حقيقة ثقافة المقاومة

إصرار دائم من قبل حزب الله على إعطاء كل موقف بعداً عقائدياً ليربط دوره بالاسم الذي يحمله (حزب الله)، وعمقاً تاريخياً. كأنه يقول لجمهوره أنه ينتقم لهم من مرحلة تاريخية معينة ورموزها وإنجازاتها وفكرها وعناوينها وثوابتها، وليقول لكل جماهير هذه المنطقة أنه ينتفض على تاريخها وحضارتها ويحاول إعادة صياغة هذا التاريخ ورسمه من جديد ولكن على شاكلته ومناسباً لقياسه. كما أنه يربط مواقفه وطموحاته السياسية بالأصول والنزعة والتربية الدينية التي تحثه على المواجهة مهما كانت التكلفة باهظة والتضحيات جسام لتحقيق هذه الأهداف المبنية على فكر عقائدي وتخدم أهداف دينية، والتي تترجمها من النظرية إلى التطبيق قراءات فكرية وطروحات وشروحات تربوية. يقدم أئمته المعممون هذه القراءات بحيث يأخذ كل موقف سياسي طابع ديني حتى دون الإشارة إلى ذلك، كون الذي يقوم بتقديمه معمم ويمثل حزب يحمل إسم تم ربطه بالذات الإلهية مباشرةً. حتى ان الخطاب الذي يتم توجيهه لجمهور حزب الله يتصف بعبارات وعناوين وتوجيهات دينية، مما يعطي هذا الجمهور الأولوية والريادة حتى على سائر الجمهور الذي يعتنق المذهب عينه، فقط لأن هذا الجمهور هو من انصار هذا الحزب او المستفيدين من التبعية له. بعض هذه العبارت مثل "أشرف الناس" أو "اكرم الناس" وسوى ذلك من عبارات تجعل المستمع التابع يتباهى ويتعالى على غيره من أبناء الوطن من أقرانه، وعلى الذين يتوزعون إنتماءً على سائر تابعي الطوائف الثمانية عشر التي يتكون من اطيافها الكيان اللبناني.

لإثبات وتأكيد هذا الفهم بل هذا الواقع، نرى ان لا بد من الإشارة إلى ما ورد في مقدمة كتاب "الأدب المقاوم رؤى وتطلعات" الصادر عن مركز الإمام الخميني: "أما المقاومة فهي ليست مجرد تعبير وليست مجرد إظهار لعواطف وأحاسيس بل هي في الواقع فعل وسلوك خارجي يقوم به الإنسان على أثر عقيدة أو هدف أو قيم عالية وبالتالي فإن هذا الفعل يختزن في داخله معاني سامية تدعو إلى التمجيد والقبول والاستحسان... فهو إذن موضوع بحد ذاته يشكل في خلفياته وأسبابه ونتائجه موارد للدراسة والتحقيق والتأمل." وضمن الكتاب ورد كلام لرئيس الهيئة التنفيذية في حزب الله هاشم صفي الدين قائلاً: "إن مقاومة أي شعب هي التجسيد الأروع لإرادة الحياة الكريمة وهي الطريق الأمثل لتحقيق القيم الإنسانية من أجل رفع الأثقال والأغلال عن كاهل المظلومين والمضطهدين." كما ورد في خطاب لامين عام حزب الله نشرته محطة المنار التابعة لحزب الله ما يتناغم مضمونه مع ما ورد أعلاه، حيث اعتبر السيد حسن نصرالله ان: "ثقافة المقاومة تعني وقوف الحق بوجه الباطل ومواجهة دعايات الادارة الاميركية، مشيرا الى ان المقاومة في لبنان استطاعت من خلال الجيش والشعب الصمود، وهو مؤشر على القوة في لبنان."

هذا كله معناه ان كل مواجهة بين تابعي حزب الله (المقاومة) وبين معارضيها تعتبر مواجهة بين الحق والباطل. وهنا تتعطل الحياة السياسية ويقع الانفصام بل الانفصال بين مكونات الوطن، وتغيب الروح الوطنية لتحل مكانها الروح الطائفية والمذهبية.

