حكمة الأحفاد

بقلم: محمود سعيد
العلم في الصغر كالنقش في الحجر

تسلمت دعوة في يناير/كانون الثاني 2009 من سيدة مسؤولة عن نادٍ ثقافي لقراءة قصّة أو أكثر، وإلقاء محاضرة عن العراق والشرق الأوسط. على أن أختار بضعة أيام في فترة تمتد من أغسطس/آب إلى ديسمبر/كانون الأول من عام 2009! النادي في منطقة نائية أقرب إلى كندا منها إلى الولايات المتحدة.
طاف في الجو غير سؤال: كيف عرفوا من أنا، وماذا أستطيع أن أقدمه؟ لكني أخيراً وافقت.
لم تعد السيدة إلى مراسلتي. ظننت أن في الأمر خطأً، نسيت الموضوع. ثم عادت فاتصلت بي بعد أكثر من شهرين، تأخذ رأيي إن كنت ما زلت راغباً بالمجيء؟ فأكدت ذلك. ثم مضى نحو شهرين آخرين فنسيت خلالهما الموضوع كليّةً. قلت مع نفسي إنها غير جادة، وربما تضحك على الناس، أو هي عجوز في ثمانيناتها، تنسى ما تفعل بتأثير التقدم بالسن.
في الولايات المتحدة يتطوّع المسنون لأداء الخدمات العامة، من دون أجر، أو بأجر رمزي، فلا يستطيع أحد محاسبتهم.
طُويَ الموضوع في دهاليز النسيان. لكن السيدة أرسلت لي رسالة إليكترونية تسألني متى أفضل المجيء؟ أخترتُ أياماً من شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2009. وددت أن أرى الطبيعة تكتسي البياض في هذا الشهر.
تثلج الدنيا في شيكاغو، فيزدهي الكون في بياض ملائكي، لكن الثلج يصبح في اليوم الثاني قبيحاً منفراً ملطخاً بالسخام والوحل، فيضيع لا البياض والجمال فحسب بل حتى الرغبة بالنظر إلى أي شيء.
عادت السيدة بعد مدة طويلة، أرسلت لي برنامج السفر، طرقه، تفصيلاته. كان متعباً إلى درجة كبيرة، فعلي أن أستقلّ الطائرة إلى مينابولس في مينيسوتا، ومن المطار آخذ سيارة "صاروخ" إلى مدينة صغيرة "وادينا". ثم أعود فأتصل بالهاتف لتأتي السيدة المنظّمة "الثمانينية" بنفسها لتقلّني. هذا يعني أنني أضيع نهاراً كاملاً للوصول، ومثله للإياب، لو عرفت ذلك من البداية لرفضت. لكني كما قالت العرب قبل آلاف السنين: سبق السيف العذل.
عند وصولي وادينا فوجئت. أولاً السيدة شابة، صغيرة، حسناء وليس ثمانينية. ثانياً أن النادي الذي دعاني يستقرّ في قرية لا يزيد عدد سكانها على ألف ومئتي نسمة.
القرية ذات شارع واحد يتفرع منه أزقة متعددة، لا يوجد فيه سوى مصرف صغير، مطعم فيه خمس مناضد فقط، حانة لا يزيد عدد مرتاديها عن خمسة إلا في يومي السبت والأحد، مصبغة يتوافر فيها أقل من عشر مكائن غسيل، لم أرَ أحداً يرتادها، محل حلاقة يشاركها ندرة الزبائن، بقالة متوسطة الحجم، أسعارها مضاعفة، ربما لأن لا منافس لها أو لتكلفة النقل.
هناك حفل موسيقي وغنائي، لثنائي ماهر يوم وصولي: سيّد وسيدة، على البيانو والكمان، صدح فيه صوت السيدة الثلاثينية بعذوبة مميّزة أسكرتني من دون خمر. حضر الحفل أكثر من مئتي شخص.
ينث الثلج في القرية رقيقاً هادئاً معظم الوقت، وإن انقطع ساعة أو بعض ساعة تشرق الشمس قويةً صافيةً رائقةً، فيعانق بياض الثلج أشعة شمس بألق شاعري بهيج.
