حقبة اللايقين: معضلات بناء نموذج إسلامي (2-2)

إعداد: محمد الشيوخ
معضلات تطبيق الشريعة وولاية الفقيه وحاكميه الله

هناك عدد كبير من المقالات العلمية والكتب التي صدرت بعد الاحتجاجات العربيّة، والتي حَاولت تفَسِّير الظاهرة الاحتجاجية والتنبوء بموقع الحَركات الإسلاميّة بعد الرّبيع، ككتاب "الإسلاميون والربيع العربي: الصعود، التحديات، تدبير الحكم"، للدكتور بلال التليدي والذي نشره مركز نماء للبحوث والدراسات، بلال التليدي، في فبراير(شباط) 2012. ففي مقدمته، يشر مدير مركز نماء للبحوث والدراسات إلى تباين الرؤى حول الاحتجاجات، أدار النِّقاش حول بُروز الإسلاميين، مُتَسائلاً عن العوامل التي أدّت إليه، فهل يَرجع ذلك لسِمات يفتقدها غيرهم، أم مَرده للسيّاق الدّولي الذي ساهم في ادماجهم والتمكين لهم، أم السِّر يكمن في قُدرة الإسلاميين على استغلال اللّحظة الثّورية وتحويلها لمادة للمكسب سياسي؟ كما قدّم الكتاب مواقف الحركات الإسلامية من الرّبيع العربي، مُستحضرًا تراتبيّة الثّورات وتأثيرها على بعضها، فالثّورة التونسيّة قدّمت مادة مهمة للثّورات المصريّة واليمنيّة والليبيّة، كما منحت احتجاجات 20 فبراير(شباط) المغربيّة مادة لتوجيه رسائل سياسيّة، وقد استغلتها الحركات الإسلاميّة أحسن استغلال(مركز نماء للبحوث والدراسات، التليدي، بلال: الإسلاميون والربيع العربي: الصعود، التحديات.. تدبير الحكم، فبراير2012).

وفي ورقته يقدم الدكتور ميلاد مفتاح الحراثى، الأستاذ في قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة بنغازي، يقدم فيها قراءة تحليلية من منظور معاصر، لتفكيك ألغاز الإسلام السياسي، إذ يرى أن تسييس حركات الإسلام السياسي وانخراطها في العمل العام وفق ما تسمح به ظروف الدول التي تنشط فيها، وإن كان قد منح لبعض حركات الإسلام السياسي فرصة الولوج إلى السلطة والمشاركة في الحكم، بأقدار متفاوتة، إلا أنها كشفت في ما بعد عن أزمة حقيقية تعيشها حركات الإسلام السياسي، تتعلق ابتداء بالبرنامج العام الذي يكتنفه الغموض، وتحيط به الشكوك وعلامات التعجب، وطبيعة إجاباتها عن قضايا العصر مثل الحرية وفصل الدين عن السياسة وتوطين معالم الحضارة الغربية وكيفية التعامل مع الحداثة وقضايا المرأة وشكل الدولة وموضوع تطبيق الشريعة ومعضلة وولاية الفقيه وحاكميه الله. يضيف الدكتور الحراثي، انه من المآخذ الكبرى على حركات الإسلام السياسي، أنها تتعامل مع الديمقراطية من منطلق بمرغماتي لا يدل على التزام حقيقي بالقيم الملازمة للديمقراطية الليبرالية أو قبول نتائجها، وإن كانت بعضها قد قطعت خلال العشرية الأخيرة خطوات مهمة على صعيد التكيف مع الديمقراطية، والقبول بآلياتها المتعلقة بطريقة الوصول إلى السلطة، وإمكانية تداولها سلمياً، والصعود لحركات الإسلام السياسي في مصر وتونس والمغرب وليبيا ،مؤشرات لا ينبغي تجاوزها(الحراثى، ميلاد: حركات الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف في العالم العربي: منظور تحليلي معاصر11 أكتوبر 2012).

