حزب العمال الكردستاني والخيار الافضل

جرب حزب العمال كل الاساليب الثورية في الصراع. حان الوقت لإعادة النظر.


الحملة التركية الحالية في شمال العراق تجري بضوء اخضر اميركي


حزب العمال الكردستاني اصبح مكشوفا ومعرضا لهزات سياسية وعسكرية كثيرة


الجزء السوري من كردستان في حالة صيرورة وتشكيل تتطلب توخي الحذر في التعامل معه

المتابع للتطورات الاخيرة في المنطقة وما رافقها من متغيرات في الملف الكردي، يصل الى قناعة مفادها ان هذا الملف وصل الى مفترق طرق مفتوح على كل الاحتمالات، تعتمد نتائجه على نجاعة الاداء الكردي، وقدرته على التعامل مع التحديات الراهنة بحرفية وحكمة. ورغم ايماننا بخصوصية كل جزء من كردستان، لكن هذا لا ينفي تاثر كل جزء بالتطورات الحاصلة في بقية اجزاء كردستان سلبا او ايجابا.

وفي الوقت الراهن فان الجزء السوري من كردستان يمر بحالة صيرورة وتشكيل تتطلب من جميع الاطراف الكردية توخي الحذر في التعامل معه، ومن بين هذه الاطراف حزب العمال الكردستاني، الذي استحوذ على القرار الكردي في سوريا بشكل كامل رغم السلبيات التي تسبب بها هذا الاستحواذ. لذلك فهو مطالب اكثر من غيره باتخاذ قرارات تاريخية مهمة ليس من اجل مصلحة ذلك الجزء فحسب، بل من اجل ان يخرج حزب العمال من الوضع الذي اوقع نفسه فيه سواء في تركيا اوالعراق او سوريا باقل الخسائر. فمن الواضح ان حزب العمال يعاني من مشاكل داخلية، ومحلية كردية، واقليمية وحتى دولية، كان سببها الخطوات الخاطئة التي انتهجها طوال ما يقارب الاربعين سنة من تأسيسه، هذه المشاكل تتطلب منه مراجعة شاملة لتوجهاته والطريقه التي يدير بها صراعه في المنطقة.
 

الاخطاء التي رافقت مسيرة العمال الكردستاني

1- بعد ان تهاوى سقف اهداف العمال الكردستاني من استقلال كردستان الكبرى، الى الديمقراطية لتركيا كاضعف الايمان اصبح لزاما عليه الاجابة على التساؤل المشروع التالي: لماذا نقاتل؟

فتطبيق الديمقراطية وترسيخها لا يستوجب حمل السلاح والقيام بثورة مسلحة في دولة تقام فيها انتخابات ولديها برلمان وعملية سياسية مثل تركيا (رغم تحفظات البعض عليها)، ووجود حزب الشعوب الديمقراطي (المقرب من العمال الكردستاني ) في ذلك البرلمان قدم للشعب الكردي اكثر ما قدمه العمال الكردستاني من خلال البندقية. وبما ان العمال الكردستاني تنازل عن طرحه القومي وتبنى فكرة الشعوب الديمقراطية، فلماذا لا يسلك طريق حزب الشعب الجمهوري التركي بقيادة كمال قليجدار، الذي يعارض هو ايضا حزب العدالة والتنمية ويحارب من اجل الديمقراطية كما يحارب من اجلها العمال الكردستاني، لكن من داخل قبة البرلمان التركي، دون رفع السلاح ضده، مع انه يتعرض للكثير من الضغوطات.

غالبا ما يؤكد العمال الكردستاني بان احتفاظه بالسلاح يعزز تأثير حزب الشعوب الديمقراطي في الحياة السياسية في تركيا، بينما يثبت الواقع عكس ذلك. فقد نجحت حكومة التنمية والعدالة باحالة الكثير من برلمانيي الشعوب الديمقراطي الى المحاكم تحت ذريعة دعمهم للعمال الكردستاني. لذلك فالوجود المسلح للعمال الكردستاني اثر سلبا على النفوذ السياسي الكردي في تركيا وليس العكس.

2- طوال ما يقارب الاربعين سنة الماضية حارب العمال الكردستاني الدولة التركية بايدلوجيات مختلفة بدأت من فكرة كردستان الكبرى وانتهت بفكرة الكانتونات وديمقراطية الشعوب، ومن الفكر اليساري الليبرالي الى فكر ضبابي يساري راديكالي، غير مدرك بان القفز بين الايدلوجيات بانحنائات حادة تخلق جوا من العشوائية لدى مؤيديه تزعزع ثقتهم بقدرة حزبهم على تحقيق طموحاتهم التي يحاربون من اجلها، وقد تخلى الكثير من العناصر المسلحة او التنظيمية عن الحزب لادراكهم بعدم جدوى ما يحاربون من اجله.

