حسابات المرزوقي تتبعثر: رهان على النهضة فاشل، والتفات متأخر للمعارضة

كيف يخرج المرزوقي من عنق الزجاجة؟

تونس - اتهم قيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية رئيس الجمهورية منصف المرزوقي بـ"الفشل في رهانه على حركة النهضة الإسلامية" مشددا على أنه سيفشل في "ترميم" علاقاته مع المعارضة فيما شرع المرزوقي في إجراء سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع القوى السياسية الوطنية واليسارية والعلمانية.

وقال عبد الرؤوف العيادي الذي أسس حزب "حركة وفاء" بعد انسلاخه من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه المرزوقي في مقابلة صحفية مع جريدة "المصور" التونسية إن منصف المرزوقي "أخطأ في حساباته عندما انتهج أسلوب كسب النهضة بهدف إعادة انتخابه وهو ما أضعف رصيده السياسي في الوقت الذي كان عليه التميز والتفوق بطرحه السياسي ومقارباته الخاصة".

وجاءت تصريحات العيادي على إثر دعوة وجهها له المرزوقي في إطار سلسلة اللقاءات شرع في إجرائها مع القوى المعارضة من أجل التشاور حول "الأزمة" السياسية التي تجمع عليها الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني ما حدا بعدد من السياسيين بالدعوة إلى "استقالة المرزوقي" بعد أن "جرده رئيس الحكومة حمادي الجبالي من صلاحياته".

ويقول مراقبون أن قرار المرزوقي بالدخول في إجراء حوار مباشر مع المعارضة هو محاولة منه للتأكيد على أنه "رئيس للجمهورية قادر على ممارسة صلاحياته" وقادر على "وضع حد إلى تجاوز رئيس الحكومة حمادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة" الذي لم يتردد في أكثر من مرة في "إهانة المرزوقي" من خلال "التعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية" وكان آخرها تسليم آخر رئيس للوزراء في نظام العقيد معمر القذافي الراحل إلى السلطات الليبية دون موافقته.

لكن المرزوقي أعلن خلال الأسبوع الماضي "انتهاء الأزمة" بينه وبين رئيس الحكومة حمادي الجبالي وكشف أن أربعة وزراء في حكومة الجبالي قدموا له "اعتذارات".

غير أن معلومات تسربت إلى الأوساط السياسية والإعلامية إثر لقاء المرزوقي رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أفادت أنه "تم التوافق على أن يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحياته كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية بطريقة "ترمم صورته التي اهتزت لدى الرأي العام".

كما أفادت التسريبات أن الغنوشي طمأن المرزوقي الذي يتطلع إلى إعادة انتخابه رئيسا للجمهورية خلال الانتخابات المزمع إجراؤها في ربيع 2013 على مستقبله السياسي وأن "النهضة تثق فيه وحريصة على نجاح الائتلاف في تأمين عملية الانتقال الديمقراطي".

لكن العيادي أرجع "القرار الجمهوري" بفتح حوار مباشر مع المعارضة إلى "استفاقة سياسية" للمرزوقي ليدرك أن حركة النهضة "استأثرت" بأهم القرارات السيادية و"احتكرت إدارة العملية السياسية خلال هذه المرحلة" وهمشت كل من رئاسة الجمهورية والمعارضة على حد سواء.

وأضاف العيادي "ما حدث هو أن رئيس الجمهورية أدرك بأنه فشل في رهانه على النهضة وأراد الاستعاضة عن ذلك بتحالف جديد مع ما يسمى بالمعارضة وهو مسعى فاشل مسبقا لأن هذه المعارضة ذاتها تشكو قصورا سياسيا فادحا".

ودعا العيادي المرزوقي إلى "تحمل مسؤولية خطأه بدل السعي إلى لملمة الأمور" ملاحظا أن حركة النهضة استفادت أخطاء المرزوقي ومن ضعف المعارضة ما ساعدها على "تجاوز مرحلة التسويق وجهها العلماني للغرب كما أنها كسبت معركة المواقع داخليا".

