حسانين فهمي يروي أسرار لقائه بالمتربع على نوبل في بكين

حوار: مصطفى عبدالله
علينا الإعتراف بأن جسر الترجمة بين العرب والصينيين حافل بالمآسي!

من حق كل منا أن يفخر بأن مدرسة الألسن التي أسسها قبل مائة عام وأكثر رائد التنوير رفاعة رافع الطهطاوي أنجبت رسلاً نجحوا بالفعل في مد الجسور بين ثقافتنا العربية وثقافات العالم أجمع.

أقول هذا ليس على سبيل التعميم ولكني أذكره وأنا أتأمل هذا التواصل الذي يقوم به أبناء الألسن مع إبداع العالم ومنجزه الفكري والعلمي.

ظهر الخميس الماضي أعلن في ستوكهولم اسم الفائز بجائزة نوبل في الآداب.. الحدث الذي يترقبه مثقفو العالم من العام إلى العام.. وكانت الجائزة من نصيب الأديب الصيني موا يان.

ووسط العديد من علامات الاستفهام المرتبطة بقيمة هذا الكاتب ومنجزه الأدبي نكتشف أن الأكاديمي المصري الدكتور حسانين فهمي حسين، مدرس الأدب المقارن والترجمة بكلية الألسن، الذي أعد رسالة الدكتوراه باللغة الصينية بعنوان "الأدب الصين الحديث في مصر" والتي قدمت إلى جامعة اللغات ببكين أول دراسة تتطرق إلى دراسة التبادلات والصلات الأدبية وتتناول التعريف بما وصلت إليه دراسات وترجمات الأدب الصيني والثقافة الصينية في مصر، تربطه علاقة ثقافية بهذا الأديب الصيني الفائز بنوبل وأنه التقى به في بكين أكثر من مرة وانتهى من ترجمة أهم رواياته "الذرة الرفيعة الحمراء" إلى اللغة العربية، وكان من المفترض أن ترى النور من خلال المركز القومي للترجمة في مناسبة الإحتفال بيوم المترجم.

ولم تمض ساعات على إعلان اسم الفائز بنوبل حتى التقيت بهذا الشاب الذي لفت إنتباه موا يان فمنحه حق ترجمة أولى رواياته إلى العربية.

وذكر لي الدكتور حسانين تفاصيل تعرفه إلى الروائي الصيني الذي تعتبره بلاده أول أديب صيني يفوز بهذه الجائزة بعد طول إنتظار، قال:

"شرفت بلقاء الأديب الكبير موا يان مرتين. كانت الأولى بتاريخ 18 أكتوبر عام 2007 وذلك بمقر الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية خلال ندوة حول أدب الشرق الأوسط. ألقى السيد موا يان خلال الندوة كلمة حول الأدب الصيني المعاصر ومشواره الإبداعي. وخلالها طرحت عليه عدداً من التساؤلات الخاصة بالأدب الصيني وبأعماله وتقييمه لما وصل إليه الإبداع الأدبي في الصين ولماذا تأخرت نوبل عن الأدباء الصينيين، وخاصة بعد تخطيها شيخ الأدباء الراحل باجين صاحب ثلاثية (التيار). ووعدني حينئذ بلقاء خاص يجيب فيه عن تساؤلاتى وخاصة بعد أن لمس مدى إهتمامي بأعماله، وبعد أن نقلت له رغبتي في ترجمة رائعته "الذرة الرفيعة الحمراء".

أما لقاؤنا الثاني فكان في 20 نوفمبر 2007 أي بعد حوالي شهر من لقائنا الأول. وأذكر أننا التقينا على أحد المقاهى في منطقة فو تشينغ مين، وكان يحمل عبق بكين القديمة. واستمر اللقاء ما يزيد على الساعتين، وقد شملني خلالهما بالكثير من كرم الضيافة وسعة الصدر والتواضع الجم الذي يعرف به موا يان بين الكتاب الصينيين.

وقد حرص هذا الكاتب الكبير في مستهل اللقاء على إهدائي مجموعة من مؤلفاته بعد أن وقعها بكلمات رقيقة تعكس مدى وده وتواضعه وأخلاقه العالية، وبالطبع كانت بين هذه الأعمال رواية "الذرة الرفيعة الحمراء" التي بد أت أسئلتي حولها، وكان السؤال الأول متعلق بما يذكره بعض النقاد من أن هذه الرواية تتشابه مع سيرته الشخصية. فأجاب بالنفي مؤكداً أنه يعتبرها واحدة من أهم الأعمال التي كتبها خلال مشواره الإبداعي، والتي صورت مجتمع ريف مدينة قاو مي بمقاطعة شان دونغ، واعترف بأنه استخدم فيها أسلوب الواقعية السحرية متأثرًا بأديب نوبل المعروف ماركيز.

