حزب الله والمستقبل: للخلف در

معظمنا تابع، ولسنوات طويلة مضت، فصول الحروب الكلامية والإعلامية والأمنية المستعرة في لبنان بين تيار المستقبل السني وحزب الله الشيعي، وما رافقها من اتهامات متبادلة بالتخوين والعمالة وسقوط بعض الضحايا هنا وهناك، الأمر الذي ألقى بظلاله السلبية على لبنان وعموم المنطقة. في هذه الحروب استخدم كل طرف أسلحته المختلفة ليسفه ويسقط الطرف الآخر أو النيل منه أو لكليهما، علما بأن النزاع بين هذين الطرفين الكبيرين المتصارعين، في جوهره كان ولازال وسيظل نزاعا سياسيا بامتياز. لكن اللافت فيه انه كان يتدثر دائما وعلى طول الخط بالمذهبية والطائفية تارة والوطنية تارة أخرى.

نهاية جولات ذلك الصراع الشرس، الذي لم يتمكن فيه احد طرفيه من إلغاء وشطب الآخر، رغم تعالي حدة نبرة التخوين والعمالة المتبادلة، جعل الفريقين اليوم بحسب الأخبار المتداولة يقتربان من الجلوس على طاولة الحوار، بعد أن شعر كلا منهما بخطورة المرحلة وحساسيتها، وعدم جدوى المعركة الدائرة بينهما لأنها لن تكون في صالحهما وصالح لبنان والمنطقة، كما لن يكون فيها طرف خاسر وآخر رابح، وان كل طرف لا يمكن أن يشطب أو يكسر الطرف الآخر، وأن السبيل لتقارب وجهات النظر، وهو الجانب الأهم، يكمن في الجلوس على طاولة واحدة مستديرة للتفاهم والتحاور، ثم حل المشكلات العالقة، بغية إخماد التوتر المذهبي المستفحل في لبنان وعموم المنطقة أو الحد من تداعياته الخطيرة.

ومع أن خلفية ذلك النزاع بين الطرفين راجعة لأسباب قديمة ومعقدة ومن بينها مقتل رفيق الحريري والد زعيم تيار المستقبل، والتجاذبات الإقليمية في الساحة اللبنانية وغيرها، إلا أن الحرب الدائرة في سوريا المجاورة للبنان، منذ ما يقرب من أربع سنوات، هي واحد من الملفات الأكثر سخونة وتعقيدا، على الأرجح.

وبالعودة للحوار بين الطرفين، الذي سعى إليه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (الشيعي)، سيتركز بحسب ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام، على التهدئة السنية/الشيعية وبعيدا عن القضايا الخلافية وأبرزها قتال حزب الله في سوريا إلى جانب قوات الرئيس بشار الأسد. وفي هذا السياق قال حسين الخليل، المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله، لجريدة الأخبار اللبنانية: "نحن مستعدون للحوار إما لتقريب وجهات النظر والوصول إلى أرضية مشتركة وإما إلى تنظيم الاختلافات على الأقل"، مضيفا، بأن يتألف جدول الأعمال الذي تم التوافق عليه من أربع نقاط هي "تخفيف الاحتقان المذهبي، والخطاب السياسي والإعلامي المتشنج، ومكافحة الإرهاب، وتفعيل عمل المؤسسات من حكومة ومجلس نيابي وكل ما من شأنه تسيير شؤون الناس ورئاسة الجمهورية،" بحسب وكالة رويترز.

بيد إننا هنا لسنا بصدد تقييم أداء الطرفين في المرحلة الماضية، وتصويب طرف وتخطئة الطرف الآخر أو الحكم على احدهما أو كليهما، وإنما بصدد الوقوف على بعض الدروس المستفادة من تلك "الاستدارة" الهامة بين فريقين فاعلين في لبنان، والتي ستلقي بظلالها بلا شك على عموم المنطقة، كما وسيترتب عليها آثار وتداعيات ايجابية، في حال اكتمال تلك الاستدارة وتوافق الطرفين الكبيرين.

من هذا الحدث يمكننا استخلاص عبرتين جوهريتين. الأولى أنه في فورة الصراع السياسي بين الفرقاء المتصارعين، قد يلجأ الطرفان أو احدهما إلى استخدام أبشع وأخطر الأسلحة فتكا بالآخر، وليس هناك أي مانع لديهما من أن يستخدما في هذه المعركة "المقدسة" لغة التشاتم والتخوين المتبادلة، بل وإذا اقتضى الأمر سيتم استخدام سلاح الدين والمذهب والوطنية، وهي الأسلحة الأخطر في هذا النوع من المعارك دون أي رادع وضمير، لا لشيء سوى النيل من الطرف الآخر والتأليب عليه وتشويهه وشطبه أيضا.

العبرة الثانية، هي أن الظروف والمتغيرات السياسية القائمة، مضافا إلى القناعات المستجدة لدى الطرفين أو احدهما، تفرض في غالب الأحيان، على الأطراف السياسية المتنازعة أو احدهما، تبديل المواقف أو تدوير زوايا الخلاف الحادة، وربما الاستدارة الكاملة والعودة لطاولة الحوار والنقاش، كما هو الحال اليوم في حالتي حزب الله الشيعي وتيار المستقبل السني. وفي هذا النوع من "الاستدارات السياسية"، يتطلب من كلا الطرفين تقديم تنازلات متبادلة تمكنهما من إيجاد أرضية مشتركة للنقاش السياسي الجاد، وطي مرحلة لغة التخاطب الحادة التي كانت سائدة فيما مضى، لكي لا يغرق الطرفان أو احدهما في الوحل أكثر، وربما يغرقان معهما كامل السفينة بأهلها.

آمل أن يشكل هذا الحدث الهام وعبره الماثلة حافزا قويا لجميع الفرقاء السياسية المتصارعة في عموم المنطقة، حافزا للدفع بهم للجلوس على طاولة النقاش السياسي، وإنهاء حالة الخصومة والفجور السياسي، التي ترافقها في الغالب حروب إعلامية وكلامية وأمنية قذرة تقطع النسل، وتهلك الحرث.