الظواهر المرتبطة بالثورات الشعبية:

أما في ما يتعلق بالأبحاث التي ركزت على بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية المرتبطة بحدث الاحتجاجات الشعبية في العالم العربي، فهي ايضا ليست قلية.ويمكن اللجوء إلى ملحق ذات المجلة الانفة الذكر، والذي يهتم بدراسة الاتجاهات النظرية في الوضع الدولي الراهن والتحولات الجارية في الوطن العربي، مستندا على أطر ومقاربات منهجية جديدة، ومفككا أهم ملامح المشهد الثوري الراهن، حيث ركزت قضية هذا الملحق على تحولات الشارع وتفاعلاته مع الدولة، وأهم الظواهر التي نتجت عن تغير الشارع العربي وتطور تأثيراته وظهور قوى اجتماعية جديدة مؤثرة، هذا ما يحاول التقرير تقديمه بنوع من التركيب التحليلي لأهم الدراسات والأبحاث المنجزة ضمن الملحق.

ومن بين تلك الدراسات ما قدمته رانيا مكرم الباحثة في وحدة دراسات الرأي العام بمركز الأهرام للدراسات، عن الرأي العام بوصفه أحد المظاهر المعبرة عن الشارع العربي، بغية دراسته وتحليل اتجاهاته لفهم مسار تطور الأوضاع في الدول التي تمر بمراحل انتقالية. وبعد أن ساقت الباحثة العديد من تعاريف ومقومات الرأي العام، معرجة على تطور المفهوم التاريخي، خلصت إلى أن جل التعاريف تدور في أغلبها حول فكرة عريضة، مفادها أن الرأي العام عبارة عن حكم صادر عن أغلبية في مجتمع ما، إزاء مسألة تثير اهتمامه.كما حددت خمسة مقومات يتحتم وجودها كشرط لوجود ما يمكن تسميته بالرأي العام وهي:

- المقوم الأول يتمثل في وجود قضية مهمة ومؤثرة محل اهتمام الجماهير.

- المقوم الثاني يتجلى في وجود زمن محدد، فكل حقبة زمنية لها ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في طبيعة الرأي العام السائد.

- المقوم الثالث يتعلق بعلانية النقاش العمومي، فهو من أهم سبل تكوين رأي عام تجاه قضية معينة.

- المقوم الرابع ينصرف إلى وجود رأي سائد للأغلبية.

- المقوم الخامس يرتبط بوجود رأي عام يسعى لتحقيق المصلحة العامة، أي مصلحة مجتمعية لا نخبوية.

كما عالج هذا البحث، الرأي العام باعتباره من أكثر الطرق انضباطا من حيث تحليلها لتوجهات الشعوب، ولكنها الأقل تأصيلا من الناحية النظرية، خاصة في الأدبيات العربية. وحلل أساليب قياس الرأي العام، وأيها أكثر ملاءمة لقياس الرأي العام في المراحل الانتقالية، كما ناقش أنماط تأثير الرأي العام في السياسات الداخلية والخارجية للدول، ومدى تأثره بالعوامل الدينية. إذ يعد العامل الديني من أكثر العوامل المؤثرة في الرأي العام إثارة للجدل في المرحلة الحالية، خاصة مع ما كشفت عنه نتائج الانتخابات في كل من مصر وتونس من صعود التيارات الدينية، مما يطرح أسئلة خاصة بقدرة الجماعات الدينية على توجيه الرأي العام والتأثير فيه.

كما تحاول الورقة التي جاءت بعنوان "المحتجون: كيف تؤثر المظاهرات والاعتصامات في سياسات الدول؟" للباحث في العلوم السياسية أشرف عبد العزيز عبد القادر، تحاول تحليل المظاهرات بأنواعها والاعتصامات، باعتبارها معبرا عن جزء من الشارع، خاصة في الدول التي تمر بمراحل انتقالية، مثل مصر وتونس وليبيا، وتحليل تأثيرها في السياسات الداخلية والخارجية للدول. في مناقشة لدور المحتجين كقوة مؤثرة في الشارع، تعبر عن نفسها من خلال المظاهرات والاعتصامات، حيث تعد هذه الظاهرة أحد المداخل التقليدية في تحليل"المزاج السياسي" للشارع، والأكثر انتشارا في دول الربيع العربي، ولكنها الأقل انضباطا في دراستها، خاصة في الأدبيات العربية.

