حقوق فتاة القطيف وحقوق فتاة المحمودية

بقلم: حسن عبيد عيسى

بعد أن وجدت محكمة سعودية أن فتاة تعرضت للاغتصاب في منطقة القطيف، أنها كانت سببا في ضلوع سبعة من الذئاب البشرية من مواطنيها في جريمة اغتصابها، فإن المحكمة قررت جلد الفتاة وحبسها، على وفق مواد من القوانين السائدة في ذلك البلد الذي يعاقب المجرمين بالجلد والسيف، علنا وعلى رؤوس الأشهاد. فالشبان الآثمون ما كانوا قد تجرأوا على فعلتهم المخزية لولا أنهم ضبطوا تلك الفتاة تستقل السيارة مع رجل غريب عنها، فتحركت في دواخلهم السوداء نوازع الشر وجنحوا نحو واحدة من أقذر الجرائم في مجتمعاتنا وأحطها مستوى.
وعلى الرغم من أن الحكم ارتكز كما أسلفنا على مواد قانونية معمول بها منذ عشرات السنين، إلا أن وزارة العدل السعودية بينت أنها ترحب بكل نقد يوجه إلى الحكم، وهي (أي الوزارة) ستقوم بدراستها للقرار على ما يلزم اتخاذه من قرار بشأن هذه القضية المؤلمة.
اللافت للنظر، أن هذه القضية التي هي مجرد قضية اجتماعية عادية تحصل مثيلاتها في أكثر المجتمعات رقيا وتقدما، والتي عُرضت على القضاء لرفض المجتمع السعودي لها، صارت قضية دعائية يرفعها من شاء ويوظفها كيفما شاء، حتى أن هيومان رايتس ووتش العاجزة تجاه ابشع جرائم الجيش العنصري الصهيوني، وقطعان المستوطنين التي لم يحصل بحجمها وعمقها وسوئها إجرام مثيل من قبل، في نفس حجم الرقعة الجغرافية والسقف الزمني الذي تمثله فلسطين وتاريخ قضيتها، والعاجزة أيضا تجاه جرائم قادة أميركا وعسكرييها الذين هم أبشع مجرمي حرب عرفتهم الإنسانية وأكثرهم توغلا في الإجرام الحربي، فإن هذه المنظمة التي تركض وراء حقوق الناس في كل مكان إلا في فلسطين والعراق، وجدت في قضية الفتاة القطيفية ضالتها المنشودة لتظهر نضالها الرائع في سبيل الدفاع المجيد عن حقوق الإنسان..وكأن الفلسطينيين والعراقيين ليسوا أناسا وليس لهم حقوقا تحتم على هيومن رايتس ووتش النضال من أجلها والدفاع عنها تجاه ابشع الجرائم المرتكبة بحقها.
ولم تقف هذه المنظمة المُسَيَّسة المُسَيَّرة باتجاه واحد كحصان المُكاريَّة، يَحُدّ المكاري من نظره بقطعتي جلد ليمنعه من النظر في غير الاتجاه الذي يدفعه نحوه، عند هذا الحد.. فهي لا ترى في الجرائم الصهيونية والأميركية ما يستوجب التدخل، إلا أنها تجد الدواعي والدوافع عندما تحوم الشبهة حول عربي أو مسلم مهما كان حجم الخطأ الواقع على إنسان والذي ارتكبه ذلك العربي أو المسلم على أخ له في الدين والقومية والوطن.
لم تكن الحماسة المفاجئة التي بدت على هيومن رايتس ووتش بأكثر من تلك التي ركبت هيلاري كلينتون المرشحة للرئاسة الأميركية، فهي رأت أن هذا الحكم يدعوا على الاشمئزاز، ولم تقف عند هذا الحد، بل طالبت الرئيس بوش لاستخدام نفوذه والضغط على السلطات السعودية لإلغاء الحكم..ولم يكن منافسوا كلنتون من المرشحين الآخرين المتسابقين في ماراثون الرئاسة الأميركية دون زميلتهم قدرة على توظيف قضية تلك الفتاة في سبيل قضاياهم الشخصية.
لقد نَثَرتُ كل الأوراق التي أدون ملاحظاتي اليومية، والجذاذات التي اقتبسها من هنا وهناك، وكل القصاصات التي اقتطعها من الصحف والتي أطبعها من الانترنيت بحثا عن تصريح واحد للسيدة كلينتون، ولو من جملة واحدة تدين به أو تشجب أو تستنكر أو تعبر فيه عن اشمئزازها في شأن قضية فتاة المحمودية التي ارتكبتها ثلة من الذئاب البشرية الأميركية، من مجرمي الحرب الذين غزو بلادنا واستباحوا حرماتها، فاغتصبوا الشهيدة عبير قاسم حمزة الجنابي ذات الأربعة عشر ربيعا، ثم قاموا بحرق جثتها وجثث كل أفراد عائلتها بعد أن أمعنوا فيهم قتلا بالرصاص الذي يدعي العملاء المأجورون أنهم حررونا به. فأين يا ترى إنسانية هيلاري كلينتون التي تهب منتفضة مشمئزة عندما تسمع أن حادثا جنائيا وقع في بلاد العرب والمسلمين، وان طرفيه من أبناء هذه البلاد؟ ثم أين هي حقوق الإنسانة عبير وحقوق ذويها الأناسي الذين ارتكب بحقهم المجرمون الغزاة أبشع جريمة يمكن أن يقترفها أعتى مجرمو الحرب؟
لا بد إن السيدة كلينتون ومعها منافسوها في سباق الرئاسة المحموم، ستتحرك ضمائرهم لو أن وسائل الإعلام كانت قد أعلنت أن عبير الجنابي أجبرت على الزواج بسن الرابعة عشرة من ابن عمها الذي لا تحمل نحوه ودا كافيا، وسترى وكذلك شركاؤها أن حقوق هذه الصبية قد اغتصبت مرتين، فهي غير آهلة للزواج بتلك السن المبكرة، ثم أنها أجبرت، وربما ستطالب بملاحقة أهلها والمأذون الذي عقد قرانها.. بل ستُسَخّف المجتمع (المتخلف) الذي غض الطرف عن هذه "الجريمة" النكراء والتعدي السافر على حقوق الإنسان. ولكن طالما تعلق الأمر بجنود بلادها، فإن مصلحة وطنها الأميركي، والمهمة التي يضحي من أجلها هؤلاء الجنود، تتطلبان التستر وعدم متابعة التحقيقات التي يجري التكتم عليها، والتي سرعان ما تُصْدِر أحكاما خفيفة ضد السفاحين المجرمين، وكأن هؤلاء الوحوش المجرمين أرادوا فعل معروف فأخطئوا ولم يكن في قصدهم إجرام بل خير وإحسان. حسن عبيد عيسى