حكاية القط الذي علَّم غرايبة الطيران

إلى روح محمد بوعزيزي

عمان ـ قبل أن يفتتح القارئ أبواب رواية "القط الذي علمني الطيران" للكاتب الأردني هاشم غرايبة، سيضطر للوقوف مطولاً بصمت واحترام عاليين أمام عتبة الإهداء التي يفتتح بها هاشم غرايبة روايته "إلى روح محمد بو عزيزي.. وللإرادة الحرة" والتي تعد مدخلا حقيقيا للنص، أو مشهدا تكثيفيا لما يواجهه الإنسان العربي من قمع يؤدي به إلى انفجار فجائي، غير قابل للتوقف قبل أن يقتلع قامعيه ويحقق إرادته الحرة.

إنها رواية الحرية.. واربد، قصة رائحة الياسمين.. والعطن أيضا، وحكاية القبو وهو يتمدد ليصير فضاء للغرائب. رصد ممتع لدفق الحياة القوي ينبض في أعتم زوايا السجن، ومراجعة شجية لذاكرة السجين وهي تتمدد عبر الزمان والمكان، وإضاءة لقنديل الحزن الشفاف في روح الفتى تنقل لنا أحلام يقظته وهي تغمس عروقها في ينابيع الحياة والحب والجمال التي خبرها على أرض الواقع، أو في بطون الكتب التي أُغرم بها.

تستمدّ الرواية مادتها من التجربة الشخصية للكاتب في سجن فرعي صغير "سجن اربد- دار السرايا اليوم"، مع مساجين قساة لكنهم صادقون. هنا الناس مكشوفو السريرة، أرواحهم مشرعة الأبواب، مخلّعة النوافذ.. لكنهم أبناء الحياة!

هذا سرد روائي مختلف عما ألفنا من أدب السجون، فهي تبتعد عن التذمر والشكوى، وترصد دفق الحياة القوي ينبض في أعتم زوايا السجن، ومراجعة شجية للذاكرة وهي تتمدد عبر الزمان والمكان، وإضاءة لقنديل الحزن الشفاف في روح السجين.. فيكون الامتحان الصعب ليس لانتمائه السياسي، بل لروحه المتمردة.

هذه الرواية تعتمد في مادتها الأساسية على التجربة الشخصية، فيها ملامح السيرة الذاتية، لكنها في النهاية عمل إبداعي يعتمد التخييل في بنائه.

تقول الرواية: "أنا الراوي هاشم غرايبة، كنت أقلّب أوراق كُنّاشٍ مُصْفرّة كتبتها قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، فطارت من بينها زهرة ياسمين مثل فراشة بلون التبن لتحطّ على كفي، وتصل روحي بخيط من شذى الياسمين مع زهو الشباب، وزمن الإلهام، ودفء الحلم، وقدسية الكرامة الشخصية.. فسطع حبر الكوبياء موقظاً الذكريات الغافية في كف الزمن".

يدخل "الفتى الغر" السجن بسبب انتمائه الحزبي الهش، فيكون الامتحان الصعب ليس لانتمائه السياسي، بل لروحه المتمردة، ولرائحة الياسمينة – الأم - ولأحلامه وأشواقه المحلّقة؛ التي يجد صداها في كتابين لا علاقة لهما بالسياسة والايدولوجيا: "الأمير الصغير، والنورس جوناثان". وعلى أرض الواقع يجد الفتى "عماد" سنده في صداقة لص اسمه "القط"؛ شخصية القط لا تطغى على غيرها من الشخصيات في السجن، حيث الملائكة والشياطين وجهان لعملة واحدة، ميزة القط أنه رجل حر، حالم، وشفاف، لكنه متدثر بالسخرية يتقي بها شرور الواقع. شخصية مركبة يبدو وكأنه اختار قدره كلص، ورضا أن يكون دون من حوله، ولأنه يبخل بإظهار مكنونه النبيل، وثقافته الخاصة؛ فلا يفيض عشقه العميق للحياة، وتوقه الأصيل للحرية إلا حين يضطره الموقف لذلك!

من هذه الصداقة بين (اللص صاحب الخبرة بالحياة) و(السجين السياسي الغض) تضاء شخصيات السجن من حولهما، وتتشعب الرواية لنتعرف على عالم مختلف عما ألفنا، وشديد الالتصاق بما نعرف في الوقت ذاته!

ما كتب على غلاف الرواية هو مقتطف من أقوال جوليان اسانغ صاحب موقع "ويكليكس" الشهير، ليشكل جسرا بين زمن الكتابة وزمن الرواية، فموضوع الرواية "ويكليكس" من زمن آخر، والمقتطف المشار إليه يعبر عن فحوى الرواية؛ حيث الدراما لا تنعقد بين السجين والسجان فحسب بل تعبر عن إنسانية الإنسان "المحاصر- السجين"، وهو يواجه تحديات الوجود في هذا الكون. فعندما يحمل الناس، وهم في قمة عنفوانهم، قناعات وقيما؛ فعليهم أن يتصرفوا وفقا لها. وينفذوها كيما تصير هذه الدنيا أعظم كمالا، وهذا الإنسان أفضل تقويما، وهذه الحياة أكثر عدلا وأقل شقاء.

"القط الذي علمني الطيران" بحث عميق في محدوديّة المكان وهي تفتح على سؤال الزمن، حيث الزمن مثل الماء يأخذ شكل المكان، وحيث الزمن مثل الأشياء، لا يرى في العتمة، فالزمن قنديلٌ زيته الحركة، وفتيله الإنجاز (حتى الجنّة لا تطاق بلا إنجاز!).

ورغم أن السجن زمن دائري (ننام. نصحو. نأكل. نمشي عبر نفس المشاهد، ونقابل الوجوه ذاتها بتنويعات هامشية. لكننا نتشبث بحلم الخروج من رحلتنا الدائرية كل يوم).

إن كسر الزمن وسط هذه الرزنامة الحافلة بالمفاجآت يبدو شيئاً جوهرياً.

إنها تدلنا كيف نعيش أيام العمر عبر المرور السريع والعبثي للزمن. هناك خياران: طريق تمر بمشهد ثابت؛ تبدلاته لا تدهش، ولا تبهج، بل تجعلك سجيناً يتأفف من برد الشتاء، ورذاذ الربيع، وحر الصيف، وغبار الخريف. فيما العمر يمضي، وتسّاقط أيامه مثل أوراق الرزنامة. وخيار أن تتعلم الطيران الحر عبر سحر الكون المتجدد أبدا، فتشعر كل يوم أنك ذاهب لما تشتاقه، وأنك وهبت يوماً جديداً لتعيشه بعمق. عُمرٌ تتنفس عبره صباحات الأيام بنهم، وتعيش لحظاته مثل هطول بتلات الياسمين في كفّ طفلة.

هذه الرواية رسالة من جيل الهزائم الكبرى والمعارف الشاقة، إلى جيل سيولة الاتصال وسهولة التواصل، جيل الانتصار وقبول تحديات العصر. فكل جيل يخوض تحدياته وفق إمكانياته ضمن شرطي الزمان والمكان. نحن هزمنا لكن أبناءنا انتصروا!