غلالة الثلج الناص ناصعة تكسو الكون، تعلو الأشجار، البيوت، السيارات، مضفية على كل شيء نقاءً وجمالاً وضريبة.
ضريبة التمتع بالهدوء والجمال الوارف تلزم صاحب الدار برشّ الملح يومياً على الممرات العامة في الممرات الموجودة أمام بيته أو التي تقود إليها، كي لا يزلق المار فيها. رشّ الملح واجب حتى إن لم يمرّ أحد في تلك البيئة النائية من أمام البيت سوى الوعول والأرانب وحيوانات غريبة علينا.
خلال المدة القصيرة التي بقيت فيها لاحظت الثلج يتجاوز نصف متر حول مقرّ إقامتي. وبالرغم من أن القرية صغيرة جداً إلا أنها تتوافر على آليات كافية لكشط الثلج عن الطرق العامة والعطفات أيضاً، وفيها مدرسة تتسع لألف وثلاثمئة طالب وطالبة، ففي كل يوم تتجه إليها عشرات الحافلات من القرى المجاورة.
جرت قراءة قصصي في مكتبة شخصية في مدينة وادينا التي تبعد عن القرية نحو 15 ميلاً. القصتان اللتان قرِئتا كانتا عن المآسي التي حاقت العراق بعد الغزو. بكت سيدتان. انفعل غير واحد. ثم انصبت أسئلة الحاضرين على جدوى الاستمرار في حرب تهافتت دعاوى أسبابها بشكل مخزٍ، وانكشف زيفها، ولم يعد لمبرر استمرارها أيّ قيمة.
لم أكن أتوقع أن يتعاطف الحضور في قرية بعيدة معزولة، نائية مع ضحايانا الأبرياء في العراق إلى حدّ أطال الوقت أكثر من ساعة كاملة عما خصّص له. تتالت أسئلة شتى شملت المأساة منذ بدايتها وحتى الآن. كانت تلك المرة الثانية التي تتكرر فيها الإطالة خلال أربعين يوماً فقد حدث مثيل ذلك في قراءة سابقة جرت أحداثها في فندقٍ راقٍ في نوفمبر/تشرين الثاني في شيكاغو، تـمّت بدعوة من منظمة حقوق الإنسان فيها.
حدوث ذلك في شيكاغو أمر طبيعي. مدينة متطورة إلى حدّ المعقول واللا معقول، فيها معجزات حضارية وفنية وأدبية، متاحف عظيمة، تماثيل مرموقة، يقف على رأسها أهم عمل حديد لبيكاسو. مركزها أجمل من أي مركز آخر في الولايات المتحدة بما في ذلك واشنطن العاصمة. في شيكاغو أهم من هذا كله، طبقة عاملة واعية، حركة طلابية تقدميّة جبارة تقاوم الطغيان، تتحدى السياسة الرسمية للدولة بمظاهرات تنوف على عشرات الآلاف.
في أحداث غزة الأخيرة مثلاً، نزل إلى الشوارع مجموعات غفيرة هائلة لم ينزل مثلها في أيّ مدينة أخرى في العالم، بما فيها المدن العربية. وكان هناك أعداد لا حصر لها تعتمر الكوفية العربية الموصلية المنشأ. (الحطة) التي اتخذها المرحوم عرفات رمزاً للقضية الفلسطينية، بلونيها الأسود والأحمر.
إن تعاطفَ مثقفو شيكاغو مع قضايانا في فلسطين والعراق فهذا شيء طبيعي، فقد كنا قبل نصف قرن نتظاهر في العراق تأييداً لشعوب لبنان وفيتنام وكوبا ومصر والكونغو .. الخ. أما أن يتعاطف معنا سكان قرية نائية منعزلة أقرب مدينة كبيرة إليها (وادينا. 4000 نسمة) تبعد 17 ميلاً، فهذا شيء نادر.