وقد أوضح لي أن هذه الرواية ترجمت إلى أكثر من 11 لغة من أهم لغات العالم ومنها: الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية، والإيطالية، والإسبانية، واليابانية، والسويدية, والنرويجية، والهولندية، والكورية، والعبرية أيضاً، وقد أعرب لي عن سعادته البالغة لصدور ترجمتها إلى اللغة العربية.

وهنا ولد سؤالي الثاني وكان حول تأخر وصول أعمال موا يان إلى القارئ العربي. فأجاب بأن الصين بلا شك ترتبط بعلاقات وطيدة مع العالم العربي ومع مصر بوجه خاص، فكلاهما من مصر والصين دولة ذات حضارة عريقة وتاريخ طويل، لكن حاجز اللغة هو الذي يحول دون وصول الأعمال الأدبية الصينية إلى القارئ العربي، وذلك لقلة عدد المتخصصين في مجال الترجمة بين لغتينا، فضلاً عن ضعف حركة التبادل الأدبي بين الصين والبلدان العربية، وتراجع الإهتمام بهذا المجال المهم.

وعندما سألته عن مدى معرفته بالأدب العربي والمصري بخاصة، جاء رده السريع بالثناء على نجيب محفوظ باعتباره أول عربي تتوجه إليه جائزة نوبل، وذكر لي أنه قرأ الترجمة الصينية لثلاثية محفوظ وأعجبته كثيراً، وهنا أشار إلى أوجه القصور الذي يتسلل إلى الأعمال الإبداعية عند ترجمتها إلى الصينية نتيجة لقلة دراية من يترجم باللغة العربية وبلاغتها ومستويات الدلالة فيها، وإن لم يمنعه هذا من أن يتمنى قراءة ترجمات أخرى من الأدب العرب باللغة الصينية. وبالمثل يتمنى أن يضطلع المترجمون المصريون المتخصصون في اللغة الصينية بدور مماثل في التعريف بالأدب الصيني في مصر والمنطقة العربية، وقد شكر الجهد الذي نقوم به لمد جسر بين الأدبين الصيني والعربي، وذكر أنه يكن كل الإحترام للشعب العربي وللثقافة العربية والإسلامية، مشيراً إلى أنه قد جمعته الكثير من اللقاءات ببعض المسلمين الصينيين ومن خلالهم تعرف على الكثير من عادات المسلمين.

وفي ختام اللقاء أعرب في تواضع جم عن سعادته بالتعرف إلى مثقف مصري مهتم بالأدب الصيني. وقبل أن ننصرف قدم لي موافقة خطية أعتز بها كثيراً على أن أقوم بترجمة روايته ونشرها في مصر وغيرها من الدول العربية. وأعرب عن تمنياته بأن تستمر الصداقة فيما بيننا وأن تجمعنا لقاءات مستقبلية.

## لكن ما سر اختيارك لروايته "الذرة الرفيعة الحمراء" على وجه الخصوص لنقلها إلى القارئ العربي؟

= باعتبارى أستاذاً للغة الصينية وآدابها فقد جذبني أسلوب موا يان وأعماله الثرية التي تمزج بين الواقع والخيال، وأسلوب السرد المشوق الذي يستخدمه، وتأثره الواضح بتيار الواقعية السحرية وبأدب أميركا اللاتينية، ولفتني في أعماله تصويرها بدقة واضحة للكثير مما يتعلق بريف منطقة شمال شرقي الصين وعاداتها وتقاليدها وتاريخها.

ومن هنا جاء إختياري لهذه الرواية التي صدرت طبعتها الأولى في عام 1987 عن دار نشر الفنون والآداب التابعة لجيش التحرير الصيني، وهي تعد واحدة من أهم الروايات الصينية الحديثة التي تؤرخ لحرب المقاومة الصينية ضد المعتدي الياباني خلال الفترة من 1937 حتى 1945. وقد اعتبرها نقاد الأدب الصيني واحدة من الروايات المهمة التي كان لها تأثير كبير في تطور رواية الحرب في الصين، غير أنها تختلف عن غيرها من الروايات الصينية المعروفة التي اهتمت بكتابة تاريخ الثورات والحروب الصينية، فهي تقدم تاريخ حرب المقاومة ضد اليابان من خلال قصص مثيرة.

ويتميز الكاتب موا يان بين أبناء جيله من الكتاب المعاصرين بأنه نجح في أن يقدم للقراء الصينيين ولقراء العالم صورة دقيقة عن الريف الصيني وعن حياة الفلاحين الصينيين بعاداتهم وتقاليدهم وأسباب تخلفهم وخبراتهم الحياتية الثرية ومعاناتهم في ظل ظروف الإستعمار الأجنبي، وتحت وطأة القهر السياسي وتدني القيم الأخلاقية وانتشار الظواهر السلبية التي عمَّت مجتمع الصين الحديث مثل: الرشوة، والفساد الإداري، وضياع حقوق الإنسان البسيط.