ويبدو أن مسألة التجاذب بين صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات رئيس الحكومة ستعمق الخلاف بين المرزوقي الذي يُنظر إليه على مستوى فئة واسعة من الشعب التونسي على أنه رئيس بلا صلاحيات وحمادي الجبالي الذي يعمل على تركيز كل الصلاحيات السيادية بين يديه.

لكن الوقائع السياسية تؤكد أنه لا يبدو أن بالأفق نهاية قريبة لمسلسل هذا التجاذب، وعدم انسجام الائتلاف الحاكم، ما يعني أن هذه الأزمة التي وُصفت بأنها سياسية، مرشحة لأن تتفاعل أكثر فأكثر خلال الأيام القادمة خاصة بعد أن تحولت إلى "أزمة دستورية" إذ "تمسك نواب حركة النهضة بالمجلس التأسيسي بـ"النظام البرلماني المطلق" في حين رفضت المعارضة هذا الخيار وفضلت النظام البرلماني المعدل.

ويقول الخبراء في القانون الدستوري إن إصرار حركة النهضة على اختيار النظام البرلماني المطلق يؤكد نزعتها إلى الهيمنة في نفس الوقت على رئاسة الحكومة وعلى رئاسة الجمهورية من خلال "تعيين رئيس الجمهورية من قبل كتلتها النيابية عبر عملية انتخاب صورية" بينما يقر النظام البرلماني المعدل بانتخاب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا من طرف الشعب وهو ما تخشاه النهضة.

وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي صرح في أكثر من مرة أن "الحركة تسعى لإقامة نظام برلماني "ملاحظا أن سنوات المنفى في لندن جعلته يقتنع بأن "النظام البرلماني أفضل من النظام الجمهوري".

وباتت قطاعات واسعة من السياسيين تجمع على أن حركة النهضة تتمسك بـ "حقها المشروع" في إدارة تفاصيل مرحلة الانتقال الديمقراطي دون تنازلات وفق "رؤية إسلامية" خاصة بعد صعود الإسلاميين إلى الحكم في ليبيا وفي مصر وربما قريبا في سوريا، لتنحت ملامح "تونس الإسلامية" التي جربت منذ الاستقلال المشروع الوطني العلماني.

ويقول سياسيون إذا كان لا بد من التنازل تحت ضغط خصوصيات المجتمع التونسي المتعدد سياسيا وفكريا وايديولوجيا، من جهة، وتحت ضغط دوائر القرار الخارجية التي تراقب الربيع التونسي، من جهة أخرى، فإن "أقصى وأقسى" درجات تنازل النهضة لا تتعدى استشارة المعارضين فيما تحافظ هي على قيادة إدارة الشأن العام وتكون لها "الكلمة الفصل" في أهم القرارات السياسية والتنموية.

وبرأي المراقبين فأنه ربما كان من الممكن تفهم حق الحكومة التي تقودها النهضة "التمسك" بإدارة الشأن العام نظرا لكونها حكومة شرعية تشكلت إثر أول انتخابات ديمقراطية تعددية، لو كانت البلاد تمر بمرحلة عادية، أما أن تكون تونس تمر بـ "مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخها، يتطلع الجميع إلى أن تقود إلى بناء تونس الديمقراطية" بعد ثورة هي الأولى من نوعها فإن "الاستناد على مشروعية نتائج صناديق الاقتراع" لا تكفي ولا يمكن أن تقنع الرأي العام الوطني الذي تشكل النهضة نسبة 22 بالمائة منه.

ويضيف المراقبون أن "تمسك النهضة بالنظام البرلماني المطلق وفرضه كخيار وحيد لا يعني سوى إعادة إنتاج منظومة الاستبداد" ملاحظين إن إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي تستوجب "قرارا ديمقراطيا" من خلال فسح المجال لكل القوى الوطنية بقطع النظر عن خلفياتها الفكرية وخياراتها السياسية وكذلك بقطع النظر حتى عن ثقلها السياسي من أجل بلورة "مشروع وطني" يحضى بالوفاق بعيدا عن إقصاء مختلف القوى السياسية الأخرى اليسارية والعلمانية التي ناضلت منذ ستينات القرن الماضية من أجل دولة مواطنة مدنية ومجتمع تعددي ديمقراطي.