حزب الله ضد شعب الله: الاصوليات الدينية والحرب العالمية الثالثة

يستغرب الكثيرون من المحللين في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة، وأيضا في اسرائيل من حديث حزب الله وأنصاره داخل وخارج لبنان عن انتصاره على اسرائيل في حربها الاخيرة ضده وضد لبنان، ويتساءلون عن اي انتصار يتحدث حزب الله وقد هدمت وخربت معاقله ومراكزه الرئيسية في جنوب بيروت ودكت المئات من منازل قرى الجنوب حيث توجد قوته الشعبية ورجع الجنوب اللبناني، بما في ذلك جنوب بيروت أكثر من 20 عاما الى الوراء ووصل القتلى من اللبنانيين الى ما يقرب من الالف، بينما لم يقتل من الاسرائيليين سوى حوالي 70 نصفهم من الجنود.
ومع ذلك يتحدث حزب الله، وبعض القادة اللبنانيين أمثال وليد جنبلاط، عمن سيحصد ثمار النصر الذي حققه حزب الله.
وقد وقع بعض الكتاب العرب في نفس هذه الاشكالية الملغزة، بل وقع فيها رؤساء وملوك مصر والسعودية والاردن الذين سارعوا في البداية بادانة حزب الله على "مغامرته" غير المسؤولة ولكنهم تراجعوا تدريجيا عن موقفهم وانضموا مرغمين الى ركب المعترفين بالنصر الذي حققه حزب الله والهزيمة التي منيت بها اسرائيل التي اعطتها تصريحاتهم غطاء سياسيا واخلاقيا سرعان ما بددته غطرسة القوة الاسرائيلية المعتادة واندفاعها الاهوج في تصرفات وصفها رئيس الوزراء اللبناني بأنها "جرائم حرب" وطالب المجتمع الدولي بمعاقبة اسرائيل عليها.
ومن المفيد لكي نفهم ما يجري لنجيب على هذا التساؤل وغيره ان نخوض بالتحليل في طبيعة الصراع القائم في المنطقة اليوم والذي لم تكن الحرب الاخيرة ضد لبنان سوى احدث تجلياته. صراع الاصوليات الدينية تشهد المنطقة العربية التي قدمت للعالم اديانه السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والاسلام) التي يؤمن بها ما يقرب من نصف البشر – صراعا بين الاصوليات الدينية الممثلة لهذه الاديان. فنجد ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على مدى عقدين من الزمان هي حكومات احزاب دينية اصولية متشددة، وبالتالي تشكل الاصولية الدينية المرجعية السياسية والثقافية والعاطفية لقادة اسرائيل وللناخبين الذين اختاروهم لقيادتهم، وخلال الحرب الاخيرة ضد لبنان، نجد ان كامل التاريخ والتراث اليهودي يحتل مكانا رئيسيا في ثقافة الشارع الاسرائيلي الذي يستدعي به مختلف الهواجس التاريخية الكبرى التي شهدت اصطدام "شعب الله المختار" بالاخر الذي ينظر اليه بالضرورة باعتباره ليس مختارا من الله، ان لم يكن شريرا جاحدا مجسدا لقوى الشر والشيطان الذي يضمر الشر دائما لشعب الله. والتراث الديني العبراني مليء بقصص الحروب والحصارات والقتل والسبي والدمار التي يتبادل شعب الله المختار القيام بها او التعرض لها من قبل الآخرين ومن الفلسطينيين الذين يجيء ذكرهم في عدة مواقع في العهد القديم حيث تصرخ دليلة في وجه شمشون محذرة له: "الفلسطينيون عليك يا شمشون" فيهب مدافعا عن نفسه حتى ينتهي به الامر الى ان يهدم المعبد على الجميع قائلا قولته الشهيرة "علي وعلى أعدائي يا رب" وقد لاحظ الكثيرون انه بهذا يكون أول من قام بعملية انتحارية هدفها القضاء على أعدائه.
ولذلك ليس غريبا ان تصاب اسرائيل بحالة من الهلع المبالغ لسقوط صواريخ حزب الله التي تكاد ان تكون صواريخ رمزية أو وهمية فيما تدك اسرائيل القرى اللبنانية وأحيائها السكنية بصواريخ وقنابل من العيار الثقيل التي تهدم عمارات هائلة الارتفاع وتقتل العشرات أو المئات في لحظة واحدة ومع ذلك لا يستطيع الاسرائيليون التخلص من هواجس التاريخ العبري المليء بأقسى صور التنكيل والسبي والقتل الجماعي الذي يقوم به الآخرون ضد شعب الله، أو يقوم به شعب الله ضد الآخرين تحقيقا لرغبات الهية.
