حزب البعث، ضمور وتلاش أم عودة

بقلم: إبراهيم الزبيدي

ملاحظة مهمة أثبتها الزمن عن تميز حزب البعث، أكثر من غيره من الأحزاب العربية الأخرى، بالعنف والخشونة بدل السلوك الديمقراطي الحضاري الذي يميل إلى اعتماد قوة الفكر والعقيدة وسيلة للإقناع، داخل تنظيماته وبين أعضائه، أو مع خصومه الخارجيين، على حد سواء.
وباستعراض أسماء الذين تسلقوا سلم الدرجات الحزبية القيادية، منذ أوخر الأربعينيات وإلى اليوم، وبلغوا مواقع متقدمة فيها، بسرعة غير اعتيادية، يتبين أن مواهبهم في الشتم والضرب بالعصي والسكاكين وبالشاي المسموم كانت هي جواز مرورهم نحو درجات حزبية أعلى. وقد أصبح عرفا سائدا في الحزب أن البعثي الجدير بالثقة والتكريم من قبل قادته ومسؤوليه الحزبيين هو الصدامي الجريء الصلب العنيف. وهي صفات رجولة في نظر الرفاق.
أصبح هذا ديدن البعثيين من قبل أن ينتزعوا السلطة بالقوة في 1963، وبعد أن فقدوها، بالقوة أيضا، على يد عبدالسلام عارف ورفاقه العسكريين البعثيين الذين انقلبوا على حزبهم فيما أسماه البعثيون أنفسُهم بـ "ردة تشرين"، ثم بعد عودتهم إلى السلطة مجددا، وبالقوة ومعها الخديعة هذه المرة، في 1968، ثم بعد أن فقدوها أخيرا، ونهائيا، بدبابات الغزو الأميركي، وبالقادة الذين أنعم عليهم الاحتلال فنصّبهم ورثة لحزب البعث ورئيسه القوي صدام حسين.
فأنت لا تستطيع الاختلاف معهم في رأي أو موقف. و"تـَسبُّ العنبَ الأسود" لو ذكرت أحدا من قادتهم بحسناته وسيئاته الثابتة المعروفة التي لا يمكن سترها أو إنكارها. وإن فعلت فسوف تتلقى منهم طوفانا من صفات العمالة والخيانة والرجعية والفساد الخلقي والنفسي والاجتماعي والثقافي. ويشهد لهم الجميع بالعبقرية في اختراع الجديد المبتكر من الشتائم والإشاعات والقصص المفبركة التي لا تخطر إلا على بال الشياطين.
أستثني منهم قلة من بعثيين مثقفين ومحترمين من ذوي الفكر الحداثي، والدماثة في الخلق، والرقة في الحوار. ولكن هذه القلة كانت وظلت مهمشة ومنبوذة من قبل البعثيين الآخرين الذي تربوا على ثقافة المكاسرة والمقاتلة وكسر العظم وقطع الأنفاس وإزهاق الأرواح.
ويتذكر العراقيون، في أواسط الستينيات، حملتهم على رئيس الوزراء آنذاك طاهر يحيى، وإشاعاتهم التي كانوا ينشرونها عنه بين الناس، وخاصة ما يتعلق منها بذمته المالية، وإصرارهم على تكرارها، حتى صدقها الناس، وراحوا يسمونه "فرهود" أو "حرامي بغداد". ثم دار الزمن، وعاد البعثيون إلى السلطة في عام 1968، وكان أول ما فعلوه أن ألقوا القبض على طاهر يحيى، وأذاقوه أبشع أنواع التعذيب والإهانة والإذلال. ولأنهم كانوا يريدون إدانته بالرشوة وسرقة المال العام، بأية ذريعة، فقد عجزوا عن انتزاع أي اعتراف منه بشيء من ذلك. ثم نبشوا كل مؤسسات الدولة ووثائقها وأوراقها، واعتقلوا كل من كان على صلة به أو بأحد من أسرته، لعلهم يعثرون على أي دليل يثبت عدم براءته من الرشوة والفساد، حتى لو كان تافها وصغيرا، فلم يوفقوا. وتأكد للعراقيين، بعد ذلك، أنه كان نزيها لا يملك سوى راتبه، وسوى داره التي بناها بحُـر ماله، أيام خدمته العسكرية، وكانت جريمته الكبرى أنه كان خصما عنيدا للبعث، ولصدام حسين وإخوته بشكل خاص.