لذلك فإن مواقف وسياسات حزب الله في لبنان كما هو واضح يجب ان تخدم توجهاته والتزاماته الدينية انطلاقاً من حقيقة ثقافة المقاومة التي ورد شرحها آنفاً، تماما كما نرى حين يشير حزب الله ومسؤوليه إلى مواصفات رئيس الحكومة المفترض تكليفه بعد الاستشارات المقبلة، حيث أعطى حزب الله أمس إشارة الى مواصفات إسم رئيس الحكومة المقبل حين قال أحد نوابه حسن فضل الله: إن "المرحلة تحتاج الى رئيس حكومة متوازن لا يشكل استفزازاً لشريحة كبيرة من اللبنانيين". كما قال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب نواف الموسوي: "إننا اليوم على باب استحقاقين متزامنين هما: استحقاق تسمية رئيس للحكومة ومن ثم تأليف حكومة واستحقاق الانتخابات، وهما ان كانا منفصلين من المنظور الدستوري ولكل منهما مساره الدستوري، الا انهما يقفان على ارضية سياسية واحدة". وأكد ان "اي تسمية رئيس حكومة انما تأخذ في الاعتبار ثابتة المقاومة، اما الثابتة الثانية فهي ان تكون الحكومة من خلال تشكيلتها ضمانة لشركة فعلية لصناعة القرار الوطني سياسيا واداريا لا ان تكون الشركة شكليا وفخريا ويجب ان يكون التمثيل في هذه الحكومة تمثيلا صحيحا وحقيقيا للمكونات الاساسية التي تتألف منها المعادلة السياسية الوطنية اللبنانية على قاعدة الشركة الفعلية". وشدد على ان "اي حكومة جديدة ان ترعى الاستقرار وتكون أمينة على انتخابات تعكس التمثيل الصحيح بحيث تتبنى قانونا للانتخاب لا يكون قانونا ميتا ولم يعد له وجود كما اشارت الى ذلك الهيئة الاستشارية العليا، وانما قانون يضمن صحة التمثيل ويرسخ الوحدة الوطنية".

المقاومة وثقافة المقاومة، عناوين تشكل ادوات للسيطرة على الكيان اللبناني، سياسياً بعد الإمساك بالمفاصل الأمنية وثقافياً حين يتم تبرير ممارسات مذمومة ولكن فقط لأنها تخدم مشروع سياسي يختفي خلف عباءة وشعار المقاومة.

ولكن كيف؟

المقاومة: شعار يخفي حقيقة الأهداف السياسية لهذا الفريق الطائفي والمذهبي، فهو يربط نفسه بمسار ديني تقوده إيران تحت عنوان محور المقاومة والممانعة، الممتد من طهران إلى حارة حريك عبر بغداد ودمشق. وللمصادفة بل في الحقيقة، فإن نظام بغداد الذي يعتبره حزب الله نظام مقاوم استلم السلطة بدفعٍ ودعمٍ اميركي، وبرعاية إيرانية كاملة متناغمة مع الدور الأميركي في المنطقة منذ بداية إعلان الحرب على نظام بغداد السابق (صدام حسين) وإلى الآن، وآخر زيارة لوزير الخارجية الأميركية لبغداد أثبتت مدى تناغم النظام المقاوم في بغداد (نوري المالكي) مع فكر المقاومة في الولايات المتحدة. ودور هذا المحور في دعم النظام السوري، والتغاضي عن استبداده لا علاقة له بمعاناة الشعب السوري ورغبته في تحقيق تغيير في طريقة الحكم وشكلها ومستقبلها في سوريا، بالنسبة لحزب الله ومحور إيران برمته، بل له علاقة بتحقيق أهداف هذا المحور الدينية والسياسية بشكل او بأخر وعلى حساب مصالح الشعوب والمجموعات السياسية لتغيير الواقع وإعادة صياغة التاريخ.

أما ثقافة المقاومة، فهي كما يفترض يجب ان ترسم سلوك مثالي لعناصرها وتابعيها وجماهيرها كما ورد في التعريفات الآنفة التي وردت في مقدمة المقال. ولكن الذي نراه ونعيشه، فإن ثقافة المقاومة هي في حقيقة الأمر تجييش جمهور حزب الله على سائر مكونات الكيان، وهي تطال في عدائيتها وعدوانيتها كل رافض لسلوك ومواقف حزب الله وتمتاز بخروجها عن المألوف والمعروف والقوانين الوطنية والأعراف المحلية والدولية. وهنا نورد بعض الأمثلة على بعض التطبيقات الواقعية لبعض مفاهيم ثقافة المقاومة التي تتناقض مع التعريفات السابقة التي ذكرها قادة حزب الله:

تم نفي مفتي صور وجبل عامل سماحة العلامة السيد علي الأمين وعائلته من بلدته ومقر عمله في مدينة صور بطريقة مهينة ومعيبة لأنه اعترض على سياسات حزب الله وحركة امل ونبيه بري الذي يحدثنا دائماً عن مشروع الدولة واحترام القوانين، وهو مع الأسف رئيس المجلس التشريعي اللبناني ولكن في الوقت عينه رئيس ميليشيا عدوانية كانت تاريخياً وما زالت حالياً.