كما تلعب ثقافة الاصولية الدينية بأثقالها وهواجسها التاريخية الدامية دورا اساسيا في توحش أساليب الحرب الاسرائيلية وقيام الجيش الذي لا يقهر بضرب عشرات القرى والمدن والاحياء السكنية دون أدنى تردد قد يبعثه ضمير انساني،وبذلك لم تجد ثقافة الحرب الاسرائيلية اية غضاضة في الاستمرار لأكثر من ثلاثة اسابيع في قصف همجي لقرى ومدن بأكملها وتهجير ما يقرب من مليون انسان من مساكنهم، كل ذلك تحت دعوى القضاء على سلاح حزب الله المختبئ في مخابئ تحت هذه المنازل.. مما يذكرنا بدعاوى أسلحة الدمار الشامل الباطلة التي قامت عليها حرب الادارة الامريكية ضد العراق. الاصولية المسيحية – الصهيونية أما الاصولية المسيحية الصهيونية - وهي تختلف تماما عن المسيحية الشرقية – فتتمثل في الادارة الامريكية للرئيس بوش وجماعات المحافظين الجدد واليمين المسيحي والصهيونية المسيحية، اي جماعات البروتستانت التي تؤمن بمقولات الاصولية اليهودية من شعب الله المختار الى المجيء الثاني للمسيح بعد التئام شمل اليهود في اسرائيل. ولا تؤمن الكنائس الشرقية بهذه المقولات وانما ترى ان تفسيراتها خاطئة.
وقد أوضح قداسة البابا الانبا شنودة –مثلا- ان شعب الله المختار كانت صفة اطلقت على جماعة من البشر في وقت معين وان هذه الصفة لا تنطبق اليوم عليها اذ رفضت المسيح بل وقامت بصلبه، وبالتالي فهي صفة قد انتهت صلاحيتها، كما قال ايضا ان اليهود جاءوا الى فلسطين بوعد بلفور وليس بوعد الله.
اما الاصولية المسيحية الحالية التي تحكم الولايات المتحدة فقد استندت هي الاخرى - واعية بذلك ام غير واعية - على نفس ثقافة الاصولية العبرانية القديمة المليئة بالرعب من الآخر ومعاداته وتصنيفه تحت مستوى البشر لأنه ليس شعب الله المختار. ولذلك تتماهى الآداب الامريكية البوشية مع الحكومات الاسرائيلية في مدى استسهالها للحلول العسكرية ولاستخدام العنف والبطش ضد كل من ترى فيه شبحا مرعبا لا يوافقها في رؤيتها للعالم وفي تصنيفها للآخرين باعتبارهم معنا أو علينا، وفي تحويل كل "آخر" مختلف الى شيطان رجيم، فتطلق تعبير "محور الشر" على من يعترض على سياساتها حتى لو كان العالم كله متفقا على عقم وخطورة وعبثية هذه السياسات، وليس صدفة ان الولايات المتحدة تقف معزولة تماما – هي واسرائيل فقط- بينما يقف بقية العالم في جانب آخر في كثير من القضايا وليس فقط القضية الفلسطينية، وقد تجلى هذا مرة اخرى مؤخرا في رفض الادارة الاميركية اصدار قرار من مجلس الامن يطلب الايقاف الفوري لإطلاق النار في حرب لبنان بينما كان هذا هو موقف دول الاتحاد الاوروبي والدول العربية.
وتؤدي السياسات الخرقاء لإدارة بوش – سواء كان ذلك في فلسطين او في العراق والآن في لبنان- الى دعم وتعزيز الاصوليات الاسلامية التي تعاديها. اذ جاءت هذه السياسات- وما تزال – معادية بشكل واضح لمصالح الشعوب العربية تحت مسميات ودعاوى مهترئة تتحدث بلا مصداقية عن دمقرطة الشعوب العربية وعن شرق اوسط جديد فيما لا تفعل ادارة بوش اي شيء لإجبار اسرائيل على انهاء احتلالها البدائي الهمجي للضفة الغربية وممارساتها الوحشية في غزة. الاصوليات الاسلامية اصبحت ثقافة الاصولية الاسلامية هي المسيطرة على الشارع العربي في معظم أركانه ومجتمعاته وكان ذلك نتيجة طبيعية للحالة شديدة التدهور التي انحدرت اليها هذه المجتمعات وفشل الانظمة العربية في قيادة شعوبها الى مستقبل مشرف، وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق، مع انهيار مكانة الدولة العربية الرائدة – مصر- بشكل محزن حقا، اذ اصبحت هي رجل المنطقة المريض الذي تثقله امراضه الجسدية والروحية في الداخل فيما ينقرض دوره على مسرح المنطقة العربية.