يناقش الباحث تكتيكات واستراتيجيات الاحتجاج، وما طرأ عليها من تطور، في ضوء الثورات التي شهدتها المنطقة العربية، كما يناقش المداخل المختلفة لتحليل تأثيرها في سياسات الدول. وقد انتهي إلى أنه عند تحليل تأثير المظاهرات والاعتصامات في السياسة الخارجية، لا بد من التمييز بين الخطوط الأساسية للسياسة الخارجية، واتخاذ القرار في مجال معين لتلك السياسة. فقد كشفت التحولات الأخيرة التي شهدتها الدول العربية عن نوع جديد من التكلفة المترتبة على عدم الاستجابة، وهو قابلية تحول المظاهرات والاعتصامات إلى ثورات كاملة، حين تتحول مطالب المتظاهرين من المطالبة بالتغيير، في إطار النظام القائم، إلى المطالبة بتغيير النظام كاملا، بسبب رفض النظام التغيير الجزئي الذي يطالب به المتظاهرون.

يختم الباحث دراسته بأنه على الرغم من أن سلوك التظاهر والاعتصام يعد من الإنجازات الحقيقية للثورات العربية، فقد أتاحت للمواطن العادي البسيط فرصة للتعبير عن مطالبه وآرائه، فإن مستقبل المظاهرات والاعتصامات بالنسبة لمصر وللمنطقة العربية يحمل تخوفين رئيسيين، في نظره؛ ينصرف التخوف الأول إلى التخوف من أن يصبح هذا السلوك ظاهرة متأصلة ومستمرة في الشارع المصري والعربي، على نحو قد يعطل مسيرة "التحول الديمقراطي" التي تشهدها بعض هذه الدول، وهو ما قد يؤثر بالسلب في هيبة الدولة وأجهزتها المختلفة. ويزيد من تلك المخاوف أن المظاهرات والاعتصامات في مرحلة ما بعد الثورات باتت تتسم بطابعين سلبيين، هما الطابع الفئوي، والانقسام بين ثنائية التأييد والرفض.ويتعلق التخوف الثاني باحتمالات استغلال بعض التيارات الإسلامية، ذات الشعبية الكبيرة، هذه الظاهرة لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بها، لا سيما وأن الفترة القليلة الماضية عكست إلى حد ما قدرة هذه التيارات على توظيف التظاهر والاعتصام،على النحو الذي يخدم مصالحها الخاصة في المقام الأول.

في دراستها حول نموذج اللاحركات الاجتماعية في تحليل سياسات الشارع، تحاول الباحثة رضوى عمار، تحليل القوى الزاحفة غير المنظمة، التي تحتشد تلقائيا، أو تتبع سلوكا ما بصورة تلقائية وغير منظمة لإحداث تغيير، ويناقش نموذج اللاحركات الاجتماعية Social Non-Movements، الذي طوره "آصف بيات" كمدخل لدراسة هذه القوى، حيث يعد هذا النموذج إحدى المحاولات الجادة لدراسة وتحليل توجهات الشارع، ولكنه الأقل اختبارا في تحليل وتفسير حالة الحراك التي تشهدها دول الربيع العربي، مشيرة إلى أن نظريات الحركات الاجتماعية تعكس خبرات المجتمعات الغربية بشكل رئيسي. وتعتمد على مقاربة آصف بيات لتعريف مفهوم اللاحركات الاجتماعية، التي يقصد بها تلك الأنشطة الجماعية التي يقوم بها فاعلون غير جمعيين non-collective actors . ويمكن تحديد أربع سمات رئيسية لها:

- تتمثل السمة الأولي في أنها عبارة عن ممارسات يشترك في القيام بها أعداد كبيرة من البشر العاديين دون اتفاق فيما بينهم.

- تتعلق السمة الثانية بأنه ينتج عن تشابه ممارساتهم تغيير اجتماعيا ما.

- تنصرف السمة الثالثة إلى أنه نادرا ما يتحكم في أنشطتهم أيديولوجية معينة.

- تتعلق السمة الرابعة بأنه عادة لا تكون هناك قيادات أو منظمات معروفة، فهؤلاء الفاعلون يعملون بصورة تلقائية، ويبدأ تحركهم برد فعل فردي يتسم بالعفوية في تعاطيه مع متغيرات الواقع.