وتعد أعماله لوحة فنية صادقة لحياة فئة أصيلة من فئات الشعب الصيني الكبير. وهي تجمع ما بين الأصالة الصينية والتعبير عن حياة مجتمع الفلاحين في مسقط رأسه قرية دونغ بيي بمدينة قاو مي مقاطعة شان دونغ بشمال شرقي الصين وعاداتهم ومعاناتهم اليومية، وبين التعبير عن القهر السياسي الذي يتعرض له الإنسان البسيط المهمش في مجتمع الصين الحديث في ظل مظاهر اجتياح هذه الحضارة الحديثة التي أجبرت الإنسان البسيط على التخلي عن الكثير من قيمه التي كانت جزءًا أساسيًا من تكونيه الأصيل.

وموا يان اسمه الكامل قوان مو يي، ولد في عام 1955 لعائلة صينية أصيلة تمتهن الزراعة. وفي عام 1976 التحق للعمل بجيش التحرير الصيني الشعبي. وفي عام 1981 بدأ نشر أعماله الأدبية، وكان أول عمل له قصة قصيرة بعنوان "أمطار ليلة ربيعية"، وذلك بعد أن أحرق بنفسه أكثر من عمل منها: قصة "حكاية أم"، ومسرحية "الطلاق"، وبعد ذلك توالت أعماله الأدبية بين قصة قصيرة, ونوفيللا، ورواية، ونصوص سينمائية. فقد نُشر له عدد من القصص القصيرة التي حازت إعجاب الأوساط الأدبية الصينية آنذاك، ومنها قصة "الموسيقي الشعبية" (1983) التي نالت فور نشرها إعجاب الكاتب الصيني الكبير الراحل سون لي، الذي يعتبر واحداً من أهم أربعة كتاب صينيين اهتموا اهتماماً كبيراً بالكتابة عن الريف الصيني.

وبعد ذلك نشر موا يان القصة الطويلة "الفجلة الشفافة" (1984) التي جعلت اسمه يتردد داخل الأوساط الأدبية الصينية، ثم توالت أعماله إلى أن وصلت إلى أكثر من 50 عملاً ما بين مجموعة قصصية ورواية ونثر. أشهرها على الإطلاق روايات "الذرة الرفيعة الحمراء"، و"الطفل ذو الشعر الأصفر"، و"النهود الكبيرة"، و"أنشودة الثوم"، و"أرجوحة الكلب الأبيض" وغيرها من الأعمال.

وقد حازت روايته الشهيرة "الذرة الرفيعة الحمراء" فور صدورها جائزة الرواية الممتازة على مستوى الصين، ثم نالت بعد ذلك على الكثير من الجوائز المحلية والعالمية. كما رشحت روايته "جريمة خشب الصندل" للحصول على جائزة ماودون أرفع جائزة أدبية صينية.

## إذاً لهذه الرواية فضل في شهرة موا يان؟

= نعم، فرواية "الذرة الرفيعة الحمراء" تعتبر العمل الذي دخل به موا يان إلى عالم الشهرة، فلمع اسمه لا في الأوساط الصينية فحسب بل العالمية أيضًا. وقد تحولت الرواية فيما بعد إلى فيلم سينمائي للمخرج الصيني الشهير جانغ اى موو (صاحب فيلم البطل وغيره من الروائع السينمائية الصينية), وحصل الفيلم على جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين السينمائي الثامن والثلاثين. كما تحولت أعمال أخرى له إلى أفلام ومسلسلات تليفزيونية حصدت جوائز عالمية منها مجموعته القصصية الشهيرة (يا أسطى.. إنك ستفعل أي شيء في سبيل الضحك) التي تحولت إلى فيلم بعنوان (زمن السعادة) لنفس المخرج جانغ اى موو، و"أرجوحة الكلب الابيض" التي أصبحت فيلماً بعنوان (الدفء) من إخراج خوا جيان تشى، كما فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان طوكيو السينمائي الدولي لعام 2003.

وكان لأعمال موا يان وروايته الشهيرة "الذرة الرفيعة الحمراء" على وجه الخصوص صدى واسع في مختلف أنحاء العالم وترجمت إلى العديد من اللغات.

