حظر إرهاب

لا ادري لماذا اعادني قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي، القاضي برفع حظر التجوال عن ليل بغداد، الى حكاية الامهات اللواتي يرسلن الطعام سرا لأولادهن الذين يمتنعون عن تناوله ويعتكفون في غرفة من غرف البيت للضغط على اهلهم، من اجل تلبية مطالبهم التي يرفض الاهل تلبيتها، فيلجأون الى ممارسة هذا النوع من الضغط الذي اكتشفنا لاحقا انه يسمى بلغة السياسة (اضراب عن الطعام)، ويستخدم للضغط على الحكومات التي تسجن المعارضين ممن لم يعد بأيديهم اي نوع من السلاح سوى هذا الاجراء، كي يحرجوا الحكومات ويثيروا الرأي العام العالمي، ليحققوا مطالبهم التي في الغالب لا تتحقق!

لقد فرض الحظر الليلي على البغداديين منذ العام 2003 بعد ان فقدت الدولة العراقية مؤسساتها الامنية وباتت بغداد تحت رحمة جيش الاحتلال الذي كثر الحديث عن نشاطاته اثناء الحظر، واختلط الحقيقي بالمتخيّل، وصار كثيرون يتحدثون عن ممارسات مريبة يقوم بها الجيش الاميركي بعد ان تخلو شوارع العاصمة من المارة والسيارات، وتغط بغداد مع اهلها في ظلام الليل الكئيب، لاسيما في الاعوام الاولى التي تلت الاحتلال، وانفلات الوضع الامني الذي جعل الخروج من البيوت ليلا مغامرة مميتة، لكن بالرغم من خروج الاميركان وجيشهم العرمرم، وعدتهم التقنية الهائلة، واستلام العراقيين للملف الامني، لم يتوقف الارهاب ولم يتم انهاء الحظر الليلي الذي لم يثمر امنا في النهار، حيث ظلت المفخخات تتوزع على اماكن العاصمة، وظل العراقيون يتساءلون هو: اذا كانت الحركة محظورة في الليل فكيف تتسلل المفخخات الى احيائهم في النهار؟ واذا كان الامر هكذا فلماذا يستمر الحظر وما جدواه؟

الشيء الذي لابد من التوقف عنده، هو ان الاجهزة الامنية لم تكن بالدرجة الكافية من الجاهزية، وكانت هناك اختراقات كثيرة لهذه الاجهزة، تتمثل بمندسين عديمي الوطنية والضمير، استخدمتهم بعض الجهات الدولية والاقليمية الحاقدة على العراقيين لتوصل من خلالها رسائل سياسية مغمسة بدمائنا، وهكذا ظل البغداديون، يدفعون طيلة السنوات الماضية فاتورة هذه اللعبة المدمرة.

لقد كانت الامهات الطيبات، يخترقن الحظر الاختياري الذي يفرضه الاولاد على انفسهم ليحققوا مطاليبهم، لكنهم مع وجود من يخترق هذا الحظر المتمثل بطعام الامهات، يحققون الهدف، من دون ان يدفعوا الثمن، لكن العراقيين، ظلوا تحت رحمة الحظر والامتناع القسري عن ممارسة الحياة من دون ان يتحقق لهم الامن، ليكتشفوا اخيرا ان المشكلة تكمن في بنية الجهاز الامني الذي لابد من تخليصه من المندسين، ولعلنا اليوم وصلنا الى مرحلة لا نقول اننا حققنا بها الامن تماما ولا حاجة لنا في الحظر، بل اكتشفنا العلة الحقيقية التي لا يعالجها حظر التجوال وحده، بل رفع الغطاء عن المندسين الذين يعبثون في ليل بغداد ليحيلوا نهارها الى جحيم، وان بغداد منزوعة السلاح، يعني بغداد الحيّة بليلها ونهارها بالتأكيد.