأسه تحت المقصلة.

من جهة أخرى، تربح مصر وتتأكد صدق رؤيتها، من أن ما تتعرض له بعد سقوط الإخوان، يدخل ضمن الباب الأول للإرهاب، تتشابك فيه الأذرع الداخلية مع الخارجية. لذلك تسعى الولايات المتحدة لمنع العمل تحت شعار مكافحة الإرهاب، حتى لا تجد نفسها في خندق واحد مع الأسد، ومضطرة للتخلي عن حلفائها الإخوان، الذين صنفوا مؤخرا كجماعة إرهابية، وتجري تحقيقات مع عدد من القيادات، بشأن اتهامات بالعمالة والخيانة لجهات أجنبية. وترمي ممانعتها القوية لهذا الشعار إلى عدم الكشف عن أسرار عمليات إرهابية قد تدين واشنطن، بالتآمر والتواطؤ، أو على الأقل إخفاء معلومات، حتى لا تفضح بعض الأصدقاء. ولا تزال هناك وسائل إعلام أميركية تواصل هجومها على الرئيس باراك أوباما لعدم كشفه الحقيقة كاملة بخصوص تفجير القنصلية الأميركية في بني غازي في سبتمبر 2012. وحتى لو كانت هناك جهات رسمية مقتنعة (في السر) أن مصر تخوض حربا ضارية ضد الإرهاب، فإنها لن تفصح عن موقفها في العلن، لتجنب الاعتراف بخطأ التقديرات منذ ثورة 30 يونيو. وبالتالي الاقدام على سياسات جديدة تصحح بها سلسلة من الأخطاء القديمة.

الشاهد أن واشنطن ستظل تعمل على مقاومة الاتجاه الجماعي، وتفضيل العمل بشكل فردي، لإنقاذ ما يمكن انقاذه. ففي العراق مثلا أعلنت قبل يومين عن ارسال شحنات من المعدات العسكرية لمساعدة حكومة نوري المالكي في محاربة داعش في محافظة الأنبار، وتحاول "الشوشرة" لغض الطرف عن الامتدادات الخارجية لهذا التنظيم، وتجاهل مناقشته اقليميا، ليستمر التركيز على الأزمة السورية، وعدم التشويش على الصورة الثابتة والتي تروجها منذ فترة "رئيس يقتل ويشرد شعبه". كما أن فتح ملف داعش وأخواتها في العراق وسوريا على نطاق واسع، يمكن أن يضر بسمعة قوى اقليمية ودولية، سعت إلى توظيفها مباشرة عبر أدوات مخابراتية، لتصفية حسابات سياسية، وتغيير موازين أمنية، أو بطريقة غير مباشرة، حيث استفادت دول من التصعيد المفاجئ لتنظيم، هو عدو في الظاهر لدي البعض وحليف في الباطن عند آخرين، في تخفيف الضغوط السياسية الواقعة عليها، ولفت الأنظار بعيدا عن أوضاعها الداخلية، وتأكيد أن معظم الصراعات المحلية في المنطقة تدور في حلقة إرهابية واحدة تقريبا.