حسين الأعظمي واستذكارات ملتاعة على مقام الصبا

بقلم: زيد الحلي
السنين ان حكت

يقال إن الاعتياد يفقد الانبهار والدهشة، وفي ذلك القول الكثير من الدقة، ومعظم الناس لمسوا هذا الأمر في حياتهم اليومية، فكم من حديقة غناء دخلنا إلى مروجها دون أن نلتفت الى نفائس أزاهيرها، لأننا نشم أريجها وتمر صورها على عيوننا يومياً، وكم من لوحة عظيمة الشأن كلوحة "موناليزا" لا يلتفت إليها العاملون في متحف اللوفر في باريس الذي يحتضنها، كون عيونهم اعتادت على مشاهدتها يوميا فيما أن رؤيتها حلم ملايين الناس في كل بقاع العالم.

والأمثلة تتقاطر والجميع يدرك أن الاعتياد نقيض الدهشة إلا في حالات الاستثنائية. وسفير المقام العراقي الفنان حسين الأعظمي على قمة استثناءاتي. فهذا الفنان الأصيل لم يكتف بما وهبه الخالق الكريم من رخامة وجمال الصوت، بل راح، منطلقاً من نسيج نابع من رؤية أكدها في دراساته بأن المقام العراقي هو هوية العراق رغم ان البعض يحاول التلميح إلى أن أصله وفد إلى العراق من هذا الجار او ذاك!

وفيما كان الجمهور الذي حضر لسماع الاعظمي في قاعة الأوبرا الفخمة في الشام الاثنين 30/5/2011 يصغي السمع بألق، لألوان المقام العراقي، كنتُ أجول بذاكرتي الى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن مستذكراً، صبر وعشق ووله هذا الفنان بالمقام العراقي، وإنني أتصوره وُلد وفي فمه نغمة مقام عراقي عكس كل ولادات العالم التي تبدأ بصرخة الحياة إلا هو حيث كانت صرخته الأولى نغما مقامياً عراقياً.

وتلوح لي الآن صورة الاعظمي وهو يتابع خيوط المقام العراقي بأدق صورها وهو المختص والمتخصص به، لكنه في هذه الصورة التي أشير إليها، يُبين أن المبدع مهما أوتي من دراية وتعمق ودراسة يبقى بحاجة الى المزيد وهذا المزيد يحتاج إلى مزيد آخر. فقد عنّ لنا زيارته يوماّ في وقت غير مناسب، بل وقت ثقيل، هو الثالثة بعد منتصف الليل، كنا مجموعة من الزملاء تحتفظ الذاكرة باسم أثنين منهم (د. أحمد عبدالمجيد ومازن عبدالعزيز).

وبيت الأعظمي يقع خلف جامع الإمام الأعظم وهو مطل على نهر دجلة ومن الأبنية التراثية الجميلة، وما ان طرقنا الباب حتى أطل علينا الاعظمي بدشداشته البغدادية وبدأ الترحيب وكأننا نزوره على موعد وفي وقت مناسب. وفي دقائق كنا في شرفة داره وتحت هذه الشرفة كان عدد من أصحاب الزوارق الصغيرة (البلام) يغنّون المقامات وعلى مبعدة أمتار قليلة كانت اليابسة المحاذية لدجلة، تحتضن السمك المكسوف وهو يشوى على نار أعواد البلوط بانتظار آكليه الذين أصروا علينا مشاركتهم وليمتهم "اليومية".

لقد أنّسانا ذلك المنظر وترحيب الاعظمي وأصوات "البلاّمة" المنبعثة في هزيع الليل الأخير (نوبة) الخجل لزيارتنا (المتأخرة) لصديقنا الاعظمي، لنكتشف ان هذا الوقت هو وقت التدريب اليومي الممزوج بالغناء الفطري للبغداديين المنحدر من الأب الى الابن ومن الجد للأب و.. وكانت ليلة من العمر ولا أحلى، في طقس يحياه سفير المقام يومياً، طقس يمتزج فيه فن المقام العراقي بجذور حية، كل جذر فيه يغذي الآخر.

درس الأعظمي المقام نظرياً، فكان الأول على دفعته في معهد الدراسات النغمية ثم أصبح معيدا وبعد ذلك مديراً لبيت المقام العراقي، لكن كل ذلك لم يشبع نهمه في عشقه للمقام، فدخل الى روح البغداديين، خالط مزاجهم وناقش رؤيتهم وتناغم مع موروثهم. إن قناعته كبيرة ومستلة من فهم واع لجذور المقام، بأن لعشاق المقام أهمية عظيمة ولولا تعاقب الاجيال، لاندثر الكثير مما نعرف اليوم عن المقام، فلم يكن في سالف الزمان أساليب التوثيق الحالية، وهو مدين لهم بفضل حفظهم للقراءات المقامية المتنوعة جيلا بعد جيل، ودائماً ما يشير الى ذلك في دراساته ومقالاته ومحاضراته، حتى خرج بمحصلة لا تقبل النقاش، وهي ان المقام العراقي أصل الأشياء، وهو علم العراق وهويته المتجذرة غير القابلة على النسيان وثقافته الفنية.

الكاتب مع الفنان حسين الأعظمي

عاشق للمقام وليس مطربه .. فقط!

