حزب الله يمارس سياسة الاتهام والتشكيك للتغطية على عيوبه

بقلم: حسان القطب

دأب حزب الله وإعلامه وكذلك حلفائه على اتهام إسرائيل وعملاء إسرائيل بالعمل على زرع بذور الفتنة في لبنان وضرب الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين وبين السنة والشيعة، من اغتيال الرئيس الحريري، وارتكاب سلسلة من الاغتيالات في لبنان، وصولاً إلى أي شأن سياسي أو إعلامي أو اجتماعي واقتصادي أخر يدور حوله الخلاف بين القوى السياسية اللبنانية، ويقوم إعلام حزب الله بإدخال عنصر المذهبية والطائفية في كل شأن وقضية بالالتفاف حول دوره هو، متهماً الآخرين بالتحريض المذهبي والطائفي أو بالاختباء خلف مواقع دينية، ولكن أين يبدأ دور إعلام حزب الله وأين ينتهي في خضم هذه الحرب المتعددة الأوجه والعناوين والأهداف، وهل يخدم إعلام حزب الله مشروع الفتنة هذا إن صح وجوده؟

في ملف الفساد يركز إعلام حزب الله على أن الفساد له وجه واحد ويتحمل مسؤوليته فريق واحد ويمارسه فريق واحد، واتفق أو ربما مصادفة أن هذا الفريق بكامل أعضائه ورموزه وعناوينه هو فريق ينتمي للطائفة السنية في لبنان، ويتكامل سلوك هذا الفريق مع المشروع الأميركي – الصهيوني الهادف لضرب دول المقاومة والممانعة التي تقودها وبالمصادفة أيضاً دولة إيران الشيعية المذهب والهوى والانتماء والتوجه والأهداف؟ والأسلوب واللغة المتبعة والمفردات التي تطلق وتعلن كلها تنم عن حقد وكراهية وتؤدي للتحريض؛ مثلاُ نشر تلفزيون المنار تقريراً عن فساد الرئيس السنيورة فقال المراسل: (من حديث السنيورة: أنا أقول منذ زمن طويل أن الشجرة المثمرة هي التي يقوم البعض برمي الحجار عليها. المراسل: هكذا إذا شجرة مثمرة ترشق بالحجار لكن الرئيس السنيورة لم يوضح على أي ماء وسماد نبتت هذه الشجرة). ينم هذا الكلام عن مستوى إعلامي هابط يعمل على تفعيل الغرائز باستعمال مفردات تحريضية فيها الكثير من الإساءة للرئيس السنيورة ومن يمثل؟ ويتحدث المراسل عن أن الهبات والمساعدات الدولية التي وصلت إلى لبنان بعد الحرب الإسرائيلية التي فرضها حزب الله على لبنان، لم تكن أوجه إنفاقها واضحة. لماذا يتهم ويهاجم حزب الله الرئيس السنيورة، لأنه حزب الله لا يريد أن يسأله احد عن حجم المال الإيراني الذي وصل إلى لبنان في صناديق كتب عليها "الهلال الأحمر الإيراني" وأين انفق هذا المال ومن الذي أنفقه أو بالأحرى من الذي استولى عليه.. ولا ادري إذا كان مراسل حزب الله في تلفزيون المنار يفهم مضمون هذا التقرير الاقتصادي الذي نشر عام 2006: (بيروت ـ رويترز: إن من المتوقع أن يصل الدين العام اللبناني إلى 41 مليار دولار، أي 190 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام الحالي، بسبب حرب إسرائيل على حزب الله. وتلتهم خدمة الدين العام للبلاد الذي أعلن في وقت سابق أنه حوالي 38 مليار دولار ما لا يقل عن ثلثي دخل الحكومة. وذكر التقرير أن التكاليف المباشرة للحرب التي امتدت لأكثر من شهر بلغت 8.2 مليار دولار. وأن الاقتصاد اللبناني سينكمش بين أربعة وخمسة في المائة هذا العام. ويأمل لبنان في جمع أكثر من أربعة مليارات دولار في صورة منح وقروض ميسرة للمساهمة في خفض الدين العام. وأضاف أن النفقات زادت 684 مليون دولار، بفعل التعويضات المقدمة إلى ضحايا الحرب ولإصلاح الكثير من البنى التحتية التي دمرتها الحرب ونفقات إضافية على الأجهزة الأمنية). وهذا ما لا تنشره المنار. ويتجاهل حزب الله أيضاً قضية صلاح عزالدين والمليارات الضائعة وعدد من كبير من المرتكبين في صفوفه الذين جاوزت ثرواتهم الملايين وقاموا ببناء القصور وشراء الأملاك والسيارات والعقارات بمبالغ طائلة من أموال كان يجب أن تنفق على تعويض المتضررين من اللبنانيين وهي في الأصل من أموال الشعب الإيراني المحروم والمستضعف والمقهور.

