حكومة أبو علاء وجدار العار

بقلم: نضال حمد

يواصل السيد احمد قريع أبو علاء مشاوراته المكوكية لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
ولا يعرف المراقب من أية قوى وطنية ستكون، فدخول المعارضة الفلسطينية لحكومة أبو علاء هو كدخولها لحكومة أبو مازن، إذ لا يوجد فرق سياسي بين الشخصين والنهجين السياسيين ، فكلاهما من أسس وأعمدة سلام أوسلو من الشق الفلسطيني، وكلاهما يكمل الآخر ، وما عجز عن تمريره أبو مازن بسياسته الخاطئة، سيحاول أبو علاء تمريره تحت غطاء مرجعية لجنة فتح المركزية ومرجعية الوحدة الوطنية والقوى المشاركة في الحكومة الفلسطينية المرتقبة، بالإضافة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لا نعتقد أن هذه الحكومة ستكون خير من سابقاتها، إذ لا يمكن لحكومات بلا مرجعية حقيقية، مرجعية شعبية ووطنية أن تستمر.
فكيف ستقوم هذه الحكومة وتستمر في حال لم تخرج من دوامة أوسلو وما تلاها من سياسات فلسطينية أضرت بالقضية الوطنية أشد الضرر؟ وكيف ستقاوم العدوان وتجابه سياسة الحكومة الإسرائيلية العنصرية، من الجدار العازل حتى الاغتيالات والاجتياحات والتصفيات اليومية، ثم هل يستطيع من فشل في تجاربه خلال عمر مديد من العمل في المراكز السياسية والقيادية أن يقلب الدنيا رأسا على عقب، وأن يغير جلده لأجل حكومة جدية؟
لا نعتقد ذلك، لأن الذي شارك في تجويع شعبه بعدما سيطر على الثورة ووضعها في كنز الثروة أن يقوم بأعمال تخدم القضية والوطن. فالوزراء هم الوزراء ، نبيل ثابت، عبد ربه ثابت، فلان ثابت وعلان ثابت، وهؤلاء كلهم فرطوا بكل الثوابت الفلسطينية ، فمادام الأمر كذلك ما حاجة الشعب الفلسطيني لمثل هذه الحكومة ومثل هؤلاء الوزراء.
فيما يجد ويجهد أبو علاء لإيجاد حكومة تقبلها كوادر وقيادات حركة فتح أولا، يواصل الاحتلال سياسته العمياء، عبر بناء الجدار العازل على حساب الأراضي الفلسطينية وحرية الشعب الفلسطيني وتتواصل أعمال السلب والنهب والمصادرة على مرأى العالم الذي يدعي التحضر والديمقراطية والواقعية والعقلانية ، ولا تكاد تمر ساعة من الزمن الفلسطيني بدون عدوان إسرائيلي جديد يستهدف البشر والشجر والحجر والخبر.
يحدث كل هذا في زمن عربي سقيم ليس فيه من العروبة سوى اسمها الجميل، وليس فيه من المروءة سوى رجولة أطفال فلسطين وهم يصدون العدوان بأجسادهم، وهم يمنعونه من تحقيق أهدافه بتقديمهم حياتهم ثمنا للصمود والمواجهة وبقاء فلسطين عربية.
جدار الفصل العنصري الذي سرق 60% من أراضي الفلسطينيين وضمها لكيان الاحتلال الإسرائيلي الذي هو بالأصل قائم على أراضي اللاجئين الفلسطينيين منذ سنة 1948 ، سيعزل 210.000 فلسطيني عن عائلاتهم وأماكن عملهم ومدارسهم ومؤسسات الخدمات العامة التي كانوا يراجعونها قبل إقامة الجدار،هذا بحسب دراسة أعدها البروفيسور جون دوجارد وهو أستاذ للقانون من جنوب أفريقيا، وكان الأخير يعد تلك الدراسة بناء على طلب من الأمم المتحدة يتعلق بمس إسرائيل بحقوق الإنسان الفلسطيني، جراء بناء الجدار العازل.
واضح من خلال حملة المصادرة والضم التي تقوم بها إسرائيل أنها غير معنية بالسلام ولا بتحسين ظروف عملية السلام ، لأن إسرائيل مؤمنة بالأصل أن عملية السلام لم تعد موجودة، ومادام راعي عملية السلام يشارك في الجريمة إلى جانب الجلاد.
لا يوجد داعي لتجديد السلام فهو موجود كما هو موجود منذ مجيء شارون، والإسرائيليون يقولون ليبق كذلك، لأنه بهذه الطريقة تستطيع إسرائيل نهب وسلب ومصادرة الأراضي الفلسطينية وضمها، دونما رقيب ومحاسب، فالقوة وحدها تجعل كل شيء ممكن، ومادام العالم يصغو لصوت القوة الإرهابية المتسلحة بشعارات غيبية وعنصرية ،كما هي شعارات إسرائيل السياسية والأمنية ، لا داعي إذن لتقديم التنازلات حتى بمفهومها الإسرائيلي.
