حزب الدعوة 'العربي الاشتراكي'

بقلم: إبراهيم الزبيدي

من الوثائق التي نشرها موقع ويكيليكس محضرٌ أعدته السفارة الأميركية في القاهرة عن لقاء عقد في أيار/مايو 2008 بين الرئيس المصري حسني مبارك ووفد من البرلمانيين الأميركيين، جاء فيه أن مبارك عرض تصوره لتحقيق الاستقرار في العراق بعد خمس سنوات من سقوط صدام حسين، فنصح الأميركان قائلا "عززوا القوات المسلحة (العراقية)، وخففوا قبضتكم، وعندئذ يحدث انقلاب عسكري، وسيكون لديكم دكتاتور، ولكنه عادل".

فإن صحت هذه الوثيقة فإن الرئيس المصري لفَّ عباراته عن العراقيين بالسلوفان، وعطرها قليلا، فوصفهم بأنهم ذوو طباع حادة، ولم يستخدم، كغيره من العرب، مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي التي وصفهم فيها بأنهم أهل شقاق ونفاق.

فقد رسخ هذه الصورة عن العراقيين في أذهان العرب ما مر به العراق من مذابح، على مر التاريخ، سُفكت فيها دماء غزيرة، وقُطّعت رؤوس عديدة، وعُلقت جثث كثيرة. ثم جاءت الانقلابات العسكرية، في عصرنا الحديث، وما رافقها من تصفيات وعمليات حرق ونهب لتجعل هذه الصورة المتوارثة عن العراقيين شيئا من الثوابت التي لا يمكن محوها من عقول الآخرين.

والرئيس المصري الذي قال عن العراقيين إنهم ذوو طباع حادة أراد أن يقول إنهم متمردون مشاكسون لا يصلحون للديمقراطية، ولا يصلح لقيادتهم إلا ديكتاتور. لكنْ فاته أن حكامه انتهوا جميعا، إما شنقا أو دهسا أو خنقا أو إعداما بحبل أو برصاص، سواء أكانوا أشداء وجزارين بامتياز، أم مسالمين ومداهنين. وسواء أيضا أؤلئك الذين وردوه من الخارج، أيام العباسيين والتتار والعثمانيين والصفويين، أو الذين نبتوا فيه من الداخل.

كل هذا صحيح وثابت ولا جدال فيه. لكن الواقع المعاش اليوم في العراق أثبت عكس ذلك تماما. فالعراقيون تغيروا كثيرا، وصاروا أكثر شعوب الأرض استكانة وخنوعا وسكوتا عن الظلم والظالمين.

ولعل المصائب التي أنقضت ظهورَهم قتلت فيهم روح المشاكسة والمكاسرة، وزرعت مكانها المسايرة والمداهنة، وحولتهم إلى جموع هائمة تسير وهي نائمة، تسوق العصا بعضَهم، وبعضُهم الآخر تحركهم المنافع الٌعاجلة أو كسرة ُالخبز النافعة، أو الرشوة ٌبمال أو بوظيفة يلوح بها سياسي محترف أو رجل دين ترك مسجده وحسينيته واقتحم السياسة لأنها أوفر ربحا وأكثر من غيرها وجاهة.

إن العراقيين اليوم تابعون، دون بصر ولا بصيرة، لمتاجرين بالطائفة والعشيرة والمدينة، وساكتون عما أنزله أو ُينزله بهم من كوارث ومصائب زعماءُ المصادفة الذين جادت بهم غباوة بوش، وشـَد من أزرهم عمى بايدن ومن لف لفهما من السياسيين والعسكريين الأميركيين الجهلة أو الخبثاء. ثم جاءت دولة الولي الفقيه وطوابيرُها النائمة والقائمة معا فعززت ديمقراطية "طنّش عني أطنش عنك"، في عراقنا الجديد.

لقد أخطأ الرئيس مبارك في اثنتين، الأولى حين نصح الأميركان بتعزيز الجيش وإعانته على القيام بانقلاب عسكري يضع في القصر الجمهوري ديكتاتورا آخر من جديد.

فلم يعد في العراق جيش واحد يمكن أن يُسيره زعيم أوحد، أو مجموعة من "الضباط الأحرار" للقيام بذلك الانقلاب. فالجيش اليوم جيوش متعددة متنافرة أرسل كلَ واحد منها حزب من المتحاصصة يتغنى بالديمقراطية، ويتشدق بالعدالة والوطنية، وهو من كل هذا براء. ويمكن التأسيس على هذا بالقول إن عصور الانقلابات العسكرية قد انتهت في العراق، من الآن وإلى أن يشاء الله.

