حزب الله والتحديات الداخلية والخارجية بعد اغتيال الحريري

بقلم: علي حسين باكير

لا شكّ أنّ شظايا عملية اغتيال الحريري قد اصابت أيضا حزب الله اللبناني الذي كان أمينه العام قد كشف مؤخّرا عن لقاءات دوريّة كان يلتقي خلالها مع رفيق الحريري الذي حاول الالقاء بثقله الدبلوماسي والشخصي لاقناع فرنسا بعدم ادراج حزب الله ضمن لائحة الارهاب الأوروبيّة. هذا وقد أدخلت تداعيات عملية اغتيال الحريري وما نجم عنها حزب الله في مرحلة جديدة تتّسم بتعقيدات داخلية واقليمية ودولية.
فعلى الصعيد الداخلي:
قامت جميع القوى المعارضة لسوريا باستغلال عملية اغتيال الحريري بطريقة مذهلة لتوظيفها في مطالبها لجهة خروج القوّات السورية من لبنان، وحاولت هذه المعارضة حشد جميع الأطراف المستقلّة والغير منخرطة في اطار السلطة لصالحها، وفي هذا الاطار حرصت المعارضة على عدم استفزاز حزب الله لما له من ثقل شعبي في اوساط الشيعة بشكل خاص ولدى اللبنانيين بشكل عام على امل تحييده ان لم يستطيعوا كسبه في المعركة الدائرة مع السلطة والأحزاب الموالية لها. وفي هذا الاطار جاءت دعوة زعيم المعارضة وليد جنبلاط السيد حسن نصر الله وحزب الله بانضمامه الى صفوف المعارضة للمطالبة باستقلال لبنان استكمالا لدوره التاريخي في تحرير أرضه.
و في هذه الأثناء وطيلة 14 يوما من اغتيال الحريري بدا حزب الله متردّدا في حسم أمره لدقّة المرحلة ولعدم وضوح دعوات الجهات المختلفة وسقف مطالب المعارضة. فحزب الله لم يكن يريد خسارة سوريا (وهي غطاؤه الاقليمي الى جانب ايران) مقابل كسب بعض المعارضين غير واضحي التوجه مستقبلا سواء لجهة حزب الله أو سوريا أو اسرائيل من جهة، كما انّه لم يكن يريد خسارة القوى الشعبية (غطاؤه الداخلي الى جانب الدولة اللبنانيّة) خاصّة بعد انضمام العديد من القوى الى المعارضة في اطار المطالبة بخروج القوات السورية مقابل الاستفادة من الوجود السوري في لبنان في الوقت الذي أصبح خروجها أمرا واقعا لا محال وعبئا على الحزب وسوريا نفسها وعلى لبنان من جهة أخرى.
هذا ولم يستبعد البعض امكانيّة أن يظل حزب الله حياديّا بشروط تجاه المعارضة لجهة الحفاظ على وضعه الداخلي وتجاه سوريا خاصّة أنّ الحزب يحرص دائما على الظهور بمظهر المدافع عن الشعوب العربية من أجل كسب الجماهير وترسيخ وجوده على المستوى الاقليمي العربي والاسلامي وهذا ما بدا واضحا اثر التحضير للهجوم الأمريكي على العراق حيث طرح الحزب مبادرة للتصالح بين النظام العراقي السابق والمعارضة في محاولة منه لكسب جماهير عربية داعمة له خاصّة بعد أن تدنّت شعبيّته اثر برود دوره في جبهة اسرائيل وانخراط عدد من شيعة العراق في المشروع الأمريكي. وعلى العموم وللبقاء خارج الانقسام الشعبي اللبناني طالب الحزب بداية باتّجاه ثالث بين المعارضة والموالاة، لكنّ انزلاق الأمور وتدهورها دفعته للتفكير بشكل آخر خاصّة بعد أن أنقذت استقالة الحكومة برئاسة عمر كرامي وجه الحزب الذي كان مضطرّا للتصويت للمرّة الأولى في تاريخ عمله السياسي لصالح الحكومة وأعطته مزيدا من الوقت في حسم خياراته.
فبعد خطاب الرئيس السوري الأسد، حسم حزب الله أمره ودعا الى اجتماع لقوى واحزاب الموالاة خاصّة بعد ان تسّربت أخبار عن انّ جزءا من المعارضة قام باتّصالات مختلفة مع اسرائيل لاقامة علاقات معها وهو الأمر الذي ألغى أي امكانيّة لانضمام الحزب الى تيار المعارضة أو بقائه على حياد. وقد استوعبت جميع القوى الموالية للسلطة بمن فيها حزب الله صدمة اغتيال الحريري والهجمة الشرسة للمعارضة وبدا أنّ القوى الموالية للسلطة ولسوريا ستستخدم نفس تكتيك المعارضة من استخدام لوسائل الاعلام وللشارع والجماهير والدعاية...الخ خاصّة انّ القوى الشيعية وعلى رأسها حركة أمل وحزب الله تتمتّع بخبرة كبيرة في هذا المجال وقدرة على تجييش أتباعها وحشدهم وهو ما يميّزها عن غيرها من الفئات على اعتبار انّ التاريخ السنيّ لناحيّة العامّة كان غالبا يخلو من هذا التصرّف على مرّ السنيين في التعامل مع الدولة أو الجهات المعارضة لهم. وقد انتهى اجتماع القوى الموالية للسلطة وعلى رأسهم حزب الله بطرح خمسة مبادئ أساسيّة ودعى الى تظاهرة كبرى يوم الثلاثاء، فيما يبدو أنّ المواجهة قد بدأت وعلى الحزب الاستعداد لمرحلة جديدة وخطيرة قد تلغي وجوده أو تغير من أساليبه وتحد من خياراته.
