حكاية النبي سليمان: رحلة التقسيم تبدأ بتظاهرة واحدة!

حكاية النبي سليمان عليه السلام، مع المرأتين اللتين احتكمتا لديه في عائدية طفل، ادعت كل واحدة منهما انه لها، ظلت معيارا أخلاقيا قبل ان تكون معيارا قانونيا، تلجأ اليه البشرية عند مقاربة اي حادث له صيغة مشابهة بما حصل مع المرأتين أو مع حكمة النبي سليمان، التي أزهقت الباطل بطريقة بدت كما لو انها قانونية، لكنها استبطنت البعد الأخلاقي الذي أراد النبي من خلاله ان يصل الى الحكم الفصل والحق في هذه المسألة. فالنبي عندما حكم بأن يشطر الطفل الى شطرين، ليعطي كل واحدة منهما حقها فيه، أراد ان يقف على حقيقة انتماء كل واحدة منهما الى الطفل والذي سيتبين انه للمرأة التي صرخت بالرفض بينما وافقت الام الزائفة على الحكم، وهكذا انكشف الغطاء أمام الحقيقة، وباتت مثلا يضرب ومعيارا لا يخالطه اي شك.

نحن في العراق اليوم، نعيش وبامتياز، حكاية مشابهة لحكاية المرأتين، مع الفارق طبعا، وهي حكاية البقاء على العراق موحدا ام نقسمه بيننا اجزاء، اي كل جهة منا تأخذ عراقها الذي تريد، لكي ننتهي من حكاية العراق الواحد، بعد ان ظن البعض منا انه كله بات لهذه الجهة ولم يعد لتلك، وعليه يجب ان يحصل هو على حصته من العراق بتقطيعه وأخذ نصيبه منه، بدلا من البقاء في عراق لم يعد له أو هكذا يظن!

اعتقد ان الأمر في غاية الخطورة وأقصد ان يصل التفكير بالبعض هذا المستوى الهابط، وان هذه المرحلة كشفت وللأسف حقيقة الانتماء الزائف عند هذا البعض للعراق، ليس اليوم وانما حتى من قبل، لانه انتماء ظل مقرونا بمصلحة مباشرة وغريزية أكثر مما هو انتماء روحي ووجداني لهذا الشعب وهذه الأرض، التي يجب ان تبقى على الدوام بعيدة، على مستوى الانتماء لها عن انفعالات اللحظة، اية لحظة، مهما كانت مشحونة بالعاطفة السلبية تجاه النظام السياسي، اي نظام، لان قدر الانسان المنتمي للشعب وللوطن ان يبقى يكافح من اجل اصلاح الضرر سياسيا كان أو اجتماعيا، كون هذا جزء اساسي من رسالته الإنسانية والوطنية، فهو لم يكن في انتمائه الوطني عاقدا لصفقة أو قاصدا من أجل الفوز بغنيمة، لان الإنسان الذي يهب حياته من أجل شعبه كله في أوقات المحن لايمكن ان يكون كذلك، اذا كان من الصنف الذي يكون في علاقته بالوطن كعلاقة الصياد بارض صيد عابرة.

لقد تعالت مرة أخرى صيحات مبحوحة، تريد تقسيم العراق على أسس طائفية أو حتى مناطقية، بذريعة اليأس من إصلاح الواقع السياسي، وان التقسيم يعيد الحقوق الى من يظن انه مغبون! والسؤال الذي يطرح نفسه، هو اذا كان عمر النضال من أجل الحقوق يقاس بالأيام وحتى بالسنين، فهل يبقى معنى لنضال الأمم والشعوب التي ظلت تناضل قرونا من أجل الحياة الحرة والكريمة؟ وقبل هذا ماذا يبقى من قيمة نضال المناضلين الذين امضوا عشرات السنين وافنوا اعمارهم في نضال مرير ولم تفتر عزيمتهم أو يساوموا على قضاياهم؟ ان البعض ممن يروجون للتقسيم في مناطق أهلنا في المحافظات الغربية، مدفوعون باجندة لاعلاقة لها بمطالب المتظاهرين، وان الذي حصل هو استغلال لهذه التظاهرات التي نؤكد ونؤكد اننا مع اصحابها الحقيقيين وليس المتصيدين بالماء العكر الذي يراد منه تمرير تلك الاجندة المشبوهة في هذه اللحظة التاريخية (السايكسبيكوية) الجديدة الخطيرة.

في عودة الى حكاية النبي سليمان عليه السلام والمرأتين، نقول ان العراقيين الحقيقيين هم الذين يصرخون اليوم وبصوت عراقي واضح يشق تلك الأصوات المبحوحة ويعلو عليها، بوحدة العراق، وان كانوا مختلفين مع الواقع السياسي في تفاصيل كثيرة، فالام الحقيقية، بين المرأتين المحتكمتين لدى النبي، هي التي صرخت من قبل عندما أصدر النبي حكمه، أو اختباره لمشاعر المرأتين، بأن يشطر الطفل الى نصفين، وفي حكم الأنبياء والصالحين عبر للمعتبرين!