وتعتبر ترجمتي لرائعته "الذرة الرفيعة الحمراء" أول ترجمة عربية لأعماله. وقد كانت الفرنسية على رأس اللغات الأجنبية التي ترجمت إليها أعماله، فقد ترجم له أحد عشر عملاً إلى اللغة الفرنسية، وحيث تتربع أعماله على عرش الأعمال الأدبية الصينية الحديثة التي ترجمت إلى الفرنسية. وحصل موا يان في عام 2004 على وسام فارس في الفنون والآداب من فرنسا، وكذا نال دو ته لي أستاذ اللغة الصينية بجامعة بولون الفرنسية عام 2001 على جائزة (لوراى باتيليين) لأفضل عمل أجنبي مترجم إلى الفرنسية عن ترجمتة لرواية موا يان "مملكة النبيذ". وفي عام 2005 حصل موا يان على جائزة (نونينيو) الأدبية الإيطالية الدولية عن روايتة "الذرة الرفيعة الحمراء". كما حصل صاحب نوبل عل جائزة (فو قانغ يا) اليابانية للثقافة الآسيوية عام 2006، التي تمنح للأعمال التي تدعو إلى المحافظة على التراث والثقافة الآسيوية وقيمتها 500 مليون ين ياباني، والتي منحت حتى الآن لثماني شخصيات صينية.

يعد موا يان الكاتب الصيني الثاني بعد باجين صاحب رواية "العائلة " الذي حصل على هذه الجائزة الكبرى. وفي سبتمبر من العام الماضي 2011 نال جائزة" ماو دون الأدبية" التي تعتبر "نوبل الأدب الصيني"، وذلك عن روايته المهمة "الضفدع" الصادرة في ديسمبر عام 2009 عن دار الفنون والآداب للنشر بشنغهاى.

وتمت مقارنة أعمال موا يان الأدبية بأعمال كتاب عالميين كبار من أمثال جارثيا ماركيز وروايته "مائة عام من العزلة" ورواية "النهود الكبيرة" لموا يان، التي صور فيها بدقة المشاهد الوحشية وجرائم العدوان الياباني على الشعب الصيني وفرق الفدائيين الصينيين خلال حرب المقاومة ضد اليابان (1937-1945).

وموا يان تميز بين كتاب جيله الذين يمثلون أدب الفترة الجديدة في الصين (منذ عام 1978 حتى الآن), وقد ولد روائيًا، وفي أعماله وصف ساحر لمسقط رأسه مدينة قاو مي. ومنذ صغره عاش في معاناة: الجوع، والوحدة، والحرب التي اكتوى بويلاتها أهل مقاطعته، وهذا ما شكل لديه الشعور بالمسئولية تجاه شعب مدينته، ومنحه القدرة للتعبير عنهم في معظم أعماله التي دائما ما نلمس فيها آلام الجوع والمعاناة.

## وما هي ميزات أسلوبه الأدبي؟

الجمع بين التأثر بالنظريات الأدبية الغربية، وبخاصة الواقعية السحرية، والثراء الإبداعي الذي ينبع من استيعاب الثقافة المحلية وبخاصة ثقافة فلاحي شمال شرقى الصين وعاداتهم وتقاليدهم، واللغة الريفية الواضحة بجلاء التي تشعر عند قراءتها وكأنك تستمع إلى صوت فلاح أصيل، كما أن كثيراً من أعماله تحمل أسماء محاصيل زراعية، وحيوانات، وأشياء أخرى مرتبطة بالبيئة الريفية مثل: "الفجلة الشفافة" (1986)،" الذرة الحمراء" (1987)، "القطن الأبيض" (1991)، "العائلة العشبية" (1993)، "أنشودة الثوم" (1993)، "الغابة الحمراء" (1999). وغيرها من الأعمال التي جمعت بين استلهام التاريخ والأسطورة، ومعالجة الواقع المعاصر، والعادات الشعبية لأهله.

غلاف رواية الذرة الرفيعة الحمراء

وهذا ما جعل أعماله تتميز عن إبداعات غيره من الكتاب الصينيين الذين كتبوا عن نفس الأجواء.

فالريف الذي يصوره قلمه يعتبر ريفاً صينياً خاصاً به دون غيره من الكتاب، حتى أولئك الذين ينتمون إلى نفس المقاطعة التي ينحدر منها، الكاتب المعاصر جانغ وى، فالريف الذي يصوره موا يان ريف عريق يضرب بجذوره في عمق التاريخ، ملئ بشتى أشكال المعاناة.

## في تقديرك.. ما تأثير جائزة نوبل على إبداع موا يان، وعلى انتشار الأدب الصيني الذي اعترف الصينيون أنفسهم في آخر مؤتمر دولي عقدوه بأنه ظلم بسبب تراجع ترجمته؟

= لا شك في أن هذه الجائزة الرفيعة سيكون لها تأثير إيجابي على المسيرة الإبداعية لهذا الكاتب الكبير، خاصة وأنه ذكر فور تلقيه نبأ الفوز "لقد أسعدني كثيرًا فوزي بجائزة نوبل التي لن تكون سببًا في تعطيل مسيرتي الإبداعية، فأنا أعتقد أن هناك العديد من الكتاب الصينيين المتميزين الذين لديهم الكثير من الأعمال الجديرة بأن تصل إلى القراء في مختلف أنحاء العالم."

