حكومة عاجزة، ولا كهرباء: بغداد تقضي معظم وقتها في الظلام

مليارات وسنوات من العمل والنتيجة: غير كافٍ بشكل مخيف

بغداد ـ رغم مرور سنوات من العمل وصرف المليارات من الدولارات لاصلاح المنظومة الكهربائية المعطلة، يبقى تجهيز الكهرباء في بغداد متقطعاً واقل من المستوى الذي كان عليه قبل الحرب.
وكانت بغداد تحصل على معدل 6 ساعات من الكهرباء في الاسبوع الاول من اكتوبر يومياً، وهو ما يشكل نصف الساعات التي تحصل عليها بقية مناطق العراق، وذلك بحسب وزارة الخارجية الاميركية.
واضطر اهالي بغداد للاعتماد على مولداتهم الخاصة لانارة بيوتهم وتشغيل الاجهزة الاساسية مثل الثلاجات.

وانهارت الشبكة الكهربائية العراقية هذا الصيف وكانت الانقطاعات هي الاسوأ منذ صيف 2003، كما اشارت لذلك وزارة الكهرباء، وهناك بعض المناطق في بغداد لا تحصل على الكهرباء الا لساعات قليلة في اليوم.
وقال السفير الاميركي في العراق رايان كروكر النواب الاميركان في ايلول بأن تجهيز الكهرباء في العاصمة "غير كافٍ بشكل مخيف".

وكانت بغداد تحصل على مابين 16-24 ساعة من الكهرباء يومياً في آذار 2003. حيث كان الرئيس السابق صدام حسين يولي العاصمة حصة الاسد من الكهرباء.

وحاولت السلطات الاميركية والعراقية اصلاح المنظومة الكهربائية وتوزيع الكهرباء بالتساوي في العراق.
لكن زيادة الطلب على الكهرباء والعنف والفساد وسوء الادارة ادت الى عرقلة سنوات من الجهود لتحسين الطاقة الكهربائية ـ وخاصة في العاصمة ـ مما اضعف ثقة العراقيين بحكومتهم.

وقال زياد محمود احمد (35عاماً) من منطقة الدورة ببغداد "تعلن الوزارة كل سنة عن خطط ومشاريع استثنائية، لكن شيئاً لم يتحسن، بل على العكس فان الكهرباء زادت سوءً في شتاء هذا العام.هناك مناطق في بغداد يصل انقطاع الكهرباء فيها الى اكثر من عشرة ايام".

وورث الاميركان منظومة كهرباء اكثر سوءً مما توقعوه بعد الاطاحة بالرئيس السابق صدام حسين في نيسان 2003؛ فقد دمرت القاصفات الجوية الاميركية محطات الكهرباء بشكل كبير في العام 1991، ومما زاد الامر سوءً هو تردي البنى التحتية للكهرباء وعجزها اثناء فترة الحصار الذي فرضته الامم المتحدة على العراق.

وخصصت واشنطن ما يزيد على 4.6 مليار دولار اميركي - اي ما يعادل ربع الميزانية المخصصة لاعادة اعمار العراق - لمشاريع الكهرباء منذ عام 2003. الا انها لم تستطع انجاز سوى 57% من حاجة العراق للكهرباء.
ويحصل البلد بشكل عام على ساعات قليلة من الكهرباء مقارنة بما كان يحصل عليه في ربيع 2004.
وتقدر وزارة الكهرباء ان بناء واصلاح البنى التحتية للكهرباء سيكلف 27 مليار دولار ويستمر حتى العام 2015.

وتم انتاج اقل من 5000 ميغاواط يومياً في شهر ايلول بينما كان المعدل قبل الحرب حوالي 4300 ميغاواط.
وكانت سلطة الائتلاف المؤقتة تسعى للحصول على 6000 ميغاواط في اليوم في تموز 2004، لكن الهدف لم يتحقق ابداً.
واشارت الوزارة الى ان العراق يحتاج الى 8250 ميغاواط في اليوم لان الحاجة الى الكهرباء ازدادت بشكل ملحوظ منذ 2003 حيث كان العراق حينها فقيراً وتحت الحصار.

ويستهدف المسلحون بشكل منتظم منظومة الكهرباء وبناها التحتية التي تجهزها بالوقود مما يؤدي الى تعطيل كليهما.
وتتسبب الهجمات على ابراج نقل الطاقة ومحطات التوزيع بفقدان حوالي 2500 ميغاواط يومياً اضافة الى تسببها في شحة الوقود والماء، وذلك بحسب التقرير الصادر في ايلول عن دائرة معلومات الطاقة في الحكومة الاميركية.

وبحسب دائرة معلومات الطاقة، فان 78% من محطات الكهرباء العراقية تدار بواسطة النفط والغاز، بينما 22% تدار بواسطة الطاقة الهيدروجينية.
وقال عبد الاله صادق احد المستشارين في وزارة النفط بأن المحطات التي تدار بواسطة النفط تعاني من الكثير من المشاكل بسبب الشحة في الوقود.

واضاف "تعمل المصافي بواسطة الكهرباء، وتعمل محطات الكهرباء بواسطة المنتجات النفطية، انهما مشكلتان متداخلتان".

واصبح تهريب النفط من الاعمال الكبيرة في العراق والذي يتسبب بالشحة التي تجبر الحكومة على استيراد النفط والبنزين من الدول المجاورة مثل ايران وتركيا.
وتقدر مجموعة دراسات العراق الاميركية ان العراق يخسر ما بين 150 ألفاً إلى مائتي ألف مما مجموعه 2.3 مليون برميل ينتجها يومياً بسبب التهريب.