في ملف العملاء، لطالما حدثنا نصر الله عن ضرورة معاقبة العملاء بشدة ودون تردد ولأي طائفة انتموا، واعتبر أن هناك بيئة حاضنة للعملاء في إشارة ضمنية لبعض اللبنانيين باعتبار أن فريقه وجمهوره هم أشرف وأنبل وأكرم الناس، وانه حزبه عصي على الاختراق، لنفاجأ لاحقاً بان سلسلة طويلة من العملاء هم في صلب تنظيم حزب الله ومن بين صفوف أشرف الناس وأطهرهم، فلم نعد نسمع عبارة واحدة عن معاقبة العملاء وعن البيئة الحاضنة التي تبين أنها بيئة بالغت كثيراً في التعبير عن طهارتها..؟؟ وإلى الآن لا يعرف المواطن اللبناني عدد العملاء في صفوف حزب الله وما هي أسماءهم ومن يحاكمهم..؟؟ وقضية العميد المتقاعد فايز كرم الذي اتهم بالعمالة تعتبر من أوضح القضايا التي يتجاهلها إعلام حزب الله ولا يشير إليها مطلقاً؟

موضوع الاغتيالات هو القضية الأساس لحزب الله والمحكمة الدولية تسبب له الأرق والقلق لا لأنها مسيسة بل لأنها كما يبدو تملك من الأدلة الكثير، فعمد نصرالله وإعلامه للترويج لنظرية تورط مجموعة (13) في اغتيال الحريري، وهي مجموعة أصولية اتهمت بتجنيد شباب لبناني وفلسطيني وسوري والمشاركة في القتال في العراق..؟ وإطلاق صواريخ على فلسطين المحتلة من جنوب لبنان؟ ولكن ارتأى إعلام حزب الله أن يروج لدورها أو لتورطها في عمليات الاغتيال، وأطلق سراح المجموعة بعد سجن دام سنوات، ولكن لا زال بعض إعلامه يروج لنظرية تورط الأصوليين بالتنسيق مع الولايات المتحدة وهي التي تلاحق قادة الأصوليين وتقتلهم وآخرهم العولقي في اليمن.. وقد نشرت جريدة خليجية: (تلفزيون «المنار» بث تقريراً قبل أيام اتّهم فيه الولايات المتحدة باغتيال الرئيس الحريري من خلال عملية أعدت لها الـ «CIA» بمساهمة فاعلة من «الموساد» الإسرائيلي (وحدة 504) وعملائه في «جيش لبنان الجنوبي» وبالتعاون مع الاستخبارات الاسترالية والأمن السعودي ومجموعة سعود العتيبي (رئيس فرع «القاعدة» في السعودية) ومجموعة تتفرع عن جند الشام «مجموعة النصرة والجهاد»، مركزها في محيط صيدا، جنوب لبنان حي التعمير في منطقة عين الحلوة، ومجموعة من المتطرفين اللبنانيين الاستراليين، تم تأمين إقامة أفرادها السبعة «في شقة في أحد أحياء بيروت قبل أربعة أسابيع من يوم الاغتيال بمساعدة عنصرين تابعين لمجموعة جند الشام (عناصر لبنانية وفلسطينية) في بيروت وبالتنسيق مع الشيخ الجوزو»).. كيف يتفق هذا القول مع نظرية المتابعة الجوية الإسرائيلية لموكب الحريري، والتي نشرها نصرالله شخصياً، وكيف يتوافق هذا القول مع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة ومحاكمة المملكة السعودية لبعض عناصر القاعدة في المملكة؟ والإشارة لمخيم عين الحلوة في هذا التقرير تتناقض أيضاً مع مضمون الزيارة الأخيرة لمسؤول الملف الفلسطيني في حزب الله (حسن حدرج) وعرضه التعاون مع التنظيمات الفلسطينية.؟ فكيف يستقيم التعاون والتنسيق مع الاتهام والتحريض.؟ ألا يجب أن يستقر إعلام حزب الله على اتهام طرف واحد بعينه في اغتيال الرئيس الحريري وسائر ضحايا الاغتيالات؟

