حكومة فقراء أم مصنع أثرياء؟

بقلم: د. طالب الرماحي

مرة أخرى تخرج قرنيها إلى السطح قضية منح قطع أراضي للبرلمانيين المنتهية ولايتهم في مناطق مهمة في بغداد وعلى ضفاف دجلة. بمساحة 600 متر لكل واحدة، هذا ما أكده كتاب مجلس الوزراء المرسل لأمانة العاصمة بغداد. وفي لقاء مع قناة الحرة أعلن أمين العاصمة عدم رغبته في تنفيذ طلب الحكومة العراقية الجامح في تحقيق هذا الهدف لأنه سوف يضر بالمدينة. فتلك الأراضي المهمة سوف تستنزف الكثير من المناطق المكشوفة وتخنق العاصمة، ووضع بديلاً عن ذلك شقق بوابة بغداد لسكن النواب.
أحد ممثلي المرجعية في النجف طالب السيد المالكي بعدم توزيع تلك الأراضي بعد أن تأكد إصراره على تحقيق هذه الرغبة، ويبدو أن هذا الطلب جاء، بعد أن شعر الجميع أن ذلك مخالفا لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود المجتمع العراقي وهو أيضاً تحد فج من قبل الحكومة لمشاعر الطبقات الفقيرة.
ونحن نتساءل عن الأسباب وراء إصرار الحكومة على منح البرلمانيين أراض غالية الثمن وفي أماكن مهمة في بغداد، مع أن الجميع يمتلكون من الامتيازات المالية ما يجعلهم في غنى عنها، ومنْ منا لا يعلم أن الجميع يسكنون في مساكن فارهة سواء كانت في بغداد أو المحافظات أو في الخارج، وما هي الإنجازات التي أنجزها أولئك البرلمانيون للشعب طيلة السنوات الأربع الماضية والجميع يعلم أنهم قد فشلوا في ترك أي بصمة خير يفخر بها، وإذا كنتُ مغاليا فعلى أي واحد منهم أن يدلني على تلك البصمة؟ الحكومة تطلب من أمانة العاصمة أن توزع على البرلمانيين مساحة 150 ألف متر مربع داخل بغداد يكفي ثمنها لإيواء آلاف العوائل التي تسكن في خرائب وفي أحياء من الصفيح أو تلك التي تعاني من غلاء الإيجارات في المحافظات.
لماذا تصر الحكومة على منح البرلمانيين كل تلك الإمتيازات ولغة الأرقام تؤكد أن كل نائب يكلف الدولة وخلال الدورة البرلمانية من "أموال الفقراء والمعدمين" ما يقرب المليون ونصف المليون دولار، وخلال دورة برلمانية واحدة سيدفع البلد للبرلمانيين خمسمائة وثمان وعشرون مليون دولار، ولماذا لا تمتلك تلك الحكومة الحماس نفسه في توفير سكن متواضع لملايين العراقيين الذين لا يمتلكون دار سكن، وهل أصاب الحكومة الصمم عن التقرير الأممي الذي يذكر أن 23% من ابناء الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر، وأن 40% من هذا الشعب لا يمتلك سكن خاص به، أليس أولى بالحكومة أن تشعر المعدمين برعايتها وهم الذين ذاقوا شظف العيش طيلة عقود وأعطوا من التضحيات الكثير، وجازفوا بحياتهم خلال السنوات السبع الماضية من خلال تحديهم للموت والمشاركة في صنع الديمقراطية التي أصبحت بقرة حلوب لفئة قليلة من السياسيين فيما بقوا هم يسيرون على الطريق نفسها من الحرمان والعناء، بعد أن بقي السياسيون منشغلين من قبلُ، أو كما نراهم اليوم في الصراع على المناصب وتقاسم الإمتيازات الدنيوية.