وتجادل رضوي عمار، الباحثة في العلوم السياسية، في هذا القسم، بأن التأثير الرئيسي لهذه الظاهرة لا يمس الدول التي تشهدها، بقدر ما يمس سياسات الدول الأخرى التي تتعامل معها، والتي تنزع إلى الاعتماد أكثر على الدبلوماسية الشعبية لحماية مصالحها في الدولة التي تشهد هذه الظاهرة. وانتهت إلى أن اللاحركات الاجتماعية تستطيع تقويض أركان نظام دولة ما، لكن تظل قدراتها على بناء نظام جديد غائبة، ما لم تتحول إلى حركات اجتماعية فاعلة في المجتمع.

وترى الدراسة أنه في مرحلة ما بعد الثورات التي تمر بها دول مثل تونس ومصر وليبيا، لم تنته حالة الحراك المجتمعي Social Struggles فلا تزال هناك مطالب قديمة، وأخري جديدة بحاجة إلى التفاوض حول كيفية حلها. وجزء من هذا الحراك يمكن فهمه من خلال مدخل اللاحركات الاجتماعية. إذ يمكن القول بأن اللاحركات الاجتماعية تستطيع تقويض أركان نظام دولة ما، لكن تظل قدراتها على بناء نظام جديد غائبة، ما لم تتحول إلى حركات اجتماعية فاعلة في المجتمع. فنشاط اللا حركات بمثابة تهديد لأي قواعد في المجتمع، وتظل حدود قدرتها على التأثير مرتبطة بقدرتها على التحول إلى حركات، لها هيكل منظم، وبرنامج واضح، يحدد أهدافها وآلياتها.

بينما تناقش دراسة الدكتورة أمل حمادة، القوى التي تتحدي السلطة، والتي أصبحت جزءا مهما من الشارع في دول الربيع العربي. وأهمية هذه الظاهرة مرتبطة بأن القوى التي تتحدى السلطة لم تعد قوى خارجة على القانون، اعتادت أعمال النهب أو السرقة، بل هي قوي معروفة بانضباطها، ولكنها رأت في تحدي السلطة مدخلا لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشارع. وتتطرق في هذا الجزء د. أمل حمادة، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حالة الألتراس في مصر كمعبر عن هذه القوى. وتجادل بأن الألتراس يلعب دوراً مهما خلال المرحلة الحالية في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشارع في مصر، ولكن لا ينبغي أن نبالغ في الحديث عن تحوله إلى قوة سياسية، لأنه غير قادر على تقديم بدائل بناءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع.

وتدرس الباحثة جماعات الألتراس كحركات اجتماعية، قد تحتفظ بالعديد من الأنماط من العلاقة بين الدولة وسياسات الشارع، مع ملاحظة أن نمط الصدام والصراع هو النمط المميز لعلاقاتها مع الدولة، خلال الفترة الحالية، خاصة في حالة مصر التي ركزت عليها الورقة. إذ تشير إلى أن مفهوم الالترا Ultra إلى الشيء الفائق والزائد عن الحد، وكان تقليديا يستخدم لوصف مناصري قضية معينة بشكل يفوق ولاء أصحاب القضية الأصليين لها، ثم انتقل المفهوم إلى مجال الرياضة، حيث استخدم لوصف مشجعي ناد معين. ونميز في هذا الإطار بين الألترا والألتراس Ultra and Ultras حيث إن الألتراس كمفهوم، يستخدم في الأدبيات لوصف الجماعات من المشجعين المتشددين الذين تقترب أطرهم الفكرية والحركية من الحركات الفاشية التي ظهرت وسادت في أوروبا في القرن العشرين.

بعد أن عرج البحث على تاريخ ظهور الألتراس في أوروبا وأهم السمات والخصائص التي تتصف بها هذه الجماعات، توقفت عند النموذج المصري وسياقه السياسي متسائلة عن الدور السياسي الممكن أن يلعبه الألتراس، لتخلص بأن جماعات الألتراس، بحكم تكوينها وقناعاتها الفلسفية، يمكنها هدم الأطر القديمة على المستوي الفكري، وتقديم نوع من الحماية للفئات الأضعف في مواجهاتها مع قوات الأمن، ولكنها غير قادرة على تقديم بدائل بناءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع.وبالتالي، قد لا تكون قادرة على التحول إلى قوة سياسية، ولكنها قد تكون مفيدة لقوى سياسية موجودة، أو ستنشأ، تستطيع استيعاب المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشارع، والتعبير عنه بشكل حقيقي. فقوة الألتراس بالنسبة لها ستكون مفيدة، لاعتمادها على العدد والتنظيم غير الهيراركي، وهي عناصر مهمة في مواجهة تصلب وتسلط أي نظام سياسي.