كما ذكر الناشر والناقد الصيني المعروف يه كاى أن "فوز موا يان بجائزة نوبل يأتي بمثابة إعتراف عالمي بقيمة الأدب الصيني الحديث، لا سيما وأنه يعتبر أول كاتب صيني يحصل على هذه الجائزة الرفيعة في مجال الأدب".

كما ذكر الكاتب الصيني الشاب جيانغ فانغ جوو أن حصول موا يان على هذه الجائزة الرفيعة يعتبر خير تشجيع لشباب الكتاب الصينيين وأن هذه الجائزة ستفتح نافذة جديدة للأدب الصيني خارج حدود الصين".

ويذكر أن الأوساط الأدبية الصينية تؤكد على أن موا يان هو أول أديب صيني يحصل على جائزة نوبل للآداب، إذ أنهم لا يعتبرون فوز الكاتب الفرنسي من أصل صيني قاو شينغ جيان بنوبل في الآداب عام 2000 فوزًا للكتاب الصينيين، حيث أن موا يان هو الكاتب الصيني الذي يكتب أعماله باللغة الصينية ويقدم من خلالها صورة حية للمجتمع الصينى الحديث.

## علاقتك بالثقافة الصينية.. كيف بدأت؟

= دفعني حبي للغات الأجنبية، ورغبتي في التواصل مع الثقافات الأخرى، وبخاصة تلك التي تربطنا بها صلات مشتركة، إلى الإلتحاق بقسم اللغة الصينية بكلية الألسن بجامعة عين شمس، كان ذلك في عام 1996. وحصلت على الليسانس عام 2000 بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، وكان ترتيبي الأول على دفعتي، ليتم تعييني معيدًا. وهكذا بدأت علاقتي تتوطد، يومًا بعد يوم، بالثقافة الصينية.

وسافرت في عام 2002 في منحة لمدة عشرة أشهر لجمع مادة الماجستير لأحصل على الدرجة عام 2005 بموضوع حول أدب الطفل الصيني، ثم كانت نقطة التحول الكبرى في علاقتي مع الصين بسفري في عام 2005 في منحة للحصول على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن والعالمي في جامعة اللغات ببكين، لأحصل على درجة الدكتوراه في عام 2008 عن موضوع "الأدب الصيني الحديث في مصر"، الذي تطرقت فيه إلى دراسة الصلات والتبادلات فيما بين الأدبين المصري والصيني، والكيفية التي تم بها تلقى الأدب الصيني ودراساته وترجماته في بلادنا. وقد كانت هذه الفترة فرصة عظيمة إستطعت خلالها أن أعيش في قلب المجتمع الصيني وأتعرف على معدن الشعب الصيني عن قرب، وأطالع الأعمال الأدبية الصينية وأسعد بلقاء الكتاب والنقاد الصينيين الذين ضربوا لي مثلا في التواضع وحب العمل، مع الإعتزاز الشديد بثقافتهم ولغتهم. وبدأت أدرك يومًا بعد يوم ضعف حركة التبادل الثقافي فيما بيننا وبين الصين، ولكم تمنيت أن أكون واحدًا من الذين يكرسون جهدهم لتعميق أواصر التبادل بين ثقافتينا.

حتى كانت رحلة ترجمتي الأعمال الأدبية الصينية إلى العربية، التي لاحظت مدى الحاجة إليها في مصر والوطن العربي وبخاصة في ظل ندرة المترجمين الأكفاء في هذا المجال.

## وبالمقابل.. كيف ترى الصورة هناك؟

= يفتقر مجال ترجمة الأدب العربي في الصين إلى المنهجية بشكل واضح بدءًا من اختيار الأعمال الأدبية، فعلى الرغم من الجهد الضخم الذي بذله عدد كبير من المستعربين الصينيين في ترجمة الأدب العربي إلى الصينية، إلا أن عدداً كبيراً من الأعمال التي ترجمت لا يمكن أن تعكس صورة دقيقة للإبداع الأدبي العربي المعاصر. نستثني من ذلك ترجمة أعمال نجيب محفوظ وعدد قليل من الكتاب المصريين. وهنا ينبغي أن نثمن الإسهام الكبير للأستاذ صاعد (جونغ جي كون) الذي كان له دور كبير في دراسات الأدب العربي في الصين.

