حسان عزت: كل قصيدة عظيمة تصب وتوازي الفعل الثوري

الثورة عصفت بكثير من أنماط الشعر

الإبداع مرتبط بالخيال الحساس والشعور المرهف، فهل يمكن لأديب أن يقف إلى جانب دكتاتور أو قاتل أو يتغاضى عن صرخات الضحايا، وفي زمن الثورة، هل يجب أن يكون الشعر خطاباً إيديولوجياً أكثر منه صورة فنية، أم يجب أن يكون الحدث دافعاً لتفجير مكنونات الأدب بخطاب عذب ينحاز للعنصر الإنساني والوطني؟

الشاعر السوري حسان عزت المقيم في المنفى والذي لا يزال ـ كما يعترف ـ يتأمل فعل الثورة وانعكاسه على تجربة الشعر وتجربته بصورة خاصة بعد أن سخّر جل أدواته الشعرية والأدبية لجانب ثورة السوريين، يحاول رسم تصوره وفهمه للحالة الشعرية وعلاقتها بالفعل الثورية.

وقال: "الشعر هو الشعر، وحتى في زمن الثورة، فعلى الشاعر أن لا يتخلّى عن طبيعة وفنيات الشعر، وعليه أن يستفيد من حرارة الحدث لفك عقدة الشعر.. فالثورة مناخ حار لا يحتمل التأجيل، وعلى الشاعر المدرك لحساسيات الفن وشروطه أن يبتكر ويبدع ما لا يبدعه في الظروف الاعتيادية، فالثورة أشبه بتيار الحب الذي يفقد التوازن، وعلى العاشق أن يتحدث بالحلم والصور، ونرفانا النصر الممتنع، أو المحجوز بصعوبة الزمن، برأيي المسالة تختلف بين شاعر وآخر، ففي حرب 1976 في بيروت، وعند سقوط تل الزعتر، كنا أمام حالتين من الشعر، وأمام شاعرين يختلفان بتجربتيهما وفهمهما للشعر، محمود درويش ومعين بسيسو؛ محمود درويش كتب ملحمته الخالدة أحمد الزعتر التي تفوق فيها على اللحظة وشروطها الواقعية، واشتغل على الرؤيا (ليدين من حجر وزعتر هذا النشيد.. لأحمد المنسي بين فراشتين....) فبقيت قصيدته خالدة في الشعر العربي الحديث وقد أصبحت نشيداً بصورها المدهشة وخطابها الحار، وفنياتها العالية.. بينما كتب الشاعر بسيسو قصائده اليومية (على الأكياس) التي كانت أشبه بالمذكرات الحربية الخطابية والتحريضية معاً".

• خصوصية الثورة السورية:

وبالنسبة لتجربته مع الثورة السورية قال عزت، ابن ريف دمشق، والذي ينتمي إلى جيل من الأدباء والشعراء السوريين الذين عاشوا حقبة السبعينيات خلال تفتحهم الأدبي وخبروا القمع والاستبداد، وانحاز للثورة من أيامها الأولى: "في تجربتي مع الثورة السورية العظيمة أعتبر أن كل قصيدة عظيمة تصب وتوازي الفعل الثوري، ولا يمكن أن تأخذ القصيدة مشروعيتها من المناسبة التي تعايشها إذا لم تتمتع بفنيات عالية ولو كتبت بالعامية، والعامية التي كتبت بها قصائدي كانت من أجل الاتحاد بروح الشعب العارم ووجداني الذي يمتد إلى أعراس وطقوس السومريين، وأنا سأعتبر أن الحفاوة والانتشار الكبير الذي حظيت به قصائدي إلى مئات آلاف المستمعين والمشاهدين لها بواسطة الفيديو ليس لأنها وافقت الثورة وتحدثت عنها، بل لحرارتها هي وفنياتها التي استفادت من التطور الشعري العربي والتجديد فيه، والغرف من روح الملحمية العربية في شعرنا الأصيل، علماً أن هناك مئات القصائد التي كتبت عن الثورة ولم يكتب لها الانتشار، حتى قصائد الفصحى التي كتبتها (إنا لما طغى الدم) فهي عالية بفنياتها وصورها واستفادتها من كل الموروث الشعري العربي، وأنا لا أكتب الشعر حين لا يفرض الشعر نفسه على وجداني، لأني لا أستعجل الشعر ولا أكتبه وفق وصفات جاهزة أو وفق رغبات ملحة من الناس أو من جمهور معين من الناس، على كل حال يبقى التقييم النقدي الصحيح للتجربة الشعرية والفنية رهناً بالزمن والنقاد".