والثانية حين اعتقد بأن في الإمكان العثورَ، في الدنيا كلها، على ديكتاتور واحد عادل وعاقل وحكيم يصلح لقيادة العراقيين اليوم، خصوصا بعد كل الذي جرى، وكل الذي يجري في هذا الوطن الحزين.

والعدالة، من أيام هود وعاد، مسألة ٌنسبية تتغير مفاهيمها من جيل إلى جيل، ومن بلد إلى آخر، ومن شريحة إلى أخرى من أبناء آدم وحواء.

فعدلُ حسني مبارك الذي يبشر به جميعُ مناصريه ومؤيديه ومحازبيه يُصبح في اعتقاد ملايين الفقراء المصريين ظلما فادحا وفسادا مقيما واحتكارا صارخا للسلطة والثروة وانتهاكا فظيعا لشرائع الله وعباده الصالحين.

صدام حسين، مثلا، حين كان يحيي أو يميت، حسب قناعته ووفق مزاجه ورأيه ومعاييره، وحده، كان رفاقُ دربه وفدائيوه وأفرادُ حرسه الجمهوري ومخابراته يعتقدون، بقوة وإصرار، بأنه أعدل العادلين، وأنه هو الوطن والوطن هو، ومن يقتله من العراقيين، اغتيالا أو تذويبا في الأسيد أو بقطع اللسان، كافرٌ بالوطن، وخائن لشعبه، وموتـُه ضرورة وطنية ملحة، وضمانة أكيدة لبقاء الوطن وحمايته وحماية أهله وقائده الأمين. لكنه في نظر ملايين الآخرين ديكتاتور أحمق وغبي ومهووس بنفسه ومجنون موهوم بأن الله اختاره لإصلاح الكون وتطهيره من الخونة والمارقين.

وهكذا كان أباطرة التاريخ كلهم، من أيام الاسكندر وقيصر وكسرى، وصولا إلى معاوية ويزيد والحجاج وأبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد وهولاكو.

بالمقابل نحن نرضى بديكتاتورية من النوع المخفف والمحاصر بكثير من القيود والحدود/ وعديد من الرقباء والمحاسبين والجواسيس. والعراقيون اليوم بحاجة إلى حاكم عسكري بمواصفات حسني مبارك نفسه، رغم كل ما يقوله معارضوه عنه وعن حكمه وحزبه وخليفته الوريث.

وكنا نظن أن نوري المالكي هو ذلك الديكتاتور العادل، وأن حزبه هو الحزب الذي لا نمانع في أن يقود.

ولكن الذي جرى منذ إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة وإلى يوم المائدة البرزانية المستديرة، كافٍ لإقناعنا بأن في ثياب السيد المالكي صداما آخر أشد بطشا، وأكثر شهوة للسلطة، وأكثر إصرارا على ممارسة الحكم بروح القائد الملهم الذي يرفض المشاركة والمكاشفة والمحاسبة من أي ٍكان من رفاقه المتحاصصين. فهو وحده الأشجع من الآخرين، والأكثر فهما وعلما، والأحق منهم جميعا بالقيادة والزعامة.

أتقن المناورة والمحاورة لترغيب خصومه الأشداء، وترهيب أعدائه الضعفاء. ومن حوله حاشية واسعة من بعض التابعين الموهوبين بالقدرة على شم رائحة المنفعة من بعيد، يجاهدون جميعا في تمجيده وتلميعه وتمهيد الطريق له ولحزبه لوراثة السلف الراحل، وفرض سلطة الحزب الواحد، شيئا فشيئا لنعود مرة أخرى إلى سلطة الحزب القائد والقائد الضرورة.

فكل شيء لحزب الدعوة. فإذا أعيتك السبل في أمر من الأمور فعليك بواحد من الحزب القائد ليفتح لك الأبواب المغلقة. وهو فاعل ما كان يفعل سلفه، في بداية عهده بالقيادة. يحالف هذا ليضرب ذاك، ويجتث "سينا" ليكسب "صادا". والدائرة تدور ولن تتوقف حتى نرى المالكي وقد وضع على رأسه عمامة أمير المؤمنين.