ونرى أنه آن الأوان لكي يسلط الضوء على مجال التبادلات الثقافية والترجمة بين الأدبين العربي والصيني، وأن نلجأ إلى معيار شفاف يحكم اختيار المترجمين الصينيين للأعمال الأدبية التي تنقل إلى اللغة الصينية.

## وما تقييمك لوضع التبادل الثقافي بين مصر والصين؟

= لاشك أن تاريخ التبادل الثقافية والأدبية بين مصر والصين يبين تفاعل الثقافة المصرية بشدة مع الأدب والثقافة الصينية، حيث تواصلت الثقافة المصرية في العصر الحديث مع الأدب والثقافة الصينية منذ منتصف القرن العشرين، وبالتحديد منذ عام 1956 وهو تاريخ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

غير أن هذا التفاعل أو التواصل لم يحظ حتى الآن بما يستحق من إهتمام النقاد والباحثين، فالدراسات التي تدور حول تلقي الأدب الصيني والثقافة الصينية عربيًا ومصريًا نادرة إلى حد كبير، كما نلاحظ أيضاً انعدام الدراسات النقدية للأعمال الأدبية الصينية المترجمة وعلى رأسها أعمال رموز الأدب الصيني الحديث من أمثال: لوشيون وباجين ولاوشه الذين صدرت لأعمالهم ترجمات عربية في مصر عن لغة وسيطة، وعن الصينية مباشرة.

ويمكن أن نرد ذلك إلى الحواجز اللغوية والثقافية الكبيرة القائمة بين الصين والعالم العربى بما فيه مصر.

ولاشك في أن تلقي الآداب الأجنبية عموماً، والأدب الصيني خصوصاً، يعد عامل تطوير وازدهار للأدب المصري، ففي ذلك الإنفتاح على الأدب الصيني الغني بحكمة الصين وفلسفتها القديمة، وكذا ما وصلت إليه الصين الحديثة من تقدم كبير في مختلف مجالات الحياة، ويعد استقبال الأدب الصيني مصدراً مهماً من المصادر التي من شأنها أن تكون مصدر تجديد وتطوير للأدب المصري على مستوى المضمون وعلى المستوى الجمالي أيضاً.

ومن خلال رصدنا لتاريخ التبادلات الأدبية والثقافية بين مصر والصين، وتأمل الكيفية التي يتم بها تلقي الأدب الصيني في مصر، توصلنا إلى أن لتلقي الأدب الصيني في مصر والوطن العربي خصوصية تتمثل في تأخره، زمنيا،ً عن آداب أجنبية أخرى على رأسها الآداب الغربية بما فيها الأدب الفرنسي والإنجليزي والروسي والألماني والإيطالي والإسباني، وعن أدب أميركا اللاتينية، بل عن آداب شرقية أخرى.

وقد بدأ تلقي الأدب الصيني في مصر من خلال الترجمة منذ النصف الثاني من القرن العشرين بتعريب أعمال أدبية صينية عن لغات وسيطة مثل: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، وليس عن اللغة الأصلية لهذه الأعمال.

حيث تم في ذلك الوقت تعريب مجموعة من الأعمال الأدبية لكتاب صينيين كبار على رأسهم لوشيون (1881-1936)، رائد الأدب الصيني الحديث.

كما تم تعريب بعض من ركائز الفلسفة الصينية وعلى رأسها كتاب (الطاو) للفيلسوف الصيني الشهير لاو تسه الذي قام بتعريبه عن اللغة الألمانية المترجم الدكتور عبدالغفار مكاوي وصدر عن مؤسسة (سجل العرب) ضمن سلسلة الألف كتاب في عام 1966.

وكانت الخلفية الإجتماعية والسياسية للأعمال الأدبية الصينية التي تم تعريبها في مصر في خمسينيات القرن العشرين، تتناسب مع الظروف التي كان يعيشها الشعب المصري والعربي عامة.

فقد كان انتصار الثورة الصينية، وتأسيس الصين الجديدة عام 1949 بمثابة بصيص من النور والأمل للشعب المصري والشعوب العربية التي كانت تتوق إلى التحرر والإستقلال. حيث كان للتشابه في الظروف الإجتماعية والتاريخية والسياسية بين الشعبين الصيني والمصري دوره الكبير في سهولة تلقي القارئ المصري للأعمال الأدبية الصينية. فقد رأى الشعب المصري معاناته من خلال إطلاعه على معاناة الشعب الصيني الصديق، ورأى النور والأمل من خلال نجاح الثورة الصينية بقيادة الزعيم ماو تسى تونج وتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

