حكاية جنية تسحر رجال اليابان

كتب ـ محمد الحمامصي
دواء الخلود الأبدي

"حكاية الحطاب وأميرة القمر"، واحدة من أقدم وأشهر الحكاية الفولكلورية اليابانية المكتملة الأركان والتي نجدها في مقررات تاريخ الأدب الياباني في المدارس الإعدادية اليابانية جنبًا إلى جنب مع الحكايات الفولكلورية الأخرى التي تُصنف غالبًا تحت بند أدب الأطفال مثل "الطفل المعجزة ـ موموطاروه" و"عقلة الإصبع" و"أوراشيما طاروه ــ الصبي الصياد" وغيرها من الحكايات الفولكلورية الكثيرة الأخرى التي تميز التراث الشعبي الياباني ويحفظها الأطفال والكبار معا في اليابان عن ظهر قلب.

لهذه الحكاية التي ترجمها للعربية د. أحمد فتحي وصدرت عن جمعية نوافذ للترجمة بالتعاون مع مؤسسة اليابان الثقافية، عدة مخطوطات قديمة تعود إلى أكثر من ألف عام مضى، ومنها مخطوطات مصحوبة برسوم توضيحية لعدة مشاهد رئيسة من الحكاية، بالإضافة إلى وجود تنوع كبير من الحكايات الشعوبية والتي حتى لو اختلفت تفاصيلها ضمن إطار رئيس ذي عناصر واضحة لا تتغير ولا تتبدل.

في "حكاية الحطاب وأميرة القمر"، نزلت الأميرة من القمر للأرض كعقوبة لها لاقترافها ذنب ما، كما أنها لم تنزل مُرتديةً حرملة السماء المُجنحة، وبالتالي لم يسرق رجل إنسي حرملتها لتضطر للزواج منه. لكن تلك الحرملة تظهر في نهاية الحكاية، وبهذا تصير "الحرملة الُمجنحة" هي نقطة الاشتراك بين "حكاية الحطاب" و"أُسطورة الجِنية ذات الحرملة المُجنحة". ومن هنا أيضًا نستنتج أن "حكاية الحطاب وأميرة القمر" قد ركزت على إبراز وضع المرأة وأسلوب حياتها داخل مجتمع الرجال باليابان في العصور القديمة، ولم تُركز على نمط حكاية زواج امرأة جِنية برجل إنسي.

الإطار الرئيسي للحكاية أن حطابا عجوز يعيش مع زوجته العجوز في كوخ متواضع بجبل من جبال اليابان، ولم يرزقها الله بذرية، يعشان حياة رتيبة حيث يخرج الحطاب منذ الصباح إلى الجبال المحيطة يقطع أعواد الخيرزان ثم يحملها إلى القرى والمدن القريبة يبيع جزءا منها والجزء الآخر يصنع منه أدوات وقع أثاث مختلفة للاستخدام المنزلي، أما زوجته العجوز فهي تظل في البيت تقوم بأعمال المنزل المختلفة وتنتظر زوجها كل مساء عند عودته يتناولان عشاء متواضعا ويخلدان للنوم، ورغم إن حياتهما كانت متواضعة فقيرة فالاثنان يعيشان في رضا ومودة ولا ينقصهما سوى طفل أو طفلة يملأ عليهما ذلك الجو الرتيب اليومي.

وفي يوم حيث كان الحطاب يقوم بعمله الروتيني في جمع أعواد الخيرزان الغليظة العالية داخل دغل كثيف متشابك الأعواد، فوجئ بعد أن قطع واحدا من تلك الأعواد بانبعاث ضوء مبهر له بريق الذهب الأصفر من داخل الجزء السفلي من ذلك العود بعد قطعه، فحين دقق النظر وجد فتاة صغيرة وداخل العود المقطوع شاهد عددا كبيرا من قطع العملات المذهبة الصغير، حمل الحطاب العجوز تلك القطع الذهبية وتلك الفتاة الصغيرة وعاد إلى البيت، فاستبشرت زوجته خيرا، وشعر الاثنان أن الله قد رزقهما بطفلة وأن كانت في حجم الإصبع فقررا أن يتبنيانها ويقومان بتربيتها.

ومن يومها صار الحطاب يعثر يوميا على قطع كثيرة من العملات الذهبية كلما قطع عودا من أعواد الخيرزان الغليظة، فاشترى سرايا كبيرة وصار عنده عددا كبيرا من الخدم والحشم، وأصبح من أغنى أغنياء المقاطعة التي يسكن بها، أما الفتاة فكانت آية في الجمال لدرجة أنهما أطلقا عليها اسم أميرة القمر.

وقد انتشرت سيرة الفتاة الجميلة في أرجاء المقاطعة فبدأ الكثيرون يطلبون خطبتها حتى أن طوابير هؤلاء الخطاب صارت تمتد إلى خارج أبواب السرايا، إلا أن الفتاة ترفض كل المتقدمين حتى بقي في نهاية الأمر خمسة من أكبر النبلاء والوزراء والأغنياء بالدولة والذين لم يكلوا أو يتعبوا من الحضور يوميا طلبا للقائها. ولما أصر الحطاب العجوز وزوجته على أن تختار واحدا من بينهم اضطرت للقبول بشرط أن تطلب منهم طلبات شبه مستحيلة بحيث إذا استطاع واحد منهم تلبية طلبها فسوف تتزوجه فورا، وكان من طلباتها فراء القنفذ الذي لا يحترق، والقلادة ذات القطع الماسية الموجودة في رقبة التنين في بلاد الصين أو الشجرة العجيبة ذات الأفرع الذهبية والفضية.

يفشل الجميع في تنفيذ أي من طلباتها، وفي النهاية يظهر في الأفق إمبراطور اليابان نفسه الذي سمع بجمالها وتلك الحكايات العجيبة عنها، ويرسل إلى الحطاب العجوز وزير ديوانه يطلبها كي تكون واحدة من خليلاته تعيش بجناح خاص من قصره، ولكن وسط دهشة الجميع تقوم أميرة القمر برفض الإمبراطور.

ولما ضيق عليها الحطاب وزوجته الخناق لمعرفة سبب رفض الأمراء والنبلاء والأغنياء وأخيرا الأمبراطور، تصارحهم أميرة القمر أنها من الجن وليست من الإنس وأنها جاءت من عاصمة القمر منفية إلى كوكب الأرض لقضاء عقوبة النفي بسبب ارتكابها خطيئة ما في عالم القمر وأن مدة نفيها أوشكت على الانتهاء.

يحاول الإمبراطور أن يحول بين أميرة القمر والعودة إلى القمر لكنه يفشل وتصعد عربة الخيول السماوية وسط دموع الفارق على الحطاب العجوز وزوجته وقد تركت لهما صندوقا به كمية من دواء الخلود الأبدي.