حضور الآخر بالمدينة في الشعر العربي الحديث

بقلم: د. سعاد عبدالوهاب
الباحثة د. سعاد عبدالوهاب

إن البحوث التي عرضت لموضوع المدينة في الشعر قليلة في الآداب العالمية، وقليلة أيضًا في الأدب العربي على الرغم من كثرة القصائد التي تناولت الموضوع واختلاف توجهاتها بين المدح الذي يعتبر المدينة وحدة حضارية متقدمة ومبشرة بمجتمع أقرب إلى النظام والجمال والتكامل، وبين الذم الذي يعتبر المدينة صنيعة حياة معقدة، مفسدة للطبيعة، تضيع فيها شخصية الفرد وحريته.

المدينة بوجه عام موضوع لقصيدة - في هذا العصر خاصة - لأكثر من سبب، وتختلف رؤية الشعراء للمدينة في الكويت كما في غيرها تبعًا لعصر الشاعر، وموقعه من المدينة، على أن ظاهرة شعراء الكويت وقصائد المدينة ذات امتدادات خاصة، ربما لا نظير لها - من الناحية الموضوعية - في الشعر العربي الحديث، كما سنبين، وقد دفعنا هذا إلى أن نقدم للباحثين - مستقبلاً - صورة بانورامية إحصائية حاولت أن تكون شاملة ودقيقة لكل ما نظم شعراء الكويت عن المدينة، ومن شأن هذا الدليل الإرشادي الذي دلّ تحديدًا على (19 شاعرًا) و(60 قصيدة) أن يدقق في أصحاب السبق من الشعراء وأن يستوعب التوجهات الموضوعية في القصائد ذاتها، وأن ييسر سبيل الاطلاع على هذه النصوص، وهو المقدمة الضرورية التي تسبق الدراسة الأدبية، والتحليل النقدي.

وقد أوصلنا الرصد الدقيق للقصائد إلى أن شاعرًا مثل علي السبتي - في ديوانه الأول «بيت من نجوم الصيف» هو الأسبق زمنيًّا، وتنوعًا في موضوع المدينة، وكذلك برز إبداع الشاعرات وقدرتهن على تنويع الرؤية داخل الموضوع، نذكر منهن: غنيمة زيد الحرب، ونجمة إدريس، وجنة القريني، وسعدية مفرح.

أما الشعراء فهم - حسب المتوقع - أكثر عددًا، وربما أطول نفسًا، وأوسع مدى في ذكر أسماء المدن العربية وغير العربية، ومن أهم الشعراء: علي السبتي، وأحمد العدواني، وخليفة الوقيان، ومحمد الفايز، وعبدالله سنان، وأحمد السقاف.

على مستوى الدراسة النقدية، يمكن - بوجه عام - أن نحدد أربعة أنواع من المدن تراءت لشعراء الكويت: خاطبوها، وتحببوا إليها، أو نابذوها ولعنوا مساوئها.

هذه الأنواع من المدن هي: المدينة الأمة، والمدينة المتعة، والمدينة الحلم، والمدينة الكابوس، وسنخص كل نوع بإشارة:

1 - المدينة الأمة

وهي صاحبة النصيب الأوفر لدى شعراء الكويت، ولهذا التوجه دوافعه الثقافية والتاريخية والنفسية، فقد كانت الكويت إمارة صغيرة محدودة الإمكانات، تحولت - منتصف القرن العشرين - إلى دولة ذات وزن إقليمي وحضور مميز في التكوين العربي. وقد تزامن هذا مع الصحوة القومية في مصر والعراق والشام، وساعد الموروث الثقافي وموقع الكويت الجغرافي على إذكاء الشعور القومي، من خلال ثقافة المهرجانات والملتقيات، ونجده واضحًا في قصائد أحمد السقاف وخالد سعود الزيد وخليفة الوقيان وعبدالله العتيبي، فهي تطرح هموم الواقع وفرقة الأمة، واستيلاء الصهيونية على فلسطين بخطاب إنشائي تحريضي.

2 - المدينة المتعة

مدينة المتعة الجمالية تعددت صورها، عربية وغير عربية، وقد فازت مدينة «فيينا» بقصيدتين - على سبيل القطع - إحداهما للشاعر محمد أحمد المشاري والأخرى للشاعر عبدالله سنان، والمتعة الجمالية بالمدن العربية فإنها متحققة في قصيدة «عالية» للشاعر خليفة الوقيان - وهي مدينة جبلية صغيرة في لبنان.

أما المدينة المتعة الشهوانية فتكاد تنحصر في قصائد محمد الفايز، فقد أبدع الفايز عددًا من القصائد تصور - برؤية مباشرة - الحرب الأهلية اللبنانية، وقد يكتب عن فلسطين، ولكنه، إذا ما ذكر المدن بصفة محددة تشكلت المدينة في هيئة إمرأة جميلة، واصلها أو يتوق إلى وصالها.

3 - المدينة الحلم

هذه المدينة المصنوعة من حلم الشاعر ذات جذور ضاربة في جمهورية أفلاطون، والمدينة الفاضلة، المثالية (اليوتوبيا)، ونصيبها لدى شعراء الكويت محدود جدًّا.

قد نجد شيئًا من هذا في قصيدة للشاعر علي السبتي (قصيدة: ما اخترت غيرك جنتي أو ناري)، وأخرى للشاعر عبدالله العتيبي (قصيدة: الأصل - من ديوان: مزار الحلم).

إن الحلم بالمدينة الفاضلة قد يبسط جناحيه على مساحة من قصيدة، ولكنه - قبل ختامها - يستفيق الحالم على واقع وحشي هو أسوأ من الكابوس. وهذا المحتوى التقابلي، أو المرحلي هو الذي نجد عليه عددًا من القصائد.

4 - المدينة الكابوس

هي المدينة المسخ، المرعبة، الجاثمة بكل ثقلها على قاطنيها من البشر وقد أسس لهذا الاتجاه في الشعر الكويتي الشاعر أحمد العدواني منذ كتب قصيدته «مدينة الأموات» 1964 وهي تعد من شعره المبكر نسبيًّا، وتتكشف قصيدة جنة القريني - بعنوان "مشوار" - عن صورة لمدينة واقعية نعايشها ونعاني مصاعب الحياة فيها، وهي مدينة عصرية مظهرًا، وكابوسية ممارسة ومخبرًا، فالشوارع والأشجار وحتى إشارات المرور تتحول إلى أدوات تعذيب، ويصبح الناس في هذه المدينة مصدرًا للخوف، فكأننا نعيش في مدينة كابوسية حتى وإن استسلمنا للحياة فيها.

هذه الصور الأربعة: المدينة الأمة، والمدينة المتعة، والمدينة الحلم، والمدينة الكابوس، تشير إلى ثراء ظاهرة شعر المدينة في الكويت، بما يستحق دراسات أكثر تفصيلاً.

ملخص البحث الذي ألقته الباحثة في ملتقى "الشعر من أجل التعايش السلمي" الذي نظمته مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دبي 16 ـ 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011.