أما الموضوع الأخلاقي فحدث ولا حرج. فقد نشرت مجلة الأمان التابعة للجماعة الإسلامية تقريراً نشره قاسم قصير وهو مقرب جداً من حزب الله والمسؤول السابق لهيئة دعم المقاومة الإسلامية يفيد: (يواجه حزب الله في هذه المرحلة تحدياً كبيراً يزداد خطورة يوماً بعد يوم ويتلخص بازدياد المظاهر الاجتماعية والأمنية السلبية وتمتد هذه المظاهر من الضاحية الجنوبية إلى البقاع والجنوب وبعض المناطق في جبل لبنان. ورغم الحملات السابقة التي أطلقها الحزب (حملة النظام العام من الإيمان، وأسرتي سعادتي، وتعزيز القيم الاجتماعية)، تزداد الأجواء السلبية خطورة، منها: أولا،ازدياد ظاهرة تعاطي المخدرات وانتشارها بين الشباب والطلاب ووصولها إلى العديد من القرى والمناطق الجنوبية. ثانياً، عدم احترام النظام العام، واللجوء إلى السلاح وإطلاق النار لمعالجة المشاكل، وآخرها ما حصل في مركز الميكانيك في الحدث، إضافة إلى حوادث الانتحار والقتل. ثالثاً، انتشار المجموعات الشِّللية والشبابية في الأحياء والقرى، التي تقوم بممارسات مسيئة عبر سهرات تدخين النرجيلة أو قيادة الدراجات النارية. رابعاً، التعدي على الأملاك العامة والمشاعات وعدم احترام الخصوصيات وحقوق الناس. خامساً، ازدياد بعض المظاهر الاجتماعية الخطيرة كالدعارة والأمراض النفسية وعمالة الأطفال).

هذه هي حال حزب الله ومناطقه وجمهوره ومربعاته الأمنية كما يصفها مسؤول سابق في تركيبته التنظيمية، ولكن يبدو أن حزب الله وبسبب مشاكله السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتورطه في ملفات إقليمية يلجا لسياسة اتهام الآخرين للتغطية عن دور سياساته في تعميق ما يعانيه المواطن اللبناني من أزمات دون استثناء، سواء كان من جمهور حزب الله أو غيره، ولكن هذا السلوك لن يغير من واقع الفساد المستشري في جسم حزب الله وحركة أمل، وما نشرته ويكيليكس عن ثروة نبيه بري واستثماراته في إيران وتعويضاته الشهرية من مال الشعب الإيراني، على لسان المسؤول السابق في حركة أمل (محمد عبيد) أصبح واضحاً، وفتح ملفات وهمية مالية وغير مالية لن يغطي عدم قدرة حزب الله على تقديم رؤية سياسة وإنمائية واقتصادية للنهوض بالوطن وعدم قدرته على إدارة الدفة السياسية في لبنان، وعن مسؤوليته في تأجيج الفلتان الأمني والصراع الداخلي الذي يهدد السلم الأهلي ويؤدي إلى هرب المستثمرين العرب والأجانب، وإلى ضرب القطاع المصرفي والسياحي الناشط في لبنان، لأن هذه الملفات التي تنشر بشكل اعتباطي إنما تسيء لواقع الاقتصاد اللبناني وتؤدي إلى التشكيك بقدرة الشعب اللبناني على النهوض من جديد. وكل هذا الأداء هو من ضمن سياسة الهروب إلى الأمام التي يتبعها حزب الله.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com