نحن نعلم أن ثقافة رئيس الحكومة وثقافة حزبه إسلامية استقاها من ثقافة أهل البيت، فأين تلك الثقافة، أم أنهم يعيشون حالة انتقالية خطيرة في الفكر والممارسة السياسية والإنسانية؟ أفلم يقرأوا كيف كان عليٌ عليه السلام يتصرَّف مع بيت المال، وهل كان يفضل نفسه وعائلته أو أحد أصحابه على عامة المسلمين، أولم يعطي القميص الأفضل لخادمه قنبر ويحتفظ بالمتواضع لنفسه؟
نحن لا نطلب من منتسبي حكومتنا أن تفعل بسيرة علي عليه السلام، فذلك شرف لا يمتلكه إلا من حباه الله توفيق طاعته، وهذا التوفيق لن يناله غير مستحق له، والاستحقاق لن يأتي قـبل أن تمتلك النفس القناعة والغنى، وهذا الغنى الإلهي يستعصي على من كان جائعاً ثم وجد نفسه أمام قصاع من ذهب، ويذكرنا ذلك بقول أمير المؤمنين عليه السلام: لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق، بل اطلب الخير من بطون شبعت ثم جاعت، لأن الخير فيها باق.
فلا يحق لرموز الحكومة أن تدوس بأقدامها على مشاعر الفقراء والعامة من الناس، وإذا كانت الحكومة ومنتسبيها تتخذ من بساطة الناس ستاراً تختفي وراءه، فأعتقد أن من بين هذا الشعب المظلوم الكثير من الفئات المثقفة والواعية والتي تراقب ما يحصل وهي تمتلك من الأحاسيس ما يجعلها تستشعر مرارة الإستخفاف الحكومي والانتهاكات المادية الخطيرة وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، وسوف تختزن تلك الظلامات حتى يحين وقت القصاص العادل، وأضنه قريباً جداً.
ومما يثير العجب في سياسة الحكومة هو التناقض في التعامل مع شرائح الشعب، ففي الوقت الذي تستشيط رغبتها في منح البرلمانيين المتخمين بالمال والامتيازات وقطع أراضي متميزة وبفترة سريعة تبقي قانون الهجرة والمهاجرين بكل فقراته الهزيلة، ومنها منح قطعة الأرض وفق مكان الولادة وليس وفق مكان التسجيل أو السكن، ناهيك من أن المهاجر العائد عليه أن ينتظر عدة سنوات قبل أن يمنح قطعة أرض بائسة في مكان ناء لا قيمة لها.
نحن نحذر من ظاهرة خطيرة يجب الانتباه إليها، ففي السنوات الأربع الماضية، وبسبب النهب المنظم للمال العام والفوارق الخطيرة في الرواتب التي يتقاضاها المسؤولون الكبار ودوائرهم القريبة، تكونت في العراق طبقة ارستقراطية، راحت تنمو بشكل مهول على حساب الطبقة المعدومة، وتشير بعض الدراسات إلى أن تلك الرواتب الضخمة وعمليات النهب للمال العام من قبل الكثير من أصحاب الشركات الوهمية التي تتعامل معها بعض الوزارات والأحزاب، قسمت العراقيين إلى طبقة أثرياء تعيش ترفاً لا حدود له وطبقة من الفقراء تعاني كل أنواع شظف العيش.
وأحب أن اختم مقالي بالتذكير من أن من يتقاضى أكثر من حقه، انما يعتدى على حقوق الآخرين من الفقراء والمعدمين، وهو سحت حرام بكل المقاييس الدينية والإنسانية، ونحن عندما نقول ذلك نشعر بكثير من الأسى ونحن نرى إخوة لنا في الإيمان قد سقطوا في هذا المستنقع الدنيوي الخطير، ولعل القرآن نبه عنه قبلنا عندما خاطب المؤمنين بشكل صريح "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب". نعم لقد كانت السنوات الماضية امتحانا ميز الله فيه القوم، وما تختزنه القلوب أصبح منقوشا على الجباه.
أنا أدعو المرجعية التدخل السريع لمنع مظاهر الثراء الفاحش بسبب ضخامة الرواتب وأساليب نهب اموال الدولة من قبل المتنفذين في السلطة، نحن بحاجة إلى موقف صريح وواضح لمؤسساتنا الدينية المعنية أكثر من غيرها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدعو كل المثقفين والأكاديميين إلى أن يكفوا عن الصمت والمداهنة وانتظار الفرج من الغير، فكلنا مسؤول غدا أمام الله، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وأن صمتنا وموقفنا المتفرج سوف يغري فينا عباد الدنيا وطلابها، وسوف يزيد من قوة شوكتهم، وخاصة أن للسلطة وللمال سحر لا تبطله الدموع، بل تبـطله قوة المواقف واتباع الحق ووحدة الكلمة لكل شرفاء هذا الشعب. د. طالب الرماحي