إن هذه العلة التي طبعت شخصيات أغلب البعثيين هي التي جعلت من حزب البعث ساحة للاقتتال بين قادته، وبين أجنحتهم المختلفة المتصارعة. حتى أن بعض معاركهم مع رفاقهم الآخرين انتهى بالذبح والتسميم والاغتيال، أو بالتشهير وتشويه السمعة بفضائح متعلقة بالشرف أو السرقة والاختلاس، حقيقية كانت أو ملفقة.
ولا ينفرد بعث العراق بذلك وحده، بل ينطبق ذلك على بعث سوريا أيضا. والشواهد كثيرة على حوادث الاغتيال والاختطاف والسجن والتعذيب التي أصبحت صفة لازمة لقيادة الحزب في دمشق تتعمد نشرها وإشاعتها لردع معارضيها والموالين لها داخل سوريا، ومع الأفراد والأحزاب والحكومات، خارجها. فمـَن ينكر أن نظام البعث السوري، منذ أوائل عهده وإلى اليوم وسيبقى كذلك إلى يوم نهايته، يعتمد سياسة اللعب على أزمات المنطقة واستثمارها، وعلى اختلاق المشاكل وإشعال الحرائق وإثارة المتاعب في المنطقة، من أجل ابتزاز الحكومات الغنية وإجبارها على دفع الجزية، وهي راغمة. والمحزن أن تلك التصرفات المعيبة تتحول في إعلام النظام وعلى ألسنة مسؤوليه وقيادييه إلى نضال وصمود وتصدي ودفاع عن شرف العروبة والكرامة القومية المقدسة.
ويُفسر المحللون السياسيون العرب والدوليون سببَ جنوح البعثيين إلى العنف والخشونة والقسوة والتحدي والعنجهية بأن حزب البعث لم يقم على أساس المطابقة بين النظرية العقائدية الفكرية وبين التطبيق، بل وفق مقولة ميكافيلي الشريرة الانتهازية، "الغاية تبرر الواسطة". فالوحدة والحرية والاشتراكية أهداف نبيلة وسامية وجديرة بالاحترام، لكنها لا تتحقق إلا بمناضل نبيل وسامي وجدير بالاحترام أيضا. فالعقيدة والسلوك وحدة متماسكة متكاملة غير قابلة للتجزئة. والفرق شاسع بين حزب متحضر يقوده متحضرون وملتزمون بالسلوك الديمقراطي الذي يحترم الرأي والرأي الآخر، ويعتمد الحوار بالبينة والحجة، داخل تنظيماته ومع أعضائه، على اختلاف درجاتهم الحزبية ومواقعهم فيها، ومع القوى والأحزاب والتيارات السياسية المنافسة الأخرى، وبين حزب قام على فكرة الانقلاب والسطو على السلطة واغتصابها بالقوة والغدر والخديعة، والفتك بالمعارضين.
لذلك، فحزب البعث، منذ بداياته، كان أكثر الأحزاب العربية والعراقية تعرضا للانشقاق والاحتراب والشللية، على مستوى قيادته القومية، أولا، وعلى مستوى قيادات فروعه القطرية المختلفة ثانيا. وفي العراق بوجه خاص تعرض حزب البعث للتفتت السريع، حتى في بداياته المبكرة، وتحول إلى كتل وشلل متصارعة يتربص بعضها ببعض، ويتآمر فريق منها على فريق، ويتحين الفرص للانقضاض عليه وطرده والاستحواذ على مكانه في القيادة.
