حصاد الكتب في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث 2009

كتب ـ محمد الحمامصي
تميز وثراء

لا يجد المرء صعوبة في تأكيد تميز وثراء إصدارات هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، التي تنطلق من رؤية باتساع الكون، حيث تركز في ترجماتها وما تختاره للنشر على البعد الإنساني في جوهره الأصيل، سواء كان ذلك في الفنون أو الآداب أو العلوم، كما أن اتفاقياتها مع دور النشر العربية والدولية يضع إصداراتها هنا وهناك بين يدي القارئين العربي والأجنبي.
ورصدا لما أصدرته خلال العام 2009 في مختلف إصداراتها "المكتبة الوطنية"، "مجلة شاعر المليون"، "قلم"، "كلمة"، "التراث المعنوي"، "إصدارات للأطفال" ومنها سلسلة "روايتي الأولى"، "إصدارات أكاديمية الشعر"، "مجلة التراث المعنوي" يمكن ملاحظة تأكيد حضورها على المستويين العربي والعالمي عبر تطوير رؤاها واختياراتها لما تترجم، ومشاركاتها المتميزة في معارض الكتب الدولية بل وحضور كتبها القوي والفاعل.
إن الكتب المترجمة الصادرة عنها هذا العام أغلبها إصدارات العام في لغاتها الأصلية، الأمر الذي يؤكد مواكبة الهيئة لأحدث الإصدارات في العالم، والتي تحمل الحراك الفكري والإبداعي والفني والعلمي، كما أن الاختيارات لا تتم وفقا لهوى أو علاقات شخصية أو توجه بعينه بل تنطلق من وعي وسعي حثيث لتحقيق أفق معرفي وجمالي وفني حقيقي يضع القارئ العربي المستهدف في القلب من الثقافة العالمية ومنجزاتها.
إن ترجمة أعمال السويسرية إلما راكوزا، و1650 حكاية من 50 بلداً ضمن 72 كتاباً من التراث الشعبي العالمي، و"أرجوحة النفس" لهيرتا موللر التي حازت على جائزة نوبل الأدبية لهذا العام 2009، وفالتر كبّاخر بكتابه سلينا وجائزة بوشنير الأدبية، وكاترين شميدت وجائزة الكتاب الألماني الأدبية، و"مَنْ يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود" تأليف جاك جولدسميث وتيم وو، و"الطفل السعيد: تغيير جوهر التعليم" للكاتب الأميركي ستيفن هاريسون وغيرها يكشف عن عمق التوجه ورقي رؤيته، وأن هناك نشاطا واضحا للقائمين على الأمر للوصول إلى الأهم فيما ينشر عالميا.
لم تكتف الهيئة بهذا الدور الذي يثري الثقافة العربية ويطور من رؤاها وقدراتها على مواكبة ومتابعة الأحداث في العالم، بل سعت إلى وضع الثقافة العربية على خارطة الثقافة العالمية، فشاركت في أكبر المعارض العالمية المعنية بالكتاب، وأصدرت أول كتاب من نوعه باللغة الإنجليزية للخراريف الإماراتية (الحكايات الخرافية التقليدية) بعنوان "مفتاح لعالم آخر"، هذه الحكايات التي تنطوي على بعد ثقافي إنساني متعدد، على الرغم من أن مكوناتها تعكس واقع الحياة المحلية والثقافة الشعبية، كما ترجمت ست مجموعات قصصية لكاتبات إماراتيات، في بادرة هي الأولى من نوعها يحتل فيها الأدب الإماراتي وعرضتها في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.
ومن جانب آخر هناك البعد العربي والإسلامي الذي يمثل محورا رئيسيا في إصدارات الهيئة، ويكفي مثالا على ذلك تأسيسها لسلسة ثقافية وتراثية تحت عنوان "رواد المشرق العربي"، تهتم بتراث الآباء والأجداد، من خلال الحرص على جمع كافة المصادر المتعلقة بتراث منطقة الخليج العربي وجزيرة العرب والعالم العربي في آن معاً، وصدر عنها عدد من أهم الكتب في هذا الشأن مثل "ارتياد جزيرة العرب" لدافيد هوغرث، "نجد الشمالي" لكارلو جوارماني، "رحلات في الجزيرة العربية" لجي آر ويلستد، "المدن المنسية في بلاد العرب" لستيوارت إرسكين، و"دمشق في مرآة رحلات القرون الوسطى" لأحمد إيبش، وأخيرا كتاب "رحلة عبر الخليج العربي" من تأليف آنيغريت نيبا وبيتر هربسترويت.
وعلى الجانب الإماراتي المحلي احتضنت إصدارات الهيئة إبداعات شعراء وقصاصي الإمارات، وهذا العام أعادت طبع كتابها الصادر العام 2008 "خمسون شاعراً من الإمارات" تأليف سلطان العميمي، وواصلت تطوير مجلاتها مثل مجلة "شواطئ" ومجلة "شاعر المليون" التي تحتضن أحدث إبداعات شعرائها وكتابها.
إن امتداد فعالية الدور الذي تلعبه هيئة الثقافة والتراث بأبو ظبي عربيا ودوليا يأتي في وقته، حيث لا يخفى على أحد تراجع دور الكثير من المؤسسات الثقافية العربية في العواصم الكبرى خاصة عن تحقيق هذا الدور، حتى ليمكن القول إن مشروعا مثل مشروع "كلمة" استطاع تحقيق نقلة نوعية ضخمة تضعه على قائمة المشروعات المماثلة له عربيا، حيث تفوق عليها بمواكبته للأحداث في الفكر والإبداع العالميين، وأيضا مشروع "كتاب" (المشروع المشترك بين هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ومعرض فرانكفورت للكتاب)، والذي يعتبر أحد أهم الفعاليات التي تعيد الثقافة إلى واجهة المجتمع الإماراتي والعربي عبر تنظيم النشاطات الفكرية والأدبية المميزة بالتزامن مع عرض أحدث الإصدارات في مختلف العلوم والآداب.
فإذا أضفنا إلى هذا كله دور معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي يتم العام القادم 2010 دورته العشرين، وحرص مختلف دور النشر العربية والعالمية على المشاركة فيه، يتأكد لنا أن الاستراتيجية التي تعمل عليها الهيئة ومديرها العام محمد خلف المزروعي تسعى إلى أن تكون أبوظبي مركزا ثقافيا عربيا وعالميا بامتياز.