3- في الوقت الذي استمر فيه العمال الكردستاني بقتاله مع تركيا، فتح جبهة جديدة في كردستان سوريا، كانت جبهة عسكرية في البداية ثم ما لبثت ان تحولت بعد القضاء على داعش الى جبهة سياسية تتعامل مع واقع سياسي سوري غاية في التعقيد والتشابك، لدرجة ان الكثير من الدول الاقليمية المؤثرة غادر الساحة السورية، بينما بقي العمال الكردستاني يتعامل مع هذا الواقع المعقد بالرغم من كونه جهة عسكرية غير مهيئة سياسيا لهذا الدور، فاصبح مكشوفا ومعرضا لهزات سياسية وعسكرية كثيرة، رأينا نتائجها في التوغل التركي في اراضي كردستان سوريا.

4- رغم ما اوضحناه في النقطة الثالثة اعلاه استمر العمال الكردستاني بالاستفراد في السيطرة على الوضع السياسي والعسكري لكردستان سوريا، رافضا اشراك القوى الكردية الاخرى، ادى ذلك الى توتر علاقاته مع الاحزاب الكردية الاخرى ومع شريحة واسعة من الشارع الكردي، مما اضعف الموقف الكردي في سوريا.

5- بعد مضي ما يقارب الاربعين سنة على تأسيس العمال الكردستاني لا يزال يتبنى النظريات اليسارية في قيادة الثورات، رغم ان استيراده لنظريات جاهزة وتطبيقها في بيئة غريبة عنها وغير مهيئة لها افقده قوة التأثير في الشارع الكردي المحافظ في تركيا، فاسحا المجال لحزب التنمية والعدالة في استثمار هذه النقطة لصالحه وتقديم نظريته الاسلامية القريبة من نبض شعوب المنطقة المحافظة، وقد نجح في الحصول على تاييد شريحة واسعة من الكرد على حساب حزب العمال الكردستاني الذي ظل متمسكا بالنظريات اليسارية الجاهزة، بينما كان الاولى به استنباط افكار ونظريات سياسية خاصة به حسب المجتمع الذي يتحرك خلاله والظروف المحيطة به.

6- ينبغي الاشارة الى نقطة غاية في الاهمية ساهم بتسويقها الاعلام الغربي، وانخدع بها العمال الكردستاني ودفع ثمن تصديقه لها، وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه صدام حسين وبن لادن وتقع فيه الحكومة الايرانية حاليا، وهي المبالغة في تصوير القوة والامكانيات، وايهامه بالقدرة على تحقيق التغير من خلال الذات الحزبية او المنظماتية. فقد عمل الاعلام الغربي في فترات كثيرة على تسويق قوة حزب العمال الكردستاني العسكرية والتنظيمية، وكان هذا التسويق الاعلامي الغربي في تصاعد ونزول طرديا مع حدة الصراع السياسي بين الغرب وتركيا. ويبدو ان العمال الكردستاني قد تقمص هذا الدور، وتصور انه القوة الكردية الوحيدة المؤثرة على الساحة، وان بامكانه تحقيق الكثير من المكاسب السياسية والعسكرية ضد تركيا. وبذلك وقع بنفس المطب الذي وقع فيه الكثير قبله، فاخذ يتعامل بفوقية شديدة مع بقية الاحزاب الكردية في اجزاء كردستان الاربعة، رغم ان الكثير من الاحزاب الكردية الاخرى قد حققت ما لم يحققه العمال الكردستاني طول مسيرته.

لا نستطيع انكار ان هذه الهالة الاعلامية الكبيرة افادت العمال الكردستاني في انضمام الكثير من الشباب الكردي له في فترة من الفترات، الا ان هذه النظرة الفوقية افقدته البوصلة، ومنعته من الاندماج مع الواقع السياسي الكردي، فبقى في برجه العاجي وحيدا يغرد خارج السرب الكردي مما اثر عليه سلبا في النتيجة.

رغم ما ذكرنا اعلاه من اخطاء وهفوات تكاد تفقد العمال الكردستاني تأثيره في المنطقة، فلا يزال امامه فرصة سانحة قد تكون الاخيرة لانقاذ ما يمكن انقاذه عن طريق مراجعة شاملة لمسيرته بواقعية بعيدا عن التنظير، ودراسة الظروف الدولية والاقليمية وموقع الملف الكردي من هذه الظروف.

