حكمة بلاد الرافدين عرابة الفلسفة في الشرق القديم

الاسكندرية (مصر)
حكماء بذهنية الأنبياء

ترى باحثة سورية أن "قصة أحيقار" التي انطلقت من بلاد الرافدين في القرن السابع قبل الميلاد تركت أثرها على كثير من الاداب القديمة ومنها ألف ليلة وليلة والكتاب المقدس أيضا.

وقالت هزار أبرم الباحثة بكلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة حلب ان قصة أحيقار التي دونت بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد هي أهم عمل في أدب الحكمة كتب باللغة الارامية القديمة كما أنها "أقدم أثر في الفلسفة والحكمة. كان أحيقار حكيما من طراز (النبي) سليمان وغيره من أنبياء العهد القديم".

وكان أحيقار كاتبا ووزيرا ومستشارا للملك الاشوري سنحريب الذي حكم بين عامي 705 و681 قبل الميلاد واشتهر بالحكمة وحسن تدبير أمور المملكة وترجمت حكمه الى كثير من اللغات.

وشاركت الباحثة في مؤتمر "المخطوطات المترجمة" الذي يختتم جلساته الجمعة بمكتبة الاسكندرية وحمل بحثها عنوان "الترجمات المبكرة للاداب القديمة: قصة أحيقار نموذجا" مشيرة الى أن الترجمة منذ نشوئها أحدثت انقلابا فكريا وثقافيا في تاريخ الحضارة الانسانية فعبره انتقلت ثقافات الشرق القديم الى ثقافات المناطق الاخرى.

وناقش المؤتمر على مدى أربعة أيام سبعة محاور هي "التفاعل بين العناصر المرتبطة بالترجمة والمؤثرة فيها" و"ترجمة النص الحي والنص المندثر" و "الجهود الفردية والمؤسساتية في مجال الترجمة" و"العلاقة بين التراجمة وأصحاب السلطان" و"أثر أساليب الترجمة في تشكيل الوعي بالتراث السابق: سلطة الترجمة" و"العلامات الكبرى في مسيرة الترجمة بين الثقافات" و"الترجمات الوسيطة من لغة الى لغة عبر لغة أخرى" و"نظرية الترجمة وتطبيقاتها".

وقالت هزار أبرم ان نص قصة أحيقار كانت بين وثائق ارامية كثيرة اكتشفت في جزيرة فيلة بجنوب مصر بين عامي 1906 و1907 وكانت في حوزة جالية يهودية تقيم في هذه الجزيرة في القرن الخامس قبل الميلاد وتحتفظ مكتبة برلين ببقايا أوراق البردي التي تتضمن "تعليمات" أحيقار مضيفة أن نص القصة ورد أيضا في مخطوطات متعددة بعضها في المتحف البريطاني.

وأضافت أن حكمة أحيقار تركت أثرا في الفكر اليوناني القديم وهو ما يتضح فيما اقتبسه الفيلسوف ديموقريطس في القرن الخامس قبل الميلاد حيث زار بابل وبلاد فارس ومصر "واستمد من بابل مبادئ خلقية وضم الى مؤلفاته الخاصة ترجمة كاملة لحكمة أحيقار" مشيرة الى أن قصة أحيقار انتقلت أيضا الى الارمن وكتبوها بلغتهم بعنوان "أسئلة أبناء الملك واجابات شيقار" وهو تحريف لاسم أحيقار.

وأشارت الى أن الادب الفارسي أيضا عرف أحيقار بأنه كان جليس شهرزاد وشهريار التي روت "للملك شهريار قصة أحيقار في حديث اضافي أحيت به ليلته الثانية بعد الالف فراجت الرواية وكان لرواجها الواسع أن حفظت في النصوص العربية" حتى الان.

وقالت أبرم ان الادب العربي منذ العصر الجاهلي عرف حكم أحيقار الذي ذكره البحتري وغيره من أمثال عدي بن زيد الحيري العبادي في مطلع القرن السابع الميلادي رمزا لصروف الدهر في شعره.

"فبت أعدي كم أسافت وغيرت.. وقوع المنون من مسود وسائد. صرعن قباذا رب فارس كلها.. وحثت بأيديها بوراق امد. عصفن على الحيقار وسط جنود.. وبيتن في لذاته رب مارد".

وأضافت أن لحكمة أحيقار أثارا كثيرة في الاسفار المقدسة أوردت منها عشرات الاستشهادات ففي سفر الامثال على سبيل المثال أن "مساير الحكماء يصير حكيما ورفيق الجهال يضر" ويقابلها في حكمة أحيقار "يا بني. مع الحكيم لن تفسد. ومع الفاسد لن تكون حكيما". وفي سفر الجامعة "ان الحكمة خير من القوة. أما حكمة المسكين فمحتقره وكلامه لا يسمع" ويقابلها قول أحيقار "يا بني. من كانت يده مليئة سماه الناس حكيما ووقورا. ومن كان فارغها يدعى مسيئا ووضيعا".

وفي سفر يشوع بن سيراخ جاء ما يلي "لا تشمت بموت أحد. اذكر أنا بأجمعنا نموت" ويقابله قول أحيقار "يا بني. لا تفرح بموت عدوك".

وقالت ان أحيقار كان رجلا ذا واقع تاريخي لكنه جرد من عقيدته الآشورية الوثنية ليصبح انسانا بارا وان قصته جمعت عصارة الفكر الاخلاقي القديم في بلاد الرافدين.