ولقد تعدى إستقبال الأدب الصيني في مصر في خمسينيات القرن العشرين مرحلة تلقي القارئ المصري للعمل الصيني إلى تأثر بعض الكتاب المصريين بما تم تعريبه من أعمال صينية، وانعكس ذلك في بعض إبداعاتهم الأدبية، مثل المترجم الدكتور عبدالغفار مكاوي الذي تأثرت إبداعاته الأدبية سواء القصصية منها أم المسرحية بما ترجمه أو قرأه عن الأدب والفلسفة الصينية. حيث أشار إلى تأثر بعض أعماله القصصية بأسلوب رائد الأدب الصيني الحديث لوشيون وخاصة قصص لوشيون الشهيرة "مذكرات مجنون"، "قصة آه كيو الحقيقية" و"الدواء"، كما أشار إلى تأثر إبداعاته المسرحية بالفلسفة الصينية وبفكر لاو تسه مؤسس الطاوية، مثل مسرحيات مكاوي "القيصر الأصفر" و"الحكيم يملي دموعه المؤجلة".

وقد طرأ على إستقبال الأدب والثقافة الصينية في مصر وتلقيهما بعض التحسن منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وذلك في أعقاب تخرج عدد لا بأس به من دارسي اللغة الصينية وآدابها في كلية الألسن بجامعة عين شمس، حيث أدى ذلك إلى تزايد نسبة الترجمات التي تنجز عن اللغة الصينية مباشرة، وتزايد الدراسات النقدية عن الأدب الصيني، فقد صدر عن وزارة الثقافة في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة ما يزيد على عشرين عملاً مترجماً لأعمال أدبية وفلسفية صينية عن اللغة الصينية مباشرة، شملت: الفلسفة، والرواية، والمسرح، والقصة، والشعر، ومنها ترجمة عيون التراث الصيني "محاورات كونفشيوس"، كتاب "الطاو"، كتاب "فن الحرب" وغيرها من كتب التراث الصيني. ولكن يبقى هذا التحسن محدود النطاق، ولا يزال قسم كبير من الأعمال الأدبية الصينية يرد إلينا مترجماً عن لغات أوروبية وسيطة.

ومن خلال إستعراضنا لكيفية استقبال الأدب والثقافة الصينية في مصر يمكن أن نتوصل إلى الإستنتاجات التالية:

1- تأخر هذا الإستقبال عن عمليات تلقي الآداب الأوروبية بما فيها الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والروسية، وآداب أجنبية أخرى، وذلك بتأثير الحواجز الثقافية واللغوية.

2- أنه قد مثل إستقبال الأدب الصيني في مصر طوال العقود التسعة الأولى من القرن العشرين امتداداً لاستقبال ذلك الأدب في الغرب، وبخاصة في فرنسا، وإنجلترا ودول غربية أخرى، ولم يكن استقبالاً مباشراً إلى حد بعيد، وقد تجسدت هذه الحقيقة في أن معظم الترجمات التي صدرت لم تكن عن الصينية مباشرة بل كانت عن اللغات الفرنسية، أو الإنجليزية، أو الألمانية. فتلقي الأدب الصيني في مصر لم يكن بالتلقي الأصيل المستقل، الذي ينطلق من حاجات المجتمع المصري واهتماماته الثقافية، بل هو تلقٍ تابع، بمعنى أنه لا يُستقبَل في مصر من الآثار الأدبية الصينية إلا ما سبق أن اُستقبل في فرنسا أو بريطانيا أو أميركا.

ومن البديهي أنّ تلقى الأدب الصيني في تلك الأقطار يخضع لظروفها واهتماماتها وحاجاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تختلف إلى حد كبير عن ظروف وحاجات المجتمع المصري. ولا شك أن نقل الأعمال الأدبية الصينية عن لغات وسيطة أدى إلى مضاعفة ابتعاد تلك الترجمات وانحرافها نصاً ودلالة وأسلوباً عن النصوص الأصلية.

كان هذا الإستقبال فوضوياً وعشوائياً ومفتقراً إلى أية منهجية أو ترابط أو إستمرارية، وذلك نتيجة لغياب علم اللغة الصينية وآدابها في مصر والأقطار العربية، ولقلة المترجمين الذين ينقلون عن اللغة الصينية مباشرة.