على الصعيد الاقليمي:
هناك من يعتقد أنّ خروج القوّات السورية سيؤثّر سلبا على الحزب ويجرّده من غطائه نهائيا، لكنّ هذه القراءة منقوصة. فصحيح أنّ الحزب يستفيد من الوجود السوري في لبنان عبر تزويده بالأسلحة أو انتداب عناصره للتدرب في معسكرات في سوريا وايران ثمّ العودة الى لبنان، الاّ أنّ الصحيح أيضا أنّ خروج القوّات السوريّة ومخابراتها من لبنان لا يعني انتهاء سوريا في لبنان، فسوريا موجودة بحكم التاريخ والجغرافيا والنفوذ المالي والقومي وعبر الموالين لها في السلطة وأجهزتها (البرلمان منهم) أو في القواعد الشعبية الموالية لها، لذلك فانّ التأثير السلبي على الحزب سيكون جزئيا ومحدودا، خاصّة أنّ الحزب كان يستعد منذ فترة طويلة لهذه اللحظة في حال فقدانه الغطاء السوري أو الايراني وعمل على تنمية قواعده الداخلية لجهة شعبيّته أو لجهة تمويله (ايجاد مصادر وتمويل متعددة وتنويعها) أو لجهة تسليحه أو ترسيخه في المجتمع اللبناني عبر المؤسسات الثقافية والعلمية والخدماتيّة المختلفة والموزّعة في عدد كبير من المناطق اللبنانيّة.
على الصعيد الدولي:
لا شكّ انّ القرار 1559 هو من أكثر ما يزعج حزب الله على اعتبار ان البند الثاني منه يستهدف تجريده من سلاحه. وبما انّ الدول لا يمكنها رفض قرار صادر عن الأمم المتّحدة خاصّة اذا صدر عن مجلس الأمن والاّ فانها قد تخضع لعقوبات تصل الى حد شن هجوم عسكري عليها. وفي هذا الاطار أظهر حزب الله رفضه لهذا القرار الذي يشكل مشروع فتنة وانقسام داخلي وجاء هذا الهجوم ليوازن الكلام السوري عن مراعاة واحترام القرار الدولي وذلك في اطار توزيع الأدوار ما بين رسمي وشعبي، فحزب الله لا يمكنه أن يتخلّى عن سوريا نهائيا خاصّة انّ الأخيرة كانت قد هيّأت له وطيلة فترة وجودها في لبنان لأن يصبح قوّة فاعلة ويحتكر المقاومة ليصبح اداة ضاغطة وورقة سورية في أي مفاوضات قادمة مع اسرائيل أو لمواجهة أي ضغوطات دوليّة أمريكيّة بالاضافة الى كونه ورقة رادعة ضدّ نوايا اسرائيل تجاه لبنان، ولتفادي مفاعيل القرار 1559و بالتالي لتفادي المواجهة المرتقبة مع أمريكا وأوروبا يطالب الحزب المعارضة اللبنانيّة بالتصريح علنا على انّه ليس مليشيا وبالتالي فان تمّ ذلك فهو يعني أنّ القرار لا ينطبق عليه لانّ القرار يتكلّم فقط عن ميليشيا مسلّحة.
و من هنا نستطيع أن نرى أنّ المعركة أصبحت بالنسبة لحزب الله معركة وجود وتحرّكاته لا بدّ وأن تكون مدروسة ومتوافقة مع المتغيّرات الداخليّة والاقليميّة والدوليّة، وقد عرف دائما انّ الأحزاب والجماعات الشيعيّة عموما هي أحزاب براغماتيّة تستطيع تكييف أقوالها المتعارضة مع أفعالها واعمالها بما يخدم مصالحها في النهاية ويحافظ على وجودها، وفي هذا الاطار لا تمانع الولايات المتّحدة التفاوض مع هكذا حركات ولو سرّا وهي أكّدت عبر بموازاة ذلك وقبل إعلان الأسد سحب القوات غير مهتمة بالحديث عن سلاح حزب الله. بل إن نائب مساعد وزير خارجيتها ديفد ساترفيلد كان صريحا خلال وجوده في لبنان نهاية فبراير/ شباط الماضي أكثر من اللازم في موضوع حزب الله حيث قال إن تجريده من سلاحه "ليس أولوية من أولويات المرحلة بل مسألة لبنانية لا بد أن تطرح يوما على جدول الأعمال اللبناني".
فهل سينجح حزب الله في هذه المهمّة مستقبلا أم انّه سيتحوّل الى حزب سياسي في اطار عمليّة السلام التي بدأت تلوح في الأفق في اطار المشروع الأمريكي لنشر الديمقراطية في المنطقة. علي حسين باكير، كاتب مقيم في لبنان alibakeer@hotmail.com