منذ الاحتلال لم ألتقِ أي شخص يؤيد الحرب قط، بما فيهم بعض اليهود، مما أثار ولا يزال يثير عندي وعند الآخرين سؤالاً مهما: أيمكن أن تتزعم دولة الحرية والديمقراطية في العالم كله وتهمل رأي معظم أبناء شعبها؟
ربما كان أحد أهمّ نتائج هذا العطف الكبير أنني كُوفئت بعد قراءة القصص بهدية علبة زيتون معدّ على الطريقة اللبنانية (هكذا ادّعت السيدة) وبدعوتي إلى بيوت أربعة آخرين. بينما عرض عليّ السيد والتر "مؤلف كتب تاريخية، وقصص ساخرة" أن يأخذني بعد تركنا بيته في جولة يريني فيها قرى متعددة أخرى. أجمل ما رأيتُ طريقة صيد السمك الفريدة بوساطة Ice fishing house وهي أكواخ صغيرة مثبتة إلى عجلات، تسحبها سيارات إلى سطح البحيرات المتجمدة، وبعد الوصول إلى المكان المعيّن، تزال منها عجلاتها، فتستقر على سطح البحيرة.
أرضية الكوخ مثقوبة وعند استقرارها على سطح البحيرة الجامد، يتم إحداث ثقب مماثل في الجليد، بقطر قدم واحد، لرمي الشص المحمّل بالطعم إلى الماء، ثم يجلس الصيّاد ينتظر تحرّك الخيط ليسحب حظه.
البحيرات الجامدة شحيحة في الغالب حسبما قال لي السيد والتر، إذ لا يتمّ صيد سوى سمكة واحدة إلى ثلاث سمكات خلال بضع ساعات تمتدّ إلى نهار كامل، ويبدو أن صيد السمك لا يعني شيئاً لدى الصيادين، فهو هواية وتزجية وقت لا أكثر.
تلقيت دعوة لزيارة محمية للهنود الحمر للإطلاع على ما آلت إليه أوضاع ذلك الشعب النبيل الذي اغتصبت منه أرضه وكرامته ووجوده، كيف انتهى إلى حال لا تسرّ أحداً، لكنّ وقتي لم يتح لي تلك الزيارة، ولم يتح لي أيضاً الاستجابة إلى قاضية في (وادينا)، كانت من ضمن الحاضرين، ومن المقرر أن ترأس جلسة محكمةً تنظر في جريمة كبرى حدثت في قرية أخرى تبعد نحو ثلاثمئة وخمسين ميلاً عن مقرّ المحكمة.
عرفني السيد والتر في قرية ثانية إلى فنان تشكيلي ممتاز، وعرفتني الشابة، منظمة الدعوة، إلى فنان ثانٍ. كلا الفنانين يتخذان من الحديد مادة لإعمالهما. بالنسبة لي فأنا لا أتوافر على أدوات نقد فني لتقويم عمليهما إلا أنني أعجبت بأعمالهما وبخاصة أحدهما الذي أقام هياكل بالحجم الطبيعي لحيوانات ضخمة كالفيل والديناصور والهنود الحمر راجلين وعلى خيولهم.
بعد يومين من قراءة القصص ابتسمت منظمة الدعوة وهي تذكرني بموعد إلقاء المحاضرة.
كنت حضّرت مئات الصور عن حضارة شمال الجزيرة العربية بدءاً من السومريين والأكديين والعموريين والآراميين والبابليين والآشوريين والكنعانيين والفلسطينيين والفينقيين وانتهاءً بسكان سيناء الأقدمين. استعددت لأعرض الدلائل بالترتيب حين إلقاء المحاضرة، وركزت في إعدادي الصور على أهمّ اختراع إنساني (الكتابة التي بدأت في الجزء الأسفل من الهلال الخصيب، وبلغت أوجها في قسمه الأعلى، تحت مساهمة الفينيقيين، لتصبح فيما بعد أصل الأبجدية الأوروبية)، لكني فوجئت بعد أن ساعدتني شابة تتقن عملها في إعداد "البروجكتور" والشاشة بدخول أطفال بين السابعة والعاشرة إلى القاعة الضخمة. ظننت أن الكبار سيأتون بعدئذ، لكن أمثالهم ازدادوا حتى ملأوا مقاعد كلّها "أكثر من خمسمئة مقعد"، فسألت السيدة المنظمة أين سيجلس الكبار؟
ابتسمت: لا يوجد كبار.