الشعب الفلسطيني عالق بين المطرقة والسندان، مطرقة أمريكا بوش وإسرائيل بكل أشكال قادتها من شارون وحتى بيريس، وسندان القيادة الفلسطينية التي لا تعير هذا الشعب أي اهتمام، فهي بالأصل من أسباب نكبته الحالية.
وما الصراع الدائر بين أركان السلطة إلا جزء من الحالة المرضية الفلسطينية التي وصل أليها شعب فلسطين نتيجة انفراد تلك القيادة واستباحتها للقرار الفلسطيني المستقل. فقد خاضت القيادة المتنفذة الفلسطينية حروبا ومعارك بحجة وحدانية واستقلالية القرار الفلسطيني، لكنها لم تكن في حقيقة الأمر حروب للدفاع عن القرار المستقل بقدر ما هي حروب لتأكيد هيمنة تلك القيادة المتنفذة على مقدرات القرار الفلسطيني، وبقيت الحال على ما هي عليه حتى توقيع أوسلو وما تلاها من مصائب على الفلسطينيين.
لقد كان السيد الرئيس أبو عمار هو الذي يمسك بكل الخيوط ويوجه محمود عباس أبو مازن وأحمد قريع أبو علاء وغيرهما من عتاريس سلام الشجعان، فالحقيقة أنه لا يوجد فوارق كبيرة بين هؤلاء الناس جميعا، لأنهم نتاج مدرسة واحدة تفكر بنفسها أكثر مما تفكر بقضية فلسطين، وهذا كان استنتاج جوهري سليم توصل له حكيم فلسطين وضميرها الوطني الدكتور جورج حبش.
كل الناس يتحدثون عن الإصلاح في الساحة الفلسطينية وكل الشعب الفلسطيني طالب الرئيس عرفات بالإصلاح لكنه لم يستمع لتلك المطالب ولم يكلف نفسه عناء دراستها كانت ترمى كما غيرها في سلة مهملات الثورة الفلسطينية المعاصرة، وسلة مهملات السلطة الفلسطينية العتيدة.
لكن يوم بدأت أمريكا ومن خلفها إسرائيل المطالبة بالإصلاح والضغط على قيادة السلطة ورئيسها ليجري إصلاح على الطريقة الأمريكية، رأينا كلنا كيف كان التراجع الرسمي الفلسطيني، وكيف تم إصلاح بعض المؤسسات والوزارات تحت ضغط الأمريكان والأوروبيين وغيرهم من الممولين والفاعلين، فجيء بوزراء وموظفين مقبولون لدى الإدارة الأمريكية، ثم سلمت قيادة الأجهزة الأمنية لمحمد دحلان المُعَد أمريكيا لخدمة المشروع الجديد في المنطقة العربية وفي فلسطين بالذات.
ثم استحدث منصب رئيس الحكومة فكان من نصيب محمود عباس الذي لبس الثياب الأمريكية وتحدث باللسان الأجنبية منذ اليوم الأول وفي بيانه الوزاري حتى بيان الاستقالة.
كما قبل محمود عباس تحدي عرفات والوقوف ضده في بعض المواضع ، خاصة في قضايا المال و السيطرة والقرار، وهذه من المحرمات بالنسبة لأبي عمار، فكان نصيب أبو مازن الاحتراق ، ولا نعتقد أن هناك من هو نادم أو آسف على احتراق أبو مازن ومن معه من المسالمين أو بالأصح من المستسلمين الشجعان. وكلنا أمل أن من هم على شاكلته سيلحقون به عما قريب.
بعد ذهاب أبو مازن ومجيء أبو علاء لا يستطيع المرء التعبير عن سروره وغبطته ، فكلاهما واحد والنهج نفسه، ومادام النهج القديم لم يتغير والوجوه لم تتبدل والسياسة ثابتة، فان الإصلاح مع هؤلاء الناس سيكون من المستحيلات السبعة، فلا أبو علاء رجل إصلاحي ولا الذين يريدهم بحجة الوحدة الوطنية والحكومة التي تشمل كل القوى سيكونون أهلا لقيادة الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة العصيبة من عمر النضال الوطني الفلسطيني.
فالشعب يريد قيادة حيوية شابة ملتزمة وفاعلة، لا قيادة وحكومة فصائل منها من أنقرض ومنها من أصبح منخورا ومثقوباً مثل الجبن السويسري.
إلى أن يقوم الشعب الفلسطيني باختيار قيادة جديدة ملتزمة وطنيا، عليه الانتظار والعمل بجدية من أجل هدم الجدار و السياسة العنصرية التي اخترعت وابتكرت إقامته على أراضي الفلسطينيين وبأموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
ففي هكذا زمن عربي مؤسف ومحزن ومبكي ، حيث تبكي نساء العرب في بلادنا فلذات أكبادهن القابعين في السجون والمعتقلات المنوعة خلف جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة، و في معتقلات القهر والعار والموت، حيث لا قوانين تراعى ولا أعراف دولية معترف بها، وحيث لا فرق بين البشر والحجر، وحيث الحيوانات تعامل معاملة أفضل من تلك التي يلقاها المعتقلون الفلسطينيون والعرب في سجون إسرائيل الممولة أمريكيا.