'حزب الله' يضع مصير لبنان على المحكّ

كان لا بدّ من الانتظار بعض الوقت قبل التعليق على قرار الاتحاد الاوروبي القاضي بوضع الجناح العسكري لـ"حزب الله" على قائمة الارهاب. فالامر من الخطورة الى درجة يصعب معها الخروج باستنتاجات، أي نوع من الاستنتاجات، سريعا. في أساس الخطورة أن ما على المحكّ مصير لبنان كدولة لها موقعها على خريطتي الشرق الاوسط والعالم.

الاكيد أنه لم يكن في استطاعة الاتحاد تفادي اتخاذ مثل هذا الموقف في ضوء عمليات معيّنة للحزب في الاراضي الاوروبية. في مقدّم هذه العمليات، التي تبيّن من وجهة النظر الاوروبية أنّ الحزب يقف وراءها، عملية مطار بورغاس البلغاري قبل سنة وشهر التي قُتل فيها سيّاح اسرائيليون.

لا شكّ أن الاتحاد الاوروبي راعى الوضع اللبناني عندما ميّز بين الجناح العسكري والجناح السياسي في الحزب، علما ان لا وجود لمثل هذا التمييز بشهادة كبار المسؤولين في الحزب.

ولكن ما العمل عندما يكون هناك حزب، تابع مباشرة لايران، يسعى الى أخذ لبنان كله رهينة من دون أي تقدير لمصلحة الوطن الصغير بكل طوائفه. وهذا يشمل بالطبع ابناء الطائفة الشيعية الكريمة التي يعي كثيرون من أفرادها أن الحزب بات خطرا على كل لبناني يريد تربية اولاده في ظروف طبيعية بعيدا عن ثقافة الموت والسلاح.

بكلام واضح كلّ الوضوح، ان كلّ لبناني يحلم بارسال ابنائه الى افضل المدارس والجامعات ان داخل البلد أو خارجه. ما أبقى لبنان صامدا في وجه كلّ ما تعرّض له في العقود الاربعة الاخيرة، أو لنقل منذ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 هو تمسك العائلة اللبنانية بالمدرسة والجامعة ورفض ثقافة الموت والسلاح. انها الثقافة التي يسعى "حزب الله" الى تعميمها في سياق وضع يده على البلد لمصلحة ايران.

هناك ما هو أبعد بكثير من قرار الاتحاد الاوروبي الذي تكمن أهميته في أن دول الاتحاد باتت كلّها مقتنعة بأن "حزب الله" يمارس نشاطات غير مقبولة منها من جهة وأن عليها حماية لبنان من جهة أخرى.

هناك بكلّ بساطة رغبة اوروبية في عدم تحميل لبنان أكثر مما يستطيع تحمله. ولكن ماذا عن "حزب الله" نفسه؟ هل فكّر يوما في مستقبل لبنان واللبنانيين بما في ذلك اولئك الذين يعملون في دول الخليج العربي؟ هل فكّر حتى بما يمكن أن تجرّ اعماله وتصرفاته من ويلات على اللبنانيين المقيمين في الدول الافريقية وبينهم الآلاف من ابناء الطائفة الشيعية؟

المؤسف أن "حزب الله" لم يستطع القيام بالنقلة النوعية المطلوبة منه. كانت هذه النقلة تتمثل في تحوله الى حزب لبناني مثله مثل بقية الاحزاب وليس حزبا مذهبيا مسلّحا لا ولاء اعمى له سوى لطهران. كان على حقّ، كلّ من استبعد منذ البداية أن يكون في استطاعة الحزب أن يكون شيئا آخر غير لواء من ألوية "الحرس الثوري" الايراني عناصره لبنانية.

ماذا تريد ايران الآن؟ لماذا هذا الاصرار على نشر البؤس في لبنان؟ الجواب معروف جيدا. تعتقد ايران أن لبنان ورقة يمكن استخدامها في التفاوض مع الولايات المتحدة أو مع اسرائيل من أجل عقد صفقة مع "الشيطان الاكبر" أو مع "الشيطان الاصغر". انها لعبة اصبح فيها لبنان كلّه رهينة. لم تعد الطائفة الشيعية وحدها رهينة لدى الحزب ولدى ايران التي وظفت منذ ثلاثين سنة وأكثر مليارات الدولارات في عملية تغيير طبيعة المجتمع الشيعي اللبناني.

لبنان كلّه صار رهينة. على من يحتاج الى دليل على ذلك التساؤل: لماذا ممنوع على أي مواطن خليجي زيارة لبنان؟ أكثر من ذلك، لماذا كلّ هذا الاصرار على عزل لبنان عن محيطه العربي والتورط المباشر في الحرب التي يشنها نظام طائفي، هو النظام السوري، على الاكثرية الساحقة من شعبه؟

من لا يستطيع الاجابة عن هذين السؤالين طرح سؤال ثالث. فحوى السؤال: لماذا لا يستطيع نائب بيروت تمّام سلام، رئيس الوزراء المكلف، تشكيل حكومة؟ لماذا اصرار "حزب الله" على الفراغ الحكومي تمهيدا لايجاد فراغ على مستوى رئاسة الجمهورية؟

حسنا فعل الاتحاد الاوروبي عندما سعى الى مراعاة لبنان عن طريق التمييز بين جناحين لا مجال للتمييز بينهما. يعرف الاتحاد الاوروبي انّه يضحك على نفسه. لكنه يدرك تماما حجم المخاطر التي يتعرّض لها لبنان. الذي صارت حدوده مستباحة ومستقبله على كفّ عفريت.

يبقى سؤال في غاية الاهمّية. الى أي مدى يمكن لـ"حزب الله" الذهاب في مغامرته اللبنانية، أو على الاصحّ الى أي مدى يمكن أن تذهب ايران في استخدام الورقة اللبنانية؟ الخوف كلّ الخوف أن لا تكون لدى ايران أي حدود في لعبتها التي تصبّ في المراهنة على ايجاد فراغ في لبنان عن طريق تدمير مؤسسات الدولة الواحدة تلو الاخرى ونسف الاقتصاد الوطني بهدف اعادة تشكيل الوطن الصغير على اسس مختلفة. تسمح لها هذه الاسس بالامساك بالبلد نهائيا على غرار ما حصل في كلّ من سوريا والعراق.

مثل هذا الخوف يفسّر الى حدّ كبير الحذر الاوروبي في تعاطيه مع "حزب الله" الا انّه لا يبدد المخاطر التي تحيق بلبنان والتي تهدد مستقبل اللبنانيين ومستقبل ابنائهم ومستقبل الصيغة القائمة على العيش المشترك. هذه الصيغة التي في أساس قيام لبنان والتي تعتبر علّة وجوده هي النقيض التام لهيمنة حزب مذهبي على اللبنانيين الآخرين عن طريق السلاح والترهيب... ولا شيء آخر غير السلاح والترهيب.