في حين تناول الباحث أحمد محمد أبو زيد ظاهرة البلطجية كقوة فاعلة في الشارع، لم يعد بالإمكان تجاهل وجودها في الدول التي تمر بمراحل انتقالية بعد سقوط النظم فيها، وانتشار حالة من الفوضي الأمنية بها. حيث يناقش أحمد أبو زيد، الباحث في العلوم السياسية، الخصائص العامة المميزة لظاهرة البلطجة، والقوى الرئيسية المحركة لها، وتأثيراتها في الحياة السياسية والأوضاع الأمنية، مع الاهتمام بالحالة المصرية، باعتبارها الحالة التي تطورت فيها أعمال البلطجة بصورة ملحوظة بعد سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

فقد صاحب الحالة الثورية العربية تزايد انتشار ظاهرة البلطجة Thuggery، حتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من سياسات الشارع العربي. وقد تنوعت مسميات هذه الظاهرة من دولة لأخرى. فعلى سبيل المثال، أطلق عليها النظام في مصر اسم"البلطجية". ومع تزايد الاحتجاجات في سوريا، تردد اسم"الشبيحة" ليعبر عن جماعات مسلحة معروف انتماؤها لطائفة معينة، هي الطائفة العلوية، تقوم بمهاجمة منظمة للمتظاهرين السوريين. كما تعرف هذه الجماعات في اليمن باسم"البلاطجة".

تؤكد الورقة بأن حالة ضعف الدولة في مراحل ما بعد الثورات، التي تمر بها بعض الدول العربية، أدت إلى تطور هذه الظاهرة، وتكشفت عنها أبعاد لم تكن معروفة من قبل. حيث حاولت الدراسة تحليل الأبعاد المختلفة لظاهرة البلطجة في فترات ما بعد الثورات في المنطقة العربية، مناقشة المقصود بظاهرة البلطجة وأسبابها، ومداخل دراستها، وأبعاد تطورها، مع التركيز على الحالة المصرية. وتختم الورقة خلاصتها في كون السبب الرئيسي وراء تزايد أعداد البلطجية في المراحل الانتقالية، واتساعها في الشارع المصري خاصة والعربي عامة، يرجع بالأساس إلى ضعف الدولة ومؤسساتها الرسمية،وسيادة قيم عدم احترام القانون،وتآكل هيبة الدولة،وغلبة الشعور بالاستبعاد الاجتماعي علي الشعور بالاندماج في المجتمع؛ فظاهرة البلطجة هي نتيجة حتمية لما يعرف في أدبيات التنمية الدولية بالدولة الرخوة،والتي تعني الدولة التي تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات،ولكن لأنه لا أحد يحترم القانون. لتعود لتؤكد من جديد بأن استمرار أوضاع عدم الاستقرار والاضطراب المجتمعي في مصر وغيرها من الدول العربية،التي تمر بمراحل مشابهة،سيسهم في استمرار هذه الظاهرة وتوسعها،علي نحو قد يهدد الأمن القومي للدولة،وربما الوجود المادي للدولة ذاتها.

وقد تتطور جماعات البلطجة في المستقبل من كونها جماعة من المجرمين والمسجلين خطر إلي جماعات وأمراء حروب Warlords، أو إلي عصابات جريمة منظمة Organized Crime Gangs، لديهم من القدرات والإمكانيات التسليحية ما قد يؤهلهم لمواجهة الدولة، وربما لهزيمتها. وهذا التطور قد ينقل الصراع بين البلطجية والدولة إلي مستوي أكثر تعقيدا. فهذه الجماعات لم تعد تسعى إلى فرض سطوتها علي الشارع فقط،وإنما علي الدولة ذاتها. كما قد يتحول البلطجية إلي فاعل رئيسي في المجتمع،وفي العملية السياسية،بصورة قد تصل معها لأن يكونوا خصما للدولة ذاتها.