وقد أدى تراجع الدور الريادي المصري في مجالي السياسة والثقافة الى تشجيع الحركات الاصولية الاسلامية على للقفز واحتلال الفراغ الناتج والاستيلاء على وجدان الشارع العربي وساعدها على ذلك ان اسرائيل والولايات المتحدة استمرا في تقديم المبرر تلو الآخر لتلك الجماعات باعتداءاتهما الفاضحة على الشعوب العربية في فلسطين ثم العراق ثم لبنان، وباستهدافهما بشكل يرقى الى مستوى الهوس كلا من سوريا وايران وكأنهما لم يتعلما شيئا على الاطلاق من فشلهما الذريع لمغامراتهما المأساوية في العراق.
وهكذا تسلمت الاصوليات الاسلامية أركانا مختلفة من الشارع العربي فرأينا حركة الاخوان المسلمين تنتشر في مصر والاردن والكويت واوروبا ورأينا كيف تتراجع منظمة التحرير الفلسطينية لصالح حركة حماس التي حظيت بتأييد مبدأي من اسرائيل نفسها لضرب منظمة التحرير. ونلاحظ كيف تكرر الولايات المتحدة واسرائيل اخطاءهما، اذ كلما قاما بضرب حركات التحرير والاستقلال القومية العربية تأتيهم بدلها حركات الاصوليات الاسلامية وهذا طبيعي وهو ما حدث بعد ضرب النظام الناصري عام 67 حيث تصاعد الاسلاميون في مصر،و هو ما حدث ايضا بعد افشالهما لاتفاقيات اوسلو مع منظمة التحرير فجاءت حماس وهو ما حدث بعد ضرب نظام صدام حسين فجاءت بدله قيادات وميليشيات شيعية وسنية وهو ما سيحدث اذا ما قاما بضرب النظام السوري.
هذا كله بالاضافة الى تنظيم القاعدة الذي وان لم يكن يحظى بتأييد كبير في الشارع العربي باعتباره تنظيما ارهابيا وليس حركة مقاومة شعبية الا ان ممارسات الاصوليات الدينية اليهودية في اسرائيل والمسيحية – الصهيونية في الادارة البوشية تظل تمنح هذا التنظيم قدرا متزايدا من التعاطف – ان لم يكن التأييد – من اعداد متزايدة في الشارع العربي لمجرد انه يقف ضد امريكا واسرائيل. وحينما يظهر الظواهري في رسالته المتلفزة ويصف ما يحدث في لبنان على ايدي الجيش الاسرائيلي بأنه عمليات لا مثيل لوحشيتها في التاريخ في الوقت الذي يرى المشاهد العربي مشاهد خراب ودمار هائلة الاتساع لمدن وقرى آمنة كانت تعج بالسكان فمن منهم لن يتجاوب مع مقولته هذه؟ وهكذا تقدم الممارسات الامريكو- اسرائيلية كل ما تحتاجه الاصوليات الاسلامية من مبررات واسانيد في معركتها الاعلامية لكسب الوجدان العربي والاسلامي. وهو نفسه ما حول زعيم حزب الله الشيخ حسن نصر الله الى زعيم عربي واسلامي ينظر اليه اكثر من 300 مليون عربي مسلم بالاعجاب. طبيعة صراع الاصوليات لقد تماطل الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص في مساندة وفرض حل عادل للقضية الفلسطينية – قضية العرب الاولى- لأكثر من نصف قرن والآن هم يحصدون أشواك هذا الموقف الخاطئ اذ تتصاعد في اوجههم حركات الاصولية الاسلامية البديلة لكافة الانظمة المعتدلة والحركات القومية التي خذلوها والذي لم تفهمه الادارات الامريكية حتى اليوم انه بدون حل عادل للقضية الفلسطينية لن يحل سلام في الشرق الاوسط وستتزايد مع الوقت حركات الاصولية الاسلامية اتساعا وليس من المستبعد على هذا اندلاع حرب عالمية ثالثة ولكن من نوع جديد تكون فيها حركات المقاومة الاسلامية في عدد كبير من الدول العربية اولا ثم الغربية بعد ذلك طرفا اساسيا هلاميا يحارب بلا جيوش وبلا دول وبلا انظمة بشكل قد لا يختلف الا في التفاصيل عن حرب البرابرة التي اسقطت الامبراطورية الرومانية.