تم اختطاف وقتل الشهيدين زياد غلاييني وزياد غندور واحدهما طفل بطريقة وحشية ولم يتم اعتقال المجرمين إلى الآن، بل وجدا من يبرر لهم الجريمة، وحمايتهما من الاعتقال. أي ثقافة جهادية هي التي تبرر قتل طفل او أسير او مخطوف؟

ارتكبت جرائم وحشية خلال أحداث السابع من أيار/مايو من عام 2008، بحجة حماية المقاومة ومشروعها وسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى. ومرتكبو الجرائم معروفون وميليشياتهم وقادتها هم من يتحكم بمصير لبنان وسياسته الآن. وتبرير هذه الجرائم كان ان حماية سلاح المقاومة مشروعة. ولكن الحقيقة أن العدوان قد طال شريحة لبنانية ومكونات لبنانية لا تنتمي لهذا الفريق والتزامه الفكري والعقائدي ومشروعه المرتبط بالمحور الفارسي وبهدف حماية سلاح طائفي ومذهبي دون شك.

تم الاعتداء على أربعة مشايخ في الوقت عينه ولكن في مكانين مختلفين ومن قبل فريق واحد يتبع جمهور يغرف من ثقافة المقاومة والفهم والتربية التي تنشرها. والتبرير كان تعاطي هذه المجموعة المخدرات وحبوب الهلوسة. فهل هذه هي ثقافة المقاومة؟ وهل المخدرات هي وراء تورط حزب الله في جريمة الاعتداء على أبناء الشعب السوري والتورط في حمام الدم هناك في سوريا؟

اختطف او اعتقل أحد أبناء آل جعفر من قبل أطراف سورية على خلفية تهريب مازوت والاتجار بمواد مهربة. سواء كانت الجهة الخاطفة رسمية او غير رسمية فهذا الأمر لا يعنينا. ماذا كانت النتيجة؟ اختطاف عدد من أبناء بلدة عرسال السنية لمبادلة معتقلهم بالمخطوفين. ورغم المراجعات والمداخلات لا نتيجة إلى الآن وسيد المقاومة صاحب نظرية ثقافة المقاومة لا يتدخل لأن المطلوب هو التهويل بحرب مذهبية. ثم لأن هذا السلوك هو حقيقةً يترجم التطبيق الفعلي لثقافة المقاومة التي يتبناها حزب الله وهو حماية مشروعه بكل الوسائل والطرق والإمكانات وتقديم كافة التبريرات وإرهاب كافة المواطنين من المكونات اللبنانية الأخرى.

بدأت ولم تنته فصول عمليات اختطاف مواطنين لبنانيين ورعايا عرب والمطالبة بفدية مالية للإفراج عنهم، وبعد ان كان هذا السلوك لا يتجاوز في السابق سرقة سيارة والمطالبة بمبلغ مالي لإستعادتها، تطور وصولاً إلى هذا الحد من الاجرام واللامبالاة. ولكنها ثقافة المقاومة التي تفيد بحق هذا الفريق بالتعالي على الكل والاستعلاء والانتقام ممن يريد، وهي دون شك التي تدفعه لارتكاب هذه الممارسات وليس الحاجة المالية أو بدافع العوز. إنها التربية السلوكية المتراكمة يومياً وأسبوعياً على شاشات التلفزة ووسائل الإعلام، وفي المناسبات الدينية وغير الدينية وهي طبيعة الخطاب ومنطق الاستقواء بالسلاح. فأي ثقافة هي هذه؟

لذا يمكن القول ان المقاومة وثقافتها هي غطاء لمسار خطير قد يؤدي بالبلاد نحو الانفجار وإلى استعداء الدول العربية والدولية نتيجة هذا السلوك المتغطرس الذي لا يقيم وزناً ولا قيمةً ولا احتراماً للآخر.

هذه حقيقة ثقافة المقاومة التي تضمن عبارات طيبة ومفاهيم مثالية ولكن على أرض الواقع تتحول إلى ممارسات لا تبشر بخير.