وتولي الحكومة الاولوية لتصدير نفطها الخام بدلا من الاحتفاظ به في البلد لانها بحاجة لدفع الديون المتراكمة عليها وكذلك لانعاش الاقتصاد.

وأدى نقص الكاز الى تعطيل نصب اكثر من 220 مولدة في بغداد.
وقال رعد الحارس وكيل وزارة الكهرباء ان تلك المولدات التي جلبتها الحكومة في 2004 ما تزال مخزونة في مستودعات الوزارة.

وقال صادق ان اختطاف شاحنات الوقود يزيد من تفاقم الشحة فيه.

وأضاف "يرفض الكثير من السواق نقل الوقود من الحدود الايرانية والتركية، ويرفضون ايضا نقله داخل البلد بسبب خوفهم على حياتهم".

ويرغب وزير الكهرباء كريم وحيد بخصخصة المنظومة الكهربائية وتهدف وزارته الى تجهيز المواطنين بالكهرباء على مدار الـ24 ساعة بحلول العام 2009 لحين احداث زيادة مهمة في القدرة من الميغاواط بحلول العام 2015.
لكن الحكومة الاميركية تلفت الانتباه الى ان الوزارة لا يمكنها تحقيق اهدافها دون ان يكون لها حماية قوية وتجهيز منتظم من النفط لتشغيل المحطات وكذلك وجود ادارة جيدة- وكل ذلك كان من ضمن المشاكل.

وأثر الفساد وسوء الادارة بشكل قوي على اعادة تأهيل الشبكات الكهربائية.

وحققت المفوضية العامة للنزاهة مع وزير الكهرباء السابق محسن شلاش الذي تسلم الوزارة في 2005 و2006 لامور تتعلق بالفساد. الا انه لم تتم ادانته.
وكذلك استطاع الوزير الاميركي العراقي ايهم السامرائي الذي اتهمته المفوضية بالفساد الهروب من السجن في كانون الاول عام 2006 بمساعدة شركة امنية اجنبية خاصة، حسب ما اعلنت السلطات العراقية. الا انه انكر التهم الموجهة ضده.

وقال مثال الالوسي عضو البرلمان ورئيس حزب الامة العراقي الديمقراطي المستقل ان "الفساد الاكبر حصل في وزارتي الكهرباء والدفاع، تم دفع ملايين الدولارات من ميزانية الدولة لكنها ذهبت الى جيوب المقاولين والارهابيين".

وهيَّأت وزارة الكهرباء الكثير من الاعمال للمقاولين لكنهم لم يكملوا العمل في العديد من الحالات. ويقولون ان ذلك بسبب العنف، لكن البعض يتهمهم بأنهم يريدون ابتزاز الوزارة وسلبها.

ويتفق كاظم محمد ـ وهو صحفي ومهندس ذو خبرة في قطاع الطاقة ـ مع هذا الرأي اذ يقول "لا توجد قوانين صارمة لمحاسبة المقصرين، لم يطبق حكم جيد للقضاء على الفساد في وزارة الكهرباء".

وهناك مشاكل مهمة في تخصيصات الميزانية.
فقد تم اعطاء وزارة الكهرباء ملياري دولار للعام 2007 بينما كانت حصتها 800 مليون دولار في عام 2006.
لكن الحكومة والوزارة ترفض صرف المبلغ بسبب المخاوف الامنية.
واستغلت الوزارة في العام الماضي فقط 35% من ميزانيتها، وبحلول منتصف 2007، صرفت الحكومة فقط ربع ميزانيتها.

وواشنطن هي المستثمر الاكبر في اعادة اعمار العراق وبنى الكهرباء التحتية.
واكتشف المحققون الحكوميون الاميركان تلاعباً كبيراً في الحسابات.
ففي احدى الحالات اكتشفوا ان 10 مليارات دولار من اصل 57 مليار دولار لدعم الجيش واعادة الاعمار في العراق قد تم تبديدها من قبل المقاولين وصرفها من غير ما يثبت اوجه صرفها، وذلك بحسب دائرة المحاسبة الحكومية الاميركية.

وتم تجفيف تخصيصات الحكومة الاميركية لاعادة اعمار العراق، ورأت السلطات الاميركية ان على بغداد تحمل مسؤولية تطوير البلاد.

واشار البنتاغون في تقريره المقدم في حزيران الى الكونغرس الاميركي "بما انه قد تم اكمال مشاريع اعادة الاعمار الاميركية، فان على وزارة الكهرباء اخذ المبادرة لتمويل متطلباتها لتجهيز الكثير من الكهرباء".

واشارت وزارة الكهرباء الى وجود العديد من المجطات الكهربائية الجديدة في بغداد، ودعا وحيد المستثمرين العرب والاجانب للاستثمار في مجال الكهرباء.
وعرضت ايران ان تحل مكان الاميركان بتمويل مشاريع الكهرباء لغاية مليار دولار.

وتقوم الحكومة حالياً بشراء الكهرباء من الدول المجاورة مثل تركيا وايران وسوريا، لكن الالوسي اعرب عن قلقه من ان اي خلاف سياسي مع تلك البلدان سينعكس سلبا على توزيع الكهرباء.

وتجتاح بغداد المولدات الخاصة التي تعمل بالوقود حالياً، لكنها اصبحت مكلفة بسبب الزيادة في اسعار الوقود.

ويقول الحارس ان الوقود والامن والكهرباء هي امور متداخلة لا يمكن لاحدها الاستمرار دون الاخر، "اذا تمكنَّا من تحقيق الامن وتوفير الوقود، سوف تتحسن الكهرباء. واذا لم يحدث ذلك التغيير، فلن يحصل اي تغيير في الكهرباء ايضا".(تقرير الأزمة العراقية)