المقدس هو الكرسي. تماما كصدام حسين. فمن يخدم ذلك الكرسي ويحرسه ويمد في عمره، شيعيا كان أو سنيا، عربيا أو كرديا، مسلما أو مسيحيا، يكون من المقربين المعززين المكرمين، ومن تسول له نفسه المساس بقدسيته وقدسية الجالس عليه فليس له سوى السياط. والتهم كثيرة وجاهزة لاستخدامها عند الحاجة الوطنية العليا المقدسة.

صحيح أن مائدة أربيل المستديرة فرضت عليه أن يضغط على فرامله، ويتراجع قليلا عن نرجسيته، ويخفف من سرعة اندفاعه نحو التفرد بالسلطة والثروة، إلا أننا نظن، وبعض الظن إثم، أنها استراحة محارب، وانحناءة عابرة من رجل طموح أمام عواصف طارئة جاءت بها السياسة ومعاركها التي تفرض على لاعبيها، بين الحين والحين، ضرورة الكر والفر، في انتظار الفرصة السانحة.

مبكرا ومن الساعات الأولى التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات الماضية توقعنا خروج منافسيه من اللعبة خاسرين، وقلنا إن الساحة خالية من البديل القوي الخالي من المآخذ والعيوب القادر على منافسة المالكي، ومن خلفه أميركا وإيران، وأنه سينتصر في النهاية على الجميع.

فها هو خصمه العنيد أياد علاوي أخرج من الطبخة خالي الوفاض، ويوشك عقد القائمة العراقية أن ينفرط، بمجرد أن لوح المالكي لبعض قادة مكوناتها بمناصب وزارية أو بمكاسب أخرى مغرية. ومقتدى الصدر وتابعوه تراجعوا عن خصومتهم معه، وجاؤوه نادمين مباركين. وعمار الحكيم يتضاءل هو ومجلسه، يوما بعد يوم، ويسير حثيثا نحو المقاعد الخلفية بهدوء، ملقيا بمفاتيح الائتلاف الوطني في حضن الزعيم الصاعد وحزبه القائد، دون سواه.

هذا كله في العراق العربي. أما العراقُ الكردي فليس لأحد سلطانٌ عليه بعد اليوم، لا من قريب ولا من بعيد. فالقادة الكرد أصبحوا سادة في عراقهم الصغير، وسادة في عراقنا الكبير، ولن تمسهم بعد اليوم يدٌ بشيء. فالمالكي فهم المعادلة، وآمن بها، فأعلن تراجعه لقادة كردستان عن كل ما كان ينكره عليهم، ويشاكس في تحقيقه من مطالبهم، طيلة عهد وزارته السابقة. بالمقابل هم لا يعارضون تفرده بالسلطة، ما دام مشدودا بحزامهم، داخل قمرة القيادة. كافل ومكفول، ناسخ ومنسوخ.

من شطارته المفرطة أنه جمع الصيف والشتاء على سطح واحد، وجعل الخصمين اللدودين، أميركا وإيران، تصران عليه، وتفرضانه على الآخرين.

وهو لن يتردد في مد حبل الود بينه وبين السعودية وسوريا وغيرهما إن استطاع، مادام ذلك يصب ماء باردا على علاقاته الساخنة السابقة، ولو إلى حين، ويسحب البساط من تحت أقدام خصومه الموالين لهذه العاصمة أو تلك.

وبين هذا وذاك سيمضي هو وحواريوه في احتلال المتبقي من الدولة العراقية، قطعة قطعة، ونشر جناحيه عليها، في السنوات القادمة، بصمت وهدوء. ومن الآن وحتى موعد الانتخابات التالية سيكون قد وضع في جيبه مفاتيح الوطن كلها، ومَلك َرقابَ أهله أجمعين.

وغدا، وإن غدا لناظره قريب، سنفيق، بعد فوات الأوان، وبعد وقوع الفاس في الراس، لنجد أن حزب الدعوة صار "حزبَ الدعوة العربي الاشتراكي"، ونوري باشا المالكي، شئنا أم أبينا، قائدَه الضرورة َالجديد.

وسيعود العراقيون، كسابق عاداتهم، يتطلعون إلى القادم المغامر الجريء الذي سيتقحم القصر الجمهوري، ذات صباح أو مساء، فيهدُه على رأس ساكنيه، ويعلق على المشانق الجديدة ملك الزمان الساقط وأعوانه المقربين.

إبراهيم الزبيدي