حكومة التكنوقراط العبادية... محاولة جديدة لترسيخ دكتاتورية الطائفة

تزامنا مع تحرير معظم المناطق العراقية من احتلال داعش، يجري الآن في بغداد الحديث عن تشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية مهامها إخراج البلد من الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها منذ 2003 ولغاية يومنا هذا. ورغم أن اغلب الكتل السياسية العراقية أبدت موافقتها على هذا التوجه بشكل عام، إلا أن تلك الموافقات لم تخلُ من ملاحظات حول التفاصيل. ويبدو أن توقيت هذه المحاولة لم يأتِ من فراغ، بل له أبعاد سياسية تتعلق بالصراع المحتدم في المنطقة الآن بين الأطراف الإقليمية (السنية والشيعية)، ومحاولة استباقية من قبل الأحزاب الشيعية للاستحواذ على العملية السياسية لمرحلة ما بعد داعش.

وما يجعل الآخرين يشككون في النوايا السياسية لهذا التوجه هو توقيته وكيفية طرحه، فالظروف التي يمر بها العراق من وجود داعش والتشتت السياسي للكتل العراقية وتغيير التوجهات السياسية للكثير من المكونات وخاصة للمكون السني، وبروز مليشيات شيعية كقوة مسلحة رئيسية في البلد، إضافة إلى تطورات الوضع الإقليمي، يجعل من وجود رئيس وزراء شيعي يترأس حكومة كفاءات غير حزبية، ويتحرك وفق توجهات التحالف الوطني الذي تحول إلى مؤسسة تصنع القرار، يجعل من هكذا دعوة ترسيخا كاملا لدكتاتورية الطائفة، لا سيما وان المؤسسة العسكرية والحكومية حاليا خالية من أي وجود سني أو كردي فعال ومؤثر والتواجد الكردي والسني العربي في البرلمان لا يعطيهما القوة الكافية للوقوف ضد توجهات الكتلة الشيعية فيه.

ولذلك نقول...إن كان السيد حيدر العبادي والتحالف الوطني الذي ينتمي إليه صادقين في نواياهم فان عليهم تهيئة أرضية مناسبة لحكومة الكفاءات الغير حزبية هذه لا القفز على خطوات يجب دراستها لإنجاح هذه الحكومة. ومن بين هذه الخطوات:

1- إيجاد حل جذري لأكبر تحدي يمكن أن يواجه أي حكومة كفاءات غير حزبية وهي المليشيات الشيعية، التي استطاعت التغلغل بكل مفاصل الحياة منذ 2005، والتي تحولت بعد تشكيل الحشد الشعبي إلى قوة عسكرية تفوق قوة المؤسسة العسكرية العراقية، سيطرت على الوضع الأمني بشكل كامل. فإذا كان هذا هو الحال في ظل حكومة حزبية، فكيف يمكن تصور نفوذها في ظل حكومة تكنوقراط لا ينتمي أعضائها إلى أي حزب، وكيف ستتحكم هذه المليشيات في قرارات الحكومة وتفرض سيطرتها عليها؟

لذلك فقبل الحديث عن أي حكومة تكنوقراط يجب البحث عن إجراءات تحيد هذه المليشيات وتنهي سيطرتها الأمنية على البلد.

إن الحديث عن دمج هذه المليشيات في الجيش العراقي لا يعني القضاء عليها بقدر ما يعني القضاء على الجيش العراقي وتحويله إلى مليشيات تحت نفوذ الزعامات الشيعية. وإذا أريد حل هذه المليشيات بشكل جاد وإزالة تأثيرها، فمن الضروري تحييد زعاماتها وقاداتها بمحاكمتها، خاصة وأنها متهمة بارتكابها لجرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان.

2- كما أسلفنا فان هناك إشكالية في توقيت هذا التوجه خاصة في الظروف الراهنة للمنطقة والتي تشهد استقطابات مذهبية إقليمية سوف تؤثر على الداخل العراقي أكثر من أي دولة أخرى، وتجعل من محاولات ترسيخ دكتاتورية الطائفة لها نتائج كارثية على الوضع العراقي بشكل عام.

وعليه فالواجب على المكونين الكردي والسني العربي الإصرار على الدخول فيما يمكن تسميته بالجمهورية الثالثة، التي تستوجب إعادة النظر في الكثير من فقرات الدستور من خلال مراعاة النقاط التالية:

• العمل على تثبيت مبدأ الفدراليات في العراق بإقامة الفدرالية السنية والشيعية جنبا إلى جنب مع الفدرالية الكردية القائمة، كي تضمن المكونات حقوقها وتكون حكومة التكنوقراط نقطة التقاء هذه المكونات في إدارة البلد.

• الإبقاء على مبدأ المحاصصة للرئاسات الثلاث شرط توزيع الصلاحيات الممنوحة حاليا لرئيس الوزراء على رئاستي الجمهورية والبرلمان.

• تشكيل مجلس أعيان أو شيوخ يتكون من رؤساء الأحزاب الكبيرة، تحول إليهم القرارات المصيرية للدولة بغية التصديق عليها، مما سيبدد المخاوف المستقبلية لأي مكون.

• توزيع صلاحيات العاصمة بغداد بين عواصم الفدراليات الثلاث وعدم تمركز مؤسسات الدولة كلها في بغداد، منعا لاستفراد أي مكون بقرارات الدولة.

• إعادة تركيبة الجيش العراقي وإعادة التوازن المذهبي والقومي فيه بعد أن حاولت الحكومات السابقة إقصاء مكونات معينة منه.