ويعرض القسم الأخير من الملحق وجهتي نظر، إحداهما أكاديمية، وأخرى عملية، حول تأثير الاهتمام بالشارع في مجال العلوم السياسية، وفي عملية صنع القرار. حيث تناقش د. هبة رءوف، أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، من وجهة نظر أكاديمية، كيفية تأثير تزايد أهمية الشارع في دارسات المجال العام، من حيث القوى المؤثرة فيه، ونوع القضايا التي تتم مناقشتها، واستراتيجيات وأدوات عمل تلك القوى. وتجادل بأنه ترتب على هذا التأثير تحول مستمر ومتداخل الأبعاد في المجال العام، على مستوى الذات الفاعلة فيه، وعلى مستوى مساحات المجال العام، وعلى مستوى عنصر الزمن.

كما يناقش الدكتور هاني خلاف، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون العربية، كيفية تأثير تزايد أهمية الشارع في عملية صنع قرار السياسة الخارجية في الدول العربية، وفي علاقاتها الخارجية بصفة عامة.ويجادل بأن قدرة الشارع على التأثير في قضايا السياسة الخارجية لا تزال محدودة، وأن هناك خمسة عوامل ستزيد من قدرة الشارع على التأثير في قضايا السياسة الخارجية، منها تزايد أهمية المؤسسات البرلمانية المنتخبة في عملية صنع القرار، وتزايد أعداد الشباب المتعلم في أجهزة صنع قرار السياسة الخارجية، وتزايد قوة التيارات الإسلامية في الحياة السياسية داخل البلدان العربية (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، مؤسسة الأهرام، ملحق: الاتجاهات النظرية في الوضع الدولي الراهن والتحولات الجارية في الوطن العربي، مجلة السياسة الدولية الفصلية البحثية، عدد187 يناير 2012).

يتضح مما سبق ان الدراسات التي اهتمت بظاهرة صعود الإسلام السياسي، وكذلك حدث اندلاع ثورات واحتجاجات الربيع العربي، إنها اتجهت الى منحيين رئيسسين شكلا محور الاهتمام بشكل أكبر:المنحى الأول، حاول ان يقرأ ظاهرة صعود الإسلام السياسي الجديد وتأثيراتها بصورة تحليلة أكثر عمقا وشمولية، أي بوصفها ظاهرة سوسيولوجية متعددة الابعاد. والمنحى الثاني، حاول التعرف على ماهية حدث الاحتجاجات والثورات التي اندلعت، وكذلك الظواهر المرتبطة به.وعليه يمكن القول بأن هذا المنحى المركز من الأبحاث الجادة، سيساهم بلا شك في التعريف بصورة أكبر على ظاهرة صعود الإسلام السياسي الجديد في سياقاته الاجتماعية والسياسية، وكذلك معرفة الكثير من الظواهر المرتبطة بهذا الصعود وانعكاساته المختلفة حاضرا ومستقبلا.كما سيساهم ايضا على قراءة الحدث الذي افرز تلك الظاهرة، بصورة اكثر عمقا وشمولية.

إن استحضارنا لتلك النماذج من الدراسات التي اوردناها كمؤشر على هذين المنحيين لا يعني بكل تأكيد ان كل الدرسات التي كتبت حول ظاهرة الربيع العربي وما يرتبط بها، مختزلة في هذين المنحيين فقط. فإلى جانب تلك الدراسات هناك دراسات اخرى عديدة ناقشت ظاهرتي صعود الإسلام السياسي واندلاع الثورت والاحتجاجات في العالم العربي، من زوايا أخرى لا تقل اهمية عن تلك الزوايا التي تم استعراضها آنفا.

بقيت الإشارة إلى أن علم الاجتماع الديني، وهو أحد فروع علم الاجتماع العام، هو الحقل العلمي المعني بشكل مباشر بدراسة الظواهر الدينية، وتقصي وتحليل آثاراها وتياراتها السائدة في المجتمعات الانسانية على اختلاف العصور والبيئات الاجتماعية، وبالتالي هو معني بدراسة "ظاهرة صعود الإسلام السياسي".كما ان علم الاجتماع السياسي، وهو الاخر احد فروع علم الاجتماع العام أيضا، هو الحقل العلمي المعني بشكل مباشر بدارسة"ظاهرة الاحتجاجات والثورات"، في سياقاتها المختلفة، مضافا إلى اهتمامه بظواهر سياسية اخرى كبنية السلطة السياسية وتطور انظمة الحكم وسائر الظواهر السياسية ضمن محيطها الاجتماعي.

محمد الشيوخ