فتركيا اليوم تعيش وضعا سياسيا استثنائيا يمكن استغلاله بشكل من الاشكال، بعد ان تضخم عندها الطموح لان تتحول الى قوة اقليمية مؤثرة، ويبدو هذا جليا في محاولاتها التدخل في بعض دول المنطقة ابتداءا من سوريا ومرورا بالعراق وليبيا وانتهاءا بتدخلها في الصراع الاذربيجاني الارمني، ولسنا هنا بصدد تقيم التوجه التركي هذا، بقدر ما يهمنا دراسة ما يمكن تحقيقه للملف الكردي من خلال هذه التطورات.

هذا الطموح التركي يحتاج الى وضع داخلي مستقر سياسيا، واي خطوة من قبل العمال الكردستاني على طريق التهدئة مع الحكومة التركية سيقابل ايجابيا من الجانب التركي، خاصة ان كانت الخطوة الكردية تصل حد تخلي العمال الكردستاني عن الكفاح المسلح، وتحوله الى العمل السياسي داخل تركيا، كذلك اعلانه عن سحب يده من كردستان سوريا، ضمن اعلان واضح وصريح بذلك.

قد يتبادر الى ذهن القارئ ان ما نقوله هنا لا يمكن للعمال الكردستاني حتى مجرد التفكير فيه، غير ان المنطق السياسي للتطورات يوحي بان هذه هي الخطوة الاكثر عقلانية في هذه المرحلة، والتي ستكون لصالح الملف الكردي في العراق وسوريا وحتى في تركيا على المدى البعيد. فيجب ان لا نتغافل عن التطورات السياسية الكردية في سوريا وبدء الاهتمام الغربي والاميركي بالموارد النفطية والطبيعية لكردستان سوريا، والذي تكلل اخيرا بعقد الادارة الذاتية اتفاقا مع شركات نفط عالمية لاستثمار الثروة النفطية في شرق سوريا، هذا التوجه الاميركي الغربي الاخير لن يعطي المجال للعمال الكردستاني في الاستفراد بالملف الكردي السوري مثلما كان عليه في السابق، فنمو مصالح اقتصادية اميركية في منطقة الادارة الذاتية سيدفع بها للتفكير جديا بتهدئة الوضع السياسي في تلك المنطقة، ووجود تأثير العمال الكردستاني فيها يجهض محاولات التهدئة هذه وتثير حفيظة تركيا، وبالطبع فان اميركا ليست بصدد التضحية بمصالحها الاقتصادية والامنية والسياسية مع تركيا والادارة الذاتية شرق سوريا من خلال معادلة لا ارى للعمال الكردستاني مكانا فيها، يعزز ذلك تنامي بديل كردي سوري تستطيع الاعتماد عليه المتمثل بجناح الجنرال مظلوم كوباني. وفي رأيي حتى الحملة التركية الحالية على مواقع العمال الكردستاني في المناطق الحدودية بين اقليم كردستان وتركيا هي بضوء اخضر اميركي يهدف الى اضعاف تاثير هذا الحزب في الداخل الكردي السوري وكذلك تحييده تركياً.لذلك فمن الضروري على العمال الكردستاني الهروب خطوة الى الامام واعلان فك ارتباطه عن الداخل السوري لاعادة ترتيب اوراقه مع الغرب فيه، ثم الاعلان عن رغبته في القاء السلاح والمشاركة في الحياة السياسية في تركيا مثله مثل اي حزب تركي اخر، وبذلك سيتمكن من الدخول بـ"باكج" كامل في المشروع الذي تتضح ملامحه الجديدة في المنطقة، والذي يربط اقليم كردستان مع مناطق الادارة الذاتية في كردستان سوريا من خلال الثروة النفطية.

هناك الان قواسم مشتركة كثيرة بين اقليم كردستان وكردستان سوريا، تعززها المصالح المشتركة بين الجانبين فيما يخص ربط حقول النفط في المنطقتين بالعالم، اما عن طريق تركيا، او عن طريق سوريا باتفاق اميركي كردي وبتنسيق سوري، كما اشرت الى ذلك في مقالات سابقة.

وفي كلتا الحالتين فان تصفير المشاكل الكردية مع تركيا في المنطقة ستصب في صالح الاجزاء الثلاث من كردستان.. في العراق وسوريا كاقليمين اداريين، وفي كردستان تركيا من خلال عملية سياسية قد تساهم في تهدئة الوضع السياسي في المناطق الكردية في تركيا تمهيدا لاعمارها وتطويرها.