حسابات النهضة تطغى على مصلحة تونس في العلاقة مع مصر

التنظيم الاخواني أهم!

تشهد تونس جدلا سياسيا بين ترحيب نداء تونس ورفض حركة النهضة الإسلامية للزيارة المرتقبة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للبلاد خلال الفترة القادمة بدعوة من الرئيس الباجي قائد السبسي.

وشدد سياسيون على أن الرئيس المصري "ضيف يجب أن يرحب به الشعب التونسي" من أجل تمتين العلاقات بين البلدين، مشيرين الى أن موقف النهضة يعد مؤشرا على أنها فاضلت حساباتها السياسية على حساب مصالح تونس.

وتأتي الزيارة المرتقبة للرئيس السيسي في أعقاب زيارة أداها قائد السبسي للقاهرة خلال الأيام القليلة الماضية وقادت إلى "إنعاش" العلاقات بين البلدين بعد سنوات من الفتور نتيجة تدخل حكومة الترويكا في الشأن الداخلي المصري ووقوفها إلى جانب الإخوان ووصفها لنظام السيسي بأنه "نظام إنقلابي" الأمر الذي اغضب مصر واعتبرته تدخلا سافرا في شأنها الداخلي ومساسا بسيادة قرارها السياسي.

وترفض حركة النهضة زيارة عبد الفتاح السياسي على خلفية تنحية إخوان مصر من الحكم وهي تعتبر نظامه "نظاما انقلابيا" على الرغم من أنه جاء بناء على مظاهرات قادتها قوى سياسية مصرية مطالبة بإنهاء حكم الإخوان بعد هيمنتهم على مؤسسات الدولة في مسعى لاحتكار الحياة السياسية واستبعاد الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين من المشاركة في إدارة الشأن العام بالبلاد.

كما حاول إخوان مصر تحدي المؤسسة العسكرية وتهميشها على الرغم من أنها تعد فاعلا إستراتيجيا في صناعة السياسات المصرية الداخلية والخارجية مذ عقود كما تعد جزءا من الخارطة السياسية المصرية الذي لا يمكن الاستغناء عنه بفعل ثقلها ونفوذها في صناعة القرار ليس العسكري فقط بل أيضا القرار السياسي.

وكان راشد الغنوشي اعلن الأسبوع الماضي في موقف واضح أن السيسي "غير مرحب به في تونس".

وأضاف الغنوشي في تصريح لقناة فرانس 24 يقول "لن أكون في استقبال عبد الفتاح السيسي" مشيرا يقول "أنا لن أستقبل ولا أودع إلا من أرتضيه"معتبرا الرئيس المصري "دكتاتورا أخذ السلطة بانقلاب".

وشدد سياسيون على ان رفض النهضة لزيارة رئيس مصر التي تمتلك من النفوذ والثقل ما يجعلها لاعبا إستراتيجيا في صناعة القرار السياسي في المنطقة العربية التي تتحسس طريقها نحو الاستقرار، يعد مؤشرا على أن النهضة باتت تفاضل حساباتها التنظيمية على مصلحة البلاد.

وبالمقابل تراهن القوى السياسية العلمانية والمدنية على زيارة السيسي المرتقبة في تبديد الفتور الذي ساد العلاقات بين تونس ومصر نتيجة السياسات التي كانت انتهجتها حكومة الترويكا بقيادة النهضة والتي وقفت إلى جانب إخوان مصر ورفضت شرعية نظام السيسي.

ويسعى قائد السبسي إلى الرفع من مستوى متانة العلاقة مع مصر بالنظر الى دورها الإستراتيجي في صناعة الخيارات السياسية والأمنية على المستوى العربي والإقليمي.

وكان قائد السبسي اعلن في أعقاب زيارته لمصر خلال الأسبوع الماضي انه دعا السيسي لزيارة تونس معتبرا أن "السيسي يزور تونس دون دعوات".

وترفض النهضة التقارب بين تونس ومصر معتبرة أن ذلك يعد "تطبيعا" مع حكومة تصفها بـ"النظام الإنقلابي"، على الرغم من إقرار الغنوشي بأن تنحية إخوان مصر من الحكم جاء نتيجة أخطاء ارتكبوها من أهمها محاولة الهيمنة على الشأن العام المصري ومحاولة تحدي المؤسسة العسكرية التي تعد مفصلا من مفاصل الحياة السياسية.

وقالت بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للاستراتيجيات الأمنية والعسكريّة إن من يعرض زياة السيسي لتونس هم بنوا مواقفهم على "مرجعيتهم الغنوشي وقيادات أخرى في النهضة وممن يسموا أنفسهم ثورجيين".

وشددت على أن السيسي هو "ضيف يجب أن نرحب به في تونس"، مشيرة الى ان النهضة وقياداتها لا يمكن أن تمثل الشعب التونسي.

وأكدت بدرة قعلول على ان "التونسيين يرحبون ويريدون تصحيح المسار مع اكبر دولة عربية بتاريخها وشعبها وعراقتها ووزنها في المنطقة العربية".

وعلى خلاف موقف النهضة، ترحب أغلب القوى السياسية والمدنية بزيارة السيسي وتراهن عليها لدفع العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين بما يساعد تونس والقاهرة على التموقع ضمن الخارطة الجيوسياسية التي بدأت تتشكل خلال الأشهر الأخيرة بعيدا عن الارتهان لأي محور فيه أجندات سياسية لا تخدم مصلحة المنطقة العربية.

ويتوقع مراقبون أن يقود التقارب التونسي المصري إلى توتير علاقة نداء تونس بالنهضة التي تشارك في حكومة الحبيب الصيد بقيادة النداء صاحب الأغلبية البرلمانية، مشيرين الى أن زيارة عبد الفتاح السيسي المرتقبة إلى تونس قد تعمق الخلافات بين النداء والحركة الإسلامية التي ترى في تلك الزيارة تحديا لموقفها من النظام المصري.

ويبدو أن التقارب التونسي المصري مؤشر سياسي يتجاوز العلاقات بين البلدين باعتباره يعكس توجها جديدا لقائد السبسي الذي يمتلك الصلاحيات الدستورية بشأن رسم ملامح السياسية الخارجية باتجاه إنعاش الدبلوماسية التي تواجه العديد من الصعوبات مع أكثر من بلد عربي، بما من شانه أن يصلح فتور علاقات تونس مع عدد من البلدان خلال هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس وهي مرحلة تحتاج إلى إسناد دبلوماسي وسياسي واقتصادي وأمني من أجل إنقاذها من أزمتها.

ويشدد المراقبون على أن حركة النهضة باتت تتوجس خيفة من الجهود التي يقودها قائد السبسي من أجل استعادة تونس لعلاقاتها مع شركاء عرب وأجانب ترى فيهم النهضة أعداء للحركات الإسلامية بصفة عامة وأعداء لها بصفة خاصة، لافتين الى أن تلك الجهود ستقود إلى تمزيق ارتهان علاقات النهضة لسياسات المحاور كما ستقود إلى انفتاح تونس على محيطها الجيوسياسي خدمة لمصالحها وبعيدا عن أي أجندات.