حكومة لبنانية يرتاح إليها جيمس بايكر

منذ بدأت الدول الكبرى تقلِّص دورَ الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط الكبير (باكستان، إيران، العراق، سوريا، مصر، السعودية)، باتت كل تسويةٍ دولية بشأن هذه المنطقة تتمّ على حساب هذه الدول وامتداداتِها الدينية أو الحزبية. وأصبحت هذه الدول تشعر أن التفاوض معها هو للالتفاف عليها لا للاتفاق معها وإشراكِها في النظام الإقليمي الجديد كما كانت الحالُ في العقود الأربعين السابقة (القضية الفلسطينية، الحرب اللبنانية، حرب تحرير الكويت...).

لذلك تتحفظ هذه الدول الإقليمية والقوى الدائرة في فلكها عن تسهيل التسويات قبل أن تضمن سلامتها ودورها فيها. ومن هنا تتردد قوى 8 آذار، وتحديداً حزب الله، عن محض الرئيس المكلف تمام سلام ثقة مفتوحة لتأليف "حكومة خاصة" قبل أن تـتّضِح حدودُ التحولات الآتية وقواعد اللعبة الجديدة. الثقة بسلام كبيرة لكن الثقة بالتطورات صغيرة. فمن يضمَن دورَه في حكومة ما قبلَ الانتخابات يضمن دوره في حكم ما بعدَ الانتخابات، لاسيما وأن هذه المرحلة الانتقالية مليئة بالأحداث المصيرية، ولا أحد يعرِف بالتالي ما إذا كانت "حكومة الانتخابات" هي حكومة الانتخابات النيابية فقط أم الانتخابات الرئاسية أيضاً. ولا أحد يدري ما إذا كانت الحكومة العتيدة هي حكومة الدولة اللبنانية فقط أم حكومة الثورات والأنظمة العربية الحالية والانتقالية.

إن مواقف الأطراف اللبنانيين تبرزهم ملحقين أو مشاركين في أحداث المنطقة، وهم بذلك ينقُضون "إعلان بعبدا" الذي وضعوه عوض أن يلتزموا به خَشبةَ إنقاذٍ لبلدهم. مأساة لبنان أن الذين ربطوا هويته في العقود الماضية بالأمة العربية الواحدة، يربطون وحدته اليوم بالأمم الإسلامية الناشئة. وفي الحالتين يعرِّضون الكيان اللبناني للانفجار.

إزاء هذا الواقع لا أدري أي تطمينات تشجع مكونات في 14 آذار، وتحديداً تيار المستقبل، على التعالي عن تحمل المسؤولية وهي التي لُدغت مراراً من تسويات، بل مساومات خارجية، حيكت من وراء ظهرها وظهرنا على حساب مبادئنا وشهدائنا فاضطر بعضنا إلى التراجع وتقديم تنازلات متتالية منذ سنة 2006 حتى اليوم.

أصدقاء قوى 14 آذار، العرب والدوليون، كانوا أركان تلك التسويات وعرابيها، حتى أني تمنيت حصول تبادل حلفاء بين 8 آذار و 14 آذار. فحلفاء الأُوَل ما تخلوا مرة عنهم، بينما 14 آذار عانت من حلفائها بقدر ما عانت من أخصامها. وتفسير ذلك بسيط: 14 آذار نقطة في بحرِ اهتمامات حلفائها، أما 8 آذار فهي بحرُ المحور الإيراني السوري. إن الدعم المـقَـنَّـن الذي توفَّر لــ 14 آذار سمح لها أن لا تموت لا أن تحيا موحدة، قوية ومنتصرة كما يفترض أن تكون بعد الانسحاب السوري وسلسلة القرارات الدولية.

إن مجرد عرضِ مصير مجموعةِ القرارات الدولية المتعلقة بلبنان يكشف أن بعضها نُـفِّـذ جزئياً والبعض الآخر ضاع في غياهب الزمان. ورغم ذلك، لا تزال 14 آذار تبني آمالاً على قرارات المجتمع الدولي التي يبقى تنفيذها رهن التطورات الإقليمية والعالمية عِوضَ أن تعوِّل على طاقات شعبها العظيمة لـتُحدِث التغيير. هل تعتقد 14 آذار أنها ستكون حاضرةً في لقاء بوتين وأوباما في حزيران المقبل، وأن الرجلين يرهنان اتفاقهما على القضايا الدولية بضمان عودة 14 آذار إلى ساحة الشهداء وإلى الحكم؟ وهل تعتقد 14 آذار أن تقرير مصير الملف النووي الإيراني في مفاوضات فيينا يتوقف على وجود حكومة حيادية في لبنان؟