ماذا تعنين؟
هؤلاء من سيسمع المحاضرة!
هل سألقيها ثانية أمام الكبار؟
نفت بهزة رأس: لا. ليس عندنا وقت، بطاقتك تقول سترجع غداً.
احتدمتُ: لماذا إذاً قلت لي محاضرة؟
نعم، محاضرة.
لا شك أنك تمزحين.
لا أمزح.
غلت دمائي: لو كنت أدري ما حضرت. كيف سيفهم هؤلاء اختراع حروف الكتابة وتطورها، قوانين حمورابي، الأساطير السومرية والبابلية والآشورية والعبرية والفينقية، فِكرة الخليقة، مبادئ الرياضيات، المعمار، النقود، التجارة، البنوك التجارية، الحوالات، تصميم المدن، مبادئ مئات القضايا الأخرى؟
لا لزوم لكل ذلك.
في نظرك، أما في نظري فأريد أن أعطي شيئاً ما يتعلّق بنا؟
ابتسمت. ابتسامة الحسناء تقتلع غضب وحِدّةَ المجنون الذي كنته، قالت: أعرض الصور التي تراها مهمة، واشرح كل صورة بكلمتين ثلاث فقط، هذا يكفي.
أخدعهم إن فعلت ذلك وأخدع نفسي.
أرجوك اسمعني: كل ما يعرفه الناس عن العراق والعرب أنهم إرهابيون، قتلة، مجرمون، متخلفون. اخترتك أنت بالذات لأني قرأت اسمك في قائمة أفضل كتاب العالم، في موقع Library thing . تستطيع تبديد هذه الصورة، أريتني صوراً رائعة ساحرة عن حضارة الهلال الخصيب، إن عرضتها فستبدد دعاية الإرهاب التي تشوّه صورتكم، وسيعرف هؤلاء أنكم طبيعيون وخلّاقون.
ألا يكون مفعولها أقوى لدى الكبار؟
لا. هؤلاء صغار، سيسمعونك، سيرجعون إلى ذويهم، سيحدثونهم عما رأوا من حضارة عظيمة، وما سمعوها عنها، سيعرفون أن هذا الشعب قديم ومبدع، أفاد الإنسانية بأهمّ مرتكزاتها، وكان أهمّ المساهمين بتطوير حضارتنا، وأن العراقيين والعرب ليسوا إرهابين ولا قتلة، ولا متمردين على القيم الإنسانية، وأن الدعاية الرسمية في أميركا والغرب خاطئة. سينشأون وفي ذاكرتهم قيم فكريّة ترفض الانصياع الأعمى، ترفض انصياع القطيع كما موجود هنا في الولايات المتحدة، سيبقى ذلك في أذهانهم محفوراً أما الكبار فإن استمعوا إليك فسينسون الموضوع ما إن يخرجوا، يذهبون ليرتاحوا بعد يوم عمل طويل، الحياة في أميركا صعبة، شاقة، لا راحة فيها.
توقفتْ، تأوهت، ثم قالت بحزن: أعددتُ للقاء البالغين الكبار كمن حضر قراءتك القصص، لكني استبدلتهم بهؤلاء بعد تفكير، من استمع إليك في القراءة كبار السن، عركتهم الحياة، لكنّهم سيلاقون حتفهم بعد مدة قصيرة، أما هؤلاء فسيعيشون في الأقل أكثر من نصف قرن، منطقتنا معزولة، أنت أول كاتب غير أميركي يتكلم معهم بشكل مباشر، يذكر لهم أشياء مختلفة يسمعونها أولّ مرة، إن أردت أن يسمعك خمسون بالغاً يؤيديونك، يصفقون لك بحرارة، يدعونك إلى حفلات خاصة ثم ينسونك بعد أيام فسأستدعيهم اليوم، والق محاضرتك راضياً سعيداً، وإن أردت أن تحفر آباراً تروي عطش أجيال لا نهاية لها فتجاوب مع هؤلاء الصغار، ألم تسمع: العلم في الصغر كالنقش في الحجر؟