حضور الآخر في الشعر العباسي

بقلم: د. عبدالله التطاوي
د. عبدالله التطاوي

انطلاقًا من التوسع في مفهوم دلالة إبداع الشعر العربي على ذاتية المبدع، وفي ضوء دوائر الغيرية التي احتواها، تأتي محاولة إعادة قراءة نماذج من الشعر العباسي التي تعكس صورًا من تجليات الآخر من واقع حضوره في فضاء النص الشعري - صوره وتقاريره - ومن خلال تأثيره في فكر الشاعر ووجدانه على السواء.

وتأكيدًا على الطبائع النوعية لحضور الآخر في الشعر العباسي، كانت مرتكزات البحث من خلال صور الحضور السياسي لذلك للآخر في ضوء إعادة قراءة الظواهر الكبرى التي شهدتها الساحة العباسية بين (حالة) الشعوبية المذهبية القومية الحاقدة على العرب، أو الشعوبية الحضارية التي مال شعراؤها إلى التهافت على معطيات الحضارة الفارسية مدخلاً إلى (حالة) الرفض لكل ما هو قديم وعربي، مما أفرز أنموذجًا مختلفًا من النقائض بين شعراء الأعصر العباسية في موازاة ما صنعه الكتّاب حول أزمة الشعوبية، ومحاولة البعض الانتقام من العرب في مقابل محاولات البعض الانتصاف لهم.

وينتقل البحث إلى إعادة قراءة مدرسة (الروميات) من خلال إطلالاتها على مواقف الآخر عبر المستويات السياسية أو الدينية أو القتالية، ومن جراء ما حدث من حروب ومعارك بين الخلافة العباسية والروم وهو ما تجلّى منه جانب في المدحة العباسية حين وزعت بين الممدوح وخصومه من قادة الروم، أو ما تجلّى في الموضوعات النمطية من الهجاء أو الرثاء في ضوء المعطيات الجديدة من جراء الاحتكاك بالآخر - سلبًا أو إيجابًا - على إثره تعددت صوره ومشاهده بين روم وفرس وترك، وعلى اختلاف نوعي في الموقف العربي من الكل في ضوء إبداع شعراء مدرسة الروميات من لدن مسلم بن الوليد، إلى أبي تمام والبحتري وابن المعتز وابن الرومي وصولًا إلى أعلام الشعراء في القرن الرابع الهجري من أمثال الشريف الرضي وأبي فراس وأبي الطيب المتنبي.

وتستمر صورة الآخر عبر كثافة حضوره في الشعر العباسي من المنظور الديني والأخلاقي والقيمي في ضوء تداعيات تيارات الحياة العباسية التي جمعت بين متناقضات السلوك من جانب الـمُجّان واللاهين والزنادقة في اتجاه، ومن جانب الزهاد وطلائع المتصوفة ممن راحوا يصوغون أسس فكرهم وسلوكهم من جانب آخر، وبين هذا وذاك ظهر الآخر شريكًا قويًا في كل التوجهات بحكم حالة التعايش والتفاعل والتلاقي بين العرب وشعوب الأمم المفتوحة على اختلاف ثقافاتهم.

وبين التوسع في مفهوم الآخر وبين تضييق حدود المفهوم ظهرت صوره وقوى حضوره في إبداع الشعراء عبر الموضوعات (الغيرية) بين أبواب المدح أو الهجاء أو الرثاء لا سيما حين جنح بعض الشعراء إلى صبغها بالطوابع السياسية مما أعطاها بعدًا جديدًا في إعادة قراءة علاقة المبدع بممدوحه أو مرثيه أو مهجوه على السواء. ولا ينتهي البحث إلا بمحاولة استقراء ما وراء ذلك الآخر من دلالات وفضاءات بطلها الزمان أو المكان على غرار ما ظهر من تأثر الشعراء بمستجدات الحضارة العباسية موجبها وسالبها، وخاصة فيما ظهر من مراثي المدن وارتباطها ببعض الثورات المضادة للخلافة أو ببعض الفتن التي سببها النزاع على بساط الحكم الذي لا يتسع لاثنين في آن واحد.

وكذا كان مثول ثقافة (الآخر) وأصداء فكره من ذاكرة الشاعر العربي الذي انعكس معجمه في إبداع شعره، فكان صورة من تلك المزاوجة الثقافية التي شهدتها دار الحكمة منذ عهد الرشيد بين علوم الأوائل وقلم الترجمة حيث بدا حضور الآخر مناظرًا لقلم الترجمة وما ترسّخ من مفاهيم ومصطلحات علوم المرحلة ومعارف الفترة في وجدان الشعراء ممن قصدوا إلى تطويع مصطلحات العلوم في شعرهم قبل مرحلة تطويع الشعر للفلسفة في إبداع أبي العلاء في القرن الخامس الهجري.

ملخص البحث الذي قدمه الباحث في ملتقى "الشعر من أجل التعايش السلمي" الذي نظمته مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دبي 16 ـ 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011.