حزب الله بين مطرقة الانتحار السياسي وسندان الاستشهاد الاستراتيجي

يخطأ من يعتقد أن ولا ء حزب الله هو لسوريا؛ ولاء الحزب لإيران وسيبقى كذلك. مواقفه السياسية وتحركاته العسكرية ما زالتا تنتظران في كل مرة مباركة الفقهاء الملالي، وموافقة "ولاية الفقيه".

نحن لا نأتي بجديد. فهذا اعتراف أصحاب الشأن أنفسهم، حيث قال السيد حسن نصرالله حرفيا منذ أربع سنوات: "أنا اليوم أعلن وليس جديدا، أنا أفتخر أن أكون فردا في حزب ولاية الفقيه،... نحن في لبنان لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرفه الجغرافيا ولكن الشرع الإسلامي".

احتدام الصراع ذو الصبغة الطائفية في سوريا دفع ببعض الأطراف الإيرانية وبحزب الله إلى التفكير الجدي، في المواقف المستقبلية للحفاظ على ما تبقى من مواقع سياسية وإستراتيجية لمحور الممانعة أو الهلال الشيعي في المنطقة من قبل أن تنقلب الأوضاع وتصير إلى ما لا تهواه دوائرهم، فما لا يحصل كله، لا يترك جزء منه. نظام طهران بدأ يلمس في الواقع تهاوي شعبيته، وشعبية حزب الله في الأوساط العربية في زمن الربيع العربي، مما يشكل انتحارا سياسيا في زمن التجييش العالمي ضد إيران بسبب برنامجها النووي.

تأخير مؤتمر الحزب الذي ينعقد عادة كل ثلاث سنوات، "لأسباب أمنية"، شكل جرس إنذار لدى دوائر إعلامية وسياسية واستخباراتية عديدة، لاستفحال الخلاف في صفوفه، وهو المعترف له بالانضباط القاعدي والقيادي من طرف الخصم قبل الصديق. فقد أظهر تقرير لجريدة "صنداي تلغراف" اللندنية المحترمة التي لها آذان عميقة لدى جهاز الاستخبارات البريطاني أن "حزب الله اللبناني، الذي يعد من أشد مؤيدي نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يخوض الآن نقاشا مريرا حول ما إذا كان الوقت حان لتغيير المسار" واستطرد التقرير بالقول: "بعض أعضاء حزب الله، بما في ذلك رجال دين، يخشون من أن يقود تأييدهم لنظام الأسد إلى جرهم لمواجهة خطيرة مع السنة في لبنان وسوريا، ويرون بأن وقف دعمهم له بات أمرا مستعجلا الآن لبناء علاقة جديدة مع السلطة السورية المقبلة". إذا كان يشكل طرف مهم من الجناح السياسي تمثيلا واضحا لهذا الموقف الجديد، يقف ضد هذا الطرح من جهة أخرى، جناح عسكري قوي في الحزب، في غالبيته ضده.

لقد شكل الصيام السياسي الإرادي لرئيس البرلمان اللبناني السيد نبيه بري، زعيم التيار "العلماني" للشيعة اللبنانيين، والواجهة الدبلوماسية المقبولة دوليا لكافة الشيعة اللبنانيين، مؤشرا للتحول في المواقف لدى الكثير من الشيعة اللبنانيين، ورسالة ضمنية بأن ما يفعله النظام السوري لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال، خطابات في مناسبات بين الحين والآخر قد توحي بالعكس، هي أكثر دبلوماسية منها سياسية. كما شكل تراجع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على التأييد العلني للنظام السوري بعد أن فعله في بداية الأزمة، كذلك معلما من معالم تغير الموقف وحالة الترقب في صفوف شيعة لبنان، حتى النظام السوري، صار لا يثق كثيرا في أوليائه الشيعة اللبنانيين، صار أكثر ثقة بمسيحيين موالين، أمثال مشال سماحة أو قوميين مؤيدين مثل جميل السيد أو دروز متحالفين مثل السيد وئام وهاب لتنفيذ أجندات النظام الخاصة.

ظاهر أن السيد وليد جنبلاط، الثعلب الحاذق في الشأن السياسي، له أكثر من معلومات أكيدة وتسريبات متينة، تجعله يتشبث "بالحليف الشيعي" وبحكومة ميقاتي، رغم الاختلافات السياسية المعلنة، ولعله يعرف بعض ما يقال في الأوساط الشيعية اللبنانية في الكواليس والسرية، ما لا يحبذ الإعلان عنها في الظروف الحالية.

وبين الإشاعات والحقائق، يبدو أن حزب الله اللبناني في وضع لا يحسد عليه، فهو بين حلين، أحلاهما مر: فإما أن ينتحر سياسيا بتأييده للنظام السوري الذي يبدو أنه يتهاوى، ليس بفعل ضربات المعارضة، وإنما بفعل نوايا رفع اليد الإيرانية عن الحليف، وإما أن يستشهد بوقوفه في صف المظلوم، فيفتقد دعما سوريا عظيما شكل السبب الرئيسي لهيمنته على الساحة السياسية اللبنانية لسنوات، فيخسر قوته لكنه يحفظ ماء الوجه لشرفه، ويحفظ السلم الأهلي اللبناني، والتواجد الشيعي في بحر تواجد أهل السنة.

عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

Amidz29@yahoo.fr