إن توقيت مصالح الدول ليس نفسه توقيت المصلحة اللبنانية. والدول التي لم تَنصُر ثورة سوريا رغم مئة ألف قتيل وستة ملايين مهجَّر ونازح، لن تَنصُر "ثورة الأرز" إذا تعرضت لمكروه جديد. إني أنتظر عودة سعد الحريري لا غربة تمام سلام. لذا، لا لــ 14 آذار أن تعتذر عن المشاركة في الحكومة، ولا لتمام سلام أن يؤلف حكومة "أوف شُور".

صحيح، هناك توافقٌ عربي ودولي على حفظ استقرار لبنان وحرصٌ على بقائه بمنأى عن الصراعات والثورات علّه يبقى موحَّد الكيان في زمن فرز الكيانات المجاورة. لكن هذا التوافق يعتريه خلل مزدوج يعطّل قرار حفظ الاستقرار اللبناني. الأول هو أن الدول العربية والدولية المتوافقة على استقرار لبنان هي فريق أساسي في صراعات لبنان والمنطقة ومحاورها. والثاني هو أن الأطراف اللبنانيين المعنيين بالتزام الحياد ليستمر الاستقرار متورطون بالصراعات ومنحازون إلى هذه المحاور العربية والدولية. هذا الخلل المزدوج يجعل التوافق الخارجي حول لبنان نظرياً ويُبقي الاستقرار الداخلي مجازيّـاً. وها هي المواجهات العسكرية تتوسع بين القوى اللبنانية المنحازة والقوى الخارجية.

علاوة على ذلك، يستحيل أن يصمد الاستقرار في لبنان ما لم توضع حلول عملية وتنفيذية لمصادر الاضطراب الأمني والديموغرافي إلا إذا أذعن اللبنانيون للأمر الواقع وقبلوا بتوطين الفلسطينيين وسلاحهم، بسلاح حزب الله ومشروعه، ببؤر التيارات السنية المتطرفة وإماراتهم، وبأخطار نزوح مليون سوري بين مواطن ومسلَّح. ومن يدري، قد يكون البعض بدأ يفكر بتحضير مرسوم تجنيس جماعي جديد. ومَن أحقُّ من وزيرٍ حيادي بالتوقيع عليه؟ إنه أفضل بطاقة تسهيل مرور إلى رئاسة الجمهورية...

إن التطورات الإقليمية والدولية التي يراهن البعض على حصولها هي سياسية لا عسكرية، وهي احتوائية لا إلغائية. وبالتالي لن تسمح هذه التطورات لأي فريق لبناني أن يُبعد الآخر عن السلطة إلا في نطاق ما تسمح به الآليات الديمقراطية والأحكام القضائية. وخلاف ذلك هو مشروع حرب طائفية تقضي نهائياً على وحدة لبنان. لذلك تقضي الحكمة ـ بالإضافة إلى المعطيات الواقعية ـ بتعليق الخلافات الداخلية ولقاء القوى اللبنانية الأساسية في حكومة إنقاذ تتصدى لأخطر أزمة وجودية يتعرض لها لبنان منذ نشوئه سنة 1920 (اخترت كلمات هذه الجملة بعناية).

في 25 تشرين الأول 2006 أعلن وزير خارجية أميركا السابق جيمس بايكر أن بلاده "لم تغير سياستها تجاه الشرق الأوسط منذ سنة 1969" (تاريخ توقيع مذكرة تفاهم استراتيجي بين أميركا وإسرائيل). "وترتكز سياستنا على تركيب شرق أوسط على أساس إتني وطائفي". فسأله الصحافي: وماذا عن نشر الديمقراطية والحرية في هذه المنطقة من العالم؟ أجاب بايكر: "هذه الشعارات هي جزء من استراتيجيتنا الإعلامية". ولما سأله عن مخطط واشنطن للعراق ولبنان، أجاب: "بالنسبة للعراق لدينا خطط تذهب من الفدرالية إلى التقسيم. أما بالنسبة للبنان فالمخطط لا يزال نفسه منذ سنة 1969" (تاريخ توقيع اتفاق القاهرة). عاشت حكومة الانتخابات.... إنها أفضل حكومة يرتاح إليها حيمس بايكر.