والذين يستغربون كيف يمكن لأحد أن يتحدث عن نصر حققه حزب الله في حربه ضد شعب الله، أقول ان المستضعف الذي يحارب باسم الدين لا يعرف معنى الهزيمة فهو يراها امتحانا قاسيا من قبل الاله وليس تخليا نهائيا عنه ولذلك يظل يعقد الامل على معركة اخرى ينصره الله فيها على اعداء الله. ويملك المحارب الاصولي ايمانا يجعله يرى كل شيء من طرف واحد فقط هو طرف المحارب باسم الله ضد اعداء الله. وحيث ان الله نفسه لا يمكن ان ينهزم لأنه الاكبر والاقوى فلا بد ان يكون النصر حليف عباده المؤمنين به. ولذلك لا يعترف المجاهد في سبيل الله بأية هزيمة مهما عظمت ويرى في مجرد وقوفه لفترة ولو صغيرة امام جحافل الظلم والشر نصرا ايما نصر بل وحتى اذا تمكن أعداء الله من تدمير المجاهد باسم الله تدميرا تاما والقضاء عليه جسديا فيظل منتصرا عليهم اذ يتحول الى شهيد أو اسطورة أو مثلا شعبيا أعلى فينتصر على اعدائه بعد موته. ولذلك انتصر المسيحيون على الامبراطورية الرومانية رغم صلبها للمسيح ودفنها له وتشتيتها لأتباعه اذ استطاع الايمان المسيحي بقيامة السيد المسيح في اليوم الثالث ان يهزم اعداءه الذين قتلوه ويعلو عليهم حتى دخل امبراطورها في المسيحية.
وهكذا ايضا انتصرت جان دارك الفتاة الفرنسية الجريئة التي استخدمت رؤاها الدينية لتحفيز ابناء جلدتها الفرنسيين لمقاومة الانجليز الذين كانوا قد احتلوا معظم انحاء فرنسا وبعد تحقيقها لعدة انتصارات ضد المحتلين على ضوء وقوف الملائكة والقديسين في صفها تآمر الانجليز واتباعهم في فرنسا عليها وقاموا بمحاكمتها والحكم بالاعدام حرقا عليها بتهمة الهرطقة، ولكنها اليوم تعتبر قديسة لدى الكاثوليك وبطلة شعبية لدى الفرنسيين العلمانيين.
المستضعف المحارب باسم الله اذن لا ينهزم وان الحق به عدوه الدمار الشامل اذ يظل في وجدان اتباعه بطلا شهيدا ويكسب المزيد من الاتباع بعد موته لذلك يرى الشرق العربي كله ان حسن نصر الله منتصر مهما كانت النتائج ولذلك تنهزم اسرائيل في صراعها مع قوى المقاومة على مختلف الوانها مهما واصلت ممارساتها الوحشية ضدهم لأن في كل قضية هناك حق واضح لدى طرف مظلوم ويظل هذا الحق قابعا في ضمائر واعماق هذا الطرف وكل مناصريه ولا يمكن القفز فوق هذا بالقوة او بالحيلة. وقد جربت اسرائيل ومن وراءها الادارات الامريكية كل ما في جعبتهما من قوى عسكرية مدمرة ومن حيل والاعيب سياسية عرجاء ولم يبق امامهما سوى تجربة مجابهة الواقع الصارخ بأن للفلسطينيين حق ضائع منتهب عليهم اعادته مع الاعتذار اللائق والتعويض العادل.
ولم تكن "مغامرة" حزب الله هذه سوى انتفاضا لنصرة الاخوة الفلسطينيين وما يتعرضون له من وحشية ترتدي ملابس المدنية والتحضر.
وما لم تحل القضية الفلسطينية حلا عادلا فنحن مقبلون على حرب الاصوليات الدينية التي ستشعل الحرب العالمية الثالثة. فرانسوا باسيلي
كاتب من مصر يقيم بنيويورك fbasili@gmail.com