3- انعدام الإستقبال النقدي للأدب والثقافة الصينية في مصر، حيث نلاحظ ندرة الدراسات النقدية الت تتناول الأعمال الأدبية الصينية المترجمة إلى اللغة العربية، وعلى رأسها أعمال رموز الأدب الصيني الحديث الذين صدرت لأعمالهم ترجمات عربية في مصر مثل: لوشويون، وباجين، ولاوشه، وقوو مو روا، و وانغ مينغ، وغيرهم من الكتاب بالمقارنة مع ما نالته هذه الأعمال من استقبال نقدي لترجماتها الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والروسية، والعبرية. نستثني من ذلك تلك المقدمات التي يكتبها المترجمون للأعمال الصينية في صدر كتبهم، والتي تسهم في التعريف بالكاتب والإحاطة بأهمية العمل المترجم، بالإضافة إلى بعض المقالات المتناثرة التي تتناول نقد وتقييم أعمال أدبية صينية. كما نستثني من ذلك أيضاً تلك الدراسات والبحوث التي يكتبها بالصينية أساتذة وباحثون في أقسام اللغة الصينية في الجامعات المصرية، والتي تضم أطروحات ماجستير ودكتوراه وأبحاث أخرى تتناول الأدب الصيني أو دراسات مقارنة بين الأدبين المصر والصيني.

4- وقد تطور الأمر منذ مطلع القرن الجديد وثراء الترجمات المختلفة للأدب والثقافة الصينية التي يصدر معظمها عن الصينية مباشرة، وبداية ظهور أصوات نقدية تقوم بتقييم أعمال أدبية صينية.

وأخيرا لا شك أن تراجع إستقبال الأدب الصيني والثقافة الصينية في مصر حرم المتلقي المصري من:

1- مصدر هام للمتعة الجمالية والفكرية التي يمكن أن تتاح له في حالة ترجمة قدر واف من الأعمال الأدبية الصينية إلي اللغة العربية.

2- مصدر مهم للمعلومات حول المجتمع الصيني وقضاياه، وحول الثقافة الصينية الغنية بالتراث الكونفوشي الثري، مما فوت على الرأي العام المصري فرصة تكوين صورة واقعية دقيقة عن الصين والشعب الصيني الصديق. وحرمت هذه الأوضاع القارئ المصري من التعرف إلى الشعب الصيني من خلال أدبه، ومن الإستمتاع جمالياً وفكرياً بأروع ما في تراث هذا الأدب.

3- وأخيراً فوت تقصير حركة الترجمة على الأدباء المصريين فرصة التفاعل الإبداعي المنتج مع الأدب الصيني والإستفادة مما قد ينطوى عليه من تقدم فني وجمالي ومضمون ثري.

## وكيف ترى مستقبل تلقي الثقافة الصينية في بلادنا؟

= ينبغي أن يتم تلقي هذه الثقافة من خلال: إعادة ترجمة أعمال الأدباء الصينين الكبار وبخاصة أعمال رواد الأدب الصيني الحديث الستة: لوشيون، باجين، ماو دون، لاوشه، قوو مو روو، تساو يو عن الصينية مباشرة، وكذا جمع الأعمال الرئيسة لكل أديب في طبعة موحدة حتى يتسنى للقارئ المصري سهولة التعرف على الأدب الصيني الحديث ورواده البارزين.

ثم العمل على إصدار كتابات نقدية باللغة العربية تتناول الأعمال الأدبية الصينية المترجمة، إلى جانب السعي إلى ترجمة بعض إنتاج المختصين في دراسة الأدب الصيني بأقسام اللغة الصينية في مصر إلى اللغة العربية حتى يصل هذا الإنتاج إلى المثقفين المصريين والقارئ العادي. ولا شك أن ذلك يحتاج إلى مزيد من الدعم من الجهات المختصة بنشر الأعمال المترجمة وعلى رأسها المركز القومي للترجمة، الذي كان له دور كبير في دعم حركة الترجمة في مصر بما في ذلك الترجمات العلمية والأدبية وغيرهما.

## في الختام هل تصف لنا المشهد الخاص باللغة والثقافة والأدب الصيني في مصر؟

= هناك خمسة أقسام للغة الصينية في مختلف الجامعات المصرية، على رأسها قسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس، الذي يذخر بنخبة من الأساتذة المصريين المتخصصين في اللغة الصينية، ويبلغ عدد الطلاب به حوالي ألف طالب وطالبة يدرسون اللغة الصينية وآدابها وثقافتها والترجمة من اللغة الصينية، وإليها.

ولهذا القسم الدور الأكبر في تخريج نخبة من المترجمين الذين حملوا على عاتقهم مسئولية دعم حركة التبادلات الثقافة بين مصر والصين. إذ صدرت مجموعة من الأعمال المترجمة عن الصينية مباشرة لعدد من المترجمين المصريين، مثل ترجمات الدكاترة: عبدالعزيز حمدي، خريج قسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس، وهو أستاذ اللغة الصينية بجامعة الأزهر، ويعتبر أول من قدم ترجمات عن الأدب الصيني، ومحسن فرجاني، الذي حمل على عاتقه مسئولية نقل كنوز الثقافة والفلسفة الصينية إلى اللغة العربية، ووحيد السعيد، ومجدي مصطفى، وهشام المالكي، وأميمة غانم.