وأضاف "الثورة الرائدة هي التي لا يبتذل فيها الشعراء والفنانون أنفسهم ولا فنونهم، بل يشكلون طليعة الريادة في فنونهم، وربما أثناء حدوث فعل الثورة عليهم الوعي أكثر بصعوبة عملهم وتجربتهم بحيث تظل فنونهم معافاة من السطحية والمباشرة والخطابية مع زخمها الحار والرائي والمدهش.. إن العدو الأول للفن هو السقوط في الأيديولوجيا والسياسة بمعناها التبشيري والدعاوي المباشر، إن الفن من طبيعة الرؤيا والحلم وليس من طبيعة التصوير لما يحدث، والأحداث والمعارك وتسجيل الحقائق الواقعية الملموسة هو من اختصاص الإعلام والكاميرات ونشرات الأخبار".

• لغة السلاح مقابل لغة الشعر:

وفيما إن كانت لغة السلاح تُربك مشاعر وأحاسيس الأديب أم تقوده لنمط جديد من الشعر، قال: "إنها تُربك المتعجلين والذين لا يميزون بين الصراخ وبين الإبداع والخلق الفني، في الفن لا يعول فقط على ما تقول ولكن على كيف تقول وبأي صور وفنيات تقول، وإذا لم تخلق فعلاً فنياً موازياً لفعل الثورة وروح الشعب الضالع فيها، أي ترتفع وتبتعد عن السطوح، ولا بد من الغوص في الأعماق والتحليق في الرؤى وكأنك تعاني الموت والولادة معاً، لحظة الموت ولحظة الولادة لا تتكرر مرتين، أنت أمام لحظة مفارقة لا تنتظرك ولا تترك لك زمناً لتفكر وترتب وتنمق، بل تعصف بكل ما حولها من بشر وحيوات ومكان وزمان، وعلى الشاعر أن يندغم بروح غامر ومرفوع فوق الزمان والمكان بل التوحّد بروح الأبدية لتقول ما يشبه العصف والغاشية (المدنُ طواعين.. المدنُ لا دخول ولا خروج.. ولا قدورَ نملؤها حمّصاً ونعُدُّ.. ما مضى لا يردُّ.. ما نرى لا يحدُّ.. فلا سدّةٌ أو مكانٌ لصلاة الجنازات.. لا نقول تعال.. ولاتَ نعيد.. أنت لم تدرك المهزلة.. انجُ سعدٌ.. هلك سعيد..) (من قصيدة زمهرير الغيث التي كتبها الشاعر عام 1982، أي قبل الثورة بـ 32 عاماً)، أما الآن ومع الثورة فأنا أكتب ما رأيت وليس ما أرى في البعيد لا ما رأيت في مآلات الحياة واندفاعاتها في موتها ونصوعها، في طغيان العسف، ودهور الحياة والروح..

وأضاف "لقد عصفت الثورة بكثير من أنماط الشعر والفن الجامدة والراكدة والمستهلكة لتضع الشعر والفن أمام التحدي لإبداع الفن العظيم، وذلك في مواجهة الفن الدعاوي المسيس الذي لا يتجاوز المناسبة".

وتابع "يحضر المتنبي في فن الثورة أكثر سطوعاً من مئات ما يسمى تجارب وقصائد، الشعر العظيم الذي يتجاوز ما قيل فيه ليلتحم بالحقائق الإنسانية والكونية المدهشة (يقول المتنبي:

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةٍ ** ووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم

وقفت وما في الموت شكٌّ لواقف ** كأنك في جفن الردى وهو نائم

ومحمود درويش قال في الثورة السورية ما لم يستطع قوله من يعيشون الآن أحداثها وفواجعها، وكذلك ما قاله نزار قباني (السيرة الذاتية لسياف عربي، وغيرها) وهذا ما عنيته بالشعر المتجاوز للزمان والمكان والحدث التاريخي المادي، ويحضر شعر نزار قباني وشعر محمود درويش أكثر من مئات الكتابات الآن مع أن الشعراء الذين ذكرت لم يحايثوا الثورة ولا فعلها بل سبقوها برؤاهم وعناقهم للمستقبل الذي كان فيهم يرهص بأرواحم وبنفوسهم الطيارة في الزمان وعبر الحجب".

• من قصيدة "بابا عمرو باب السماء" للشاعر

يا حمص العدية يا قلعة الساروت

يا كرم الكرامة وشجرة القوات

يا جنينة الحرية الغالية

يا عاصمة الثورة ويا شمسها

وبيوتها المعشقة ببيوت

يا صدورها مفتوحة مضافات وهلا

وكرومها وتفاحها هز الشجر والتوت

يا كلك إبا وعزم وعزيمة وعز

يا تاجك على راس الوطن ياقوت

يا طفلة العاصي الصبية الخالدة

كل المدن بتشيب وإنتي شابة

حلوة وبنت البنوت

كل النهورة بترجع عالبحر لتزول

إلا نهرك العاصي يا حمص من السما جايي

يتحدر غروب وشرق وجنوب

وحده بيروح صوب شمال ومراية

بيطلع لك جبال وتلال

بيتحدا الطبيعة والمحال

ليوصل على اعتابك

يرشرش عرجليكي عطر فردوس

ويبسمل على اسمك بآيات نور

ويشمرك على خصرك بزنار الورد

وياخذك على ضفافو أميرة للدلال