إن الاعظمي ليس قارئاً للمقام فقط، فهوّسه في أصول المقام دائماً يدفعه الى النقاش في امتداداته للحد الذي ينسى فيه عشاق سماع صوته، وقد لمستُ شخصياً حيث عشتُ ساعات من القلق، حين شرفني أخي حسين الأعظمي في بيتي قبل عقدين من الزمن، لينضم إلى أخوة وزملاء كانوا في ضيافتي. كان الجميع يرنو إلى سماع الأعظمي، لكن ما جرى هو ان أحد الحضور سأل الصديق عن حقيقة التأثير الإقليمي على المقام العراقي مستشهدا بالكلمات غير العربية الداخلة في "البستات" المصاحبة للمقام، فتحول الموضوع الى حلبة من النقاش الثقافي والفني قبل أن يحسم الأمر ضيفي العزيز الشاعر الكبير حميد سعيد بأن يطلب تأجيل النقاش الى ما بعد سماع المقام العراقي بصوت سفيره.

وصدح صوت الأعظمي بحميمة رائعة ونسى الجميع النقاش حتى لحظات غبش اليوم التالي. هذا هو الأعظمي .. إنسان المقام العراقي وسفيره وحافظ ميراثه، وهنا أتذكر كيف أقبل الفنان الكبير لطفي بوشناق، بشوق شاقاً صفوف الجمهور في نهاية تسعينيات القرن المنصرم على أثر انتهاء حفل للمقام العراقي أقيم في تونس أحياه الأعظمي.

لقد طبع بوشناق قبلة على جبين الأعظمي أعقبها عناق طويل قال بعدها فنان تونس الكبير بوشناق عن فناننا ما يُسعد ويفرح. يومها دمعت عيناي، فأسرعت الى تقبيل الصديق وكأنني أراه للمرة الأولى. ورغم ثقته العالية بنفسه التي بناها بدراسته وتعبه ومتابعاته، إلا أنه ليس من رهط من يحبون الظهور والوجاهة حيث تكبر "الأنا" عندهم فيرون أنهم مركز الكون، وهو مؤمن انه كلما كبرت "الأنا" شارف الإنسان على التهلكة فهي طريق محفوفة بالأضواء الكاذبة والبريق الذي يضرب على الوتر الحساس بداخل كل واحد فيهم. فهؤلاء، ينامون ويصحون حالمين بالنجومية ناسين ان حلمهم مثل ظل يصاحب النور وشيطان يغار من الإنسانية.

وفي جلساتنا العديدة سمعته مرارا يردد ان الإنسان مهما أمعن بالصعود او النزول، فسيبقى من هم فوقه ومن هم تحته. وقد نشأ الأعظمي، إنسانا سهل النفس، منبسط السريرة، بعيد النظر، وشعرتُ من خلال صداقتي الطويلة معه أنه خرج من وراء ذاته، بعيداً في عمق الحياة.

وهو في نتاجه الغزير، شخصية فنية متميزة، لا يأخذ من مستمعه، دون أن يعطيه أضعاف ما أخذ، ويثري فكره وقلبه ووجدانه ويجعله يحلق في فضاء المتعة وإيمانه راسخ بأن الأثر الفني هو الفنان نفسه، ومن أجل ذلك يعمد الى منتهى الابداع ليصل الى مبتغاه. وكل شعر او بستة مقامية يؤديها، أحس انها تصطبغ بدمع العين ووجيب القلب وزفرة النفس. انه يشعرني بأن صوته يغمسه في قلبه قبل الغناء، ليستخرج من أعماقه صورة حية لعاطفة حية.

وأقول للتاريخ بأنني لا أفهم صوت الاعظمي، نقراً على عود، ولا رنة في وتر، أفهمه على أنه تلاقي شفاه تستحم في سكون الليل!

الأعظمي مسك ختام فعاليات دار الاوبرا وقد تميز حفله في دار اوبرا دمشق الذي شاركته فيه فرقة من الجالغي البغدادي، بكونه كان مسك ختام ملتقى "مساحات شرقية" الذي شهدته سوريا، وضم الملتقى الذي يقام للسنة الثانية مجموعة كبيرة من الفعاليات من بينها حفلات موسيقية لمشاركين من سوريا وتركيا وإيران والعراق والمغرب ومصر وأوزباكستان ولبنان والجزائر.

وشهد الملتقى "مؤتمر علمي عن نظرية التأثير في الموسيقى الشرقية" وآخر عن الموسيقى في سوريا من خلال علم الآثار شارك فيه ريتشارد دمبرل من انكلترا وثيوكريسبين من هولندا وميريام مارسيتو ومارغو بوسكيه من فرنسا وداليا شحاتة من مصر، وفراس سواح من سوريا.

وسبق للفنان الكبير أن أحيا حفلات مشابهة في تونس وفرنسا وايطاليا والأردن وعُمان وحاضر وغنى تطبيقاً في أميركا بجامعتي هارفارد في بوسطن وجورج تاون في واشنطن ولا يزال كتابه القيم "المقام العراقي الى اين؟" الصادر في بيروت قبل أعوام مثار جدل ودراسة لعلميته، وهو عضو الجمعية الفرنسية للموسيقيين في باريس.

إن حسين الأعظمي الإنسان نبع صاف من خلق نبيل، وهو على انسجام تام مع ذاته وخياراته الشخصية في كل مراحل حياته وأمين على علاقاته وصداقاته، ولذلك لم يفاجئني ذكره لأسمي من على مسرح دار الأوبرا، مرحباً بي قبل بدأ حفله الكبير المتميز الذي اكتظت فيه نخب من المدعوين من المثقفين والدبلوماسيين وعوائلهم.

وعندما ذُكر العراق وذُكرت بغداد في غنائه، لاحت لي دمعة سالت من عينيه فسألته في كواليس المسرح عن ذلك قال إن دمعة الحزن ودمعة الفرح كلتاهما من نبعة واحدة.

وفي مسيرة الصديق الأعظمي، يصح القول إن كل شيء يبدأ من العقل وينتهي إليه!