ومن خلال متابعة الصراعات والخلافات الدامية التي عصفت بالحزب في بداياته الأولى، على المستوييْن القومي والقطري معا، يتضح لنا أن الديمقراطية لم تكن موجودة إلا في بيانات الحزب وأدبياته، وأن كل أنواع الحوار بين أعضاء القيادات العليا والمتوسطة والدنيا كانت تتم بروح التسلط والدكتاتورية المُغـلّـفة بألفاظ الحرية والديمقراطية والروح الرفاقية.
فالقائد المؤسس ميشيل عفلق، نفسُه، جعل حزب البعث، منذ بداية تأسيسه، بيتا عنكبوتيا مغلقا بإحكام، واحتكر لنفسه وحده القيادة والعلاقات الداخلية والخارجية، والتوجيه السياسي والفكري، وصلاحية اتخاذ القرارات الحاسمة، والتصميم المسبق لنتائج انتخابات المؤتمرات الحزبية المتعاقبة وقراراتها.
وكان من الطبيعي أن تتوالد الكتل والتيارات الجريئة التي تختلف مع القائد المؤسس نفسه، وتتآمر عليه، في الوقت الذي يحاول هو أيضا إبعاد خصومه والتنكيل بهم، بالأساليب التآمرية ذاتها، وفي حالات عديدة بأساليب التآمر الدموي اللا أخلاقي ذاته.
ويروي خالد علي الصالح، عضو القيادة القطرية في العراق، في مذكراته عن الخلاف وكيف تأزم بين عفلق وفؤاد الركابي مع قيام 14 تموز، ومشاركة البعث في الحكومة بشخص الركابي. وكان سبب الخلاف هو تناقض موقف عفلق من الوحدة. فقد حل فرعَ الحزب في سوريا، دون أن يراجع الفروع الأخرى. وحين تبنى فرع الحزب في العراق مسألة الوحدة العربية ونشرها في الشارع العراقي، عاد ميشيل عفلق محاولا استغلال فرع العراق لحل مشاكله مع عبد الناصر والضغط عليه. فأزعج هذا فؤاد الركابي الذي اتجه إلى تمتين علاقة فرع العراق بقيادة الجمهورية العربية المتحدة.
وبعد تموز، راحت تطرح في فروع العراق والأقطار الأخرى، بإلحاح، مسألة الفردية في القيادة، والحاجة إلى الانتخابات الحزبية، وإلى عقد مؤتمرات دورية للبعث في العراق. لكن فشل محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في 1959، أحرج مهندسها فؤاد الركابي، وتسبب في تجميده، خلال المؤتمر الرابع الذي عقد في بيروت في شهر آب 1960. ولم يدافع الركابي عن نفسه، ولم يخض المعركة ضد عفلق والقيادة القومية، وذلك بسبب شعوره بأن عفلق كان قد عبأ أجواء المؤتمر ضده، خصوصا وأن حليفه الريماوي كان قد فصل من الحزب بعد المؤتمر الثالث، وشكل قيادة منشقة أسماها القيادة القومية الثورية.
لقد سيطر الرعب على ميشيل عفلق، بسبب صلة الريماوي والركابي بعبدالناصر، خاصة بعد علمه بأن قيادة الحزب في العراق خططت لاغتيال عبدالكريم قاسم بالتنسيق مع قيادة الجمهورية العربية المتحدة. وكان مصدر رعب عفلق وهلعه أن يكون عبدالناصر يخطط لسرقة فروع الحزب، فلجأ إلى تكتيك مركب ساعدته فيه أطراف عديدة من داخل الحزب ومن خارجه، للتغلب على مأزقه.
ففي الوقت الذي شن فيه حملة شرسة ضد الريماوي توجت بطرده من الحزب، أجبر المؤتمرَ القوميَ الثالث على مباركة قرار حل الحزب في سوريا، وانتخاب قيادة قومية جديدة تربع هو على أمانتها.
وفي الشهر السادس من عام 1959، وصلت قصاصة ورق مـن ميشيـل عفلـق إلى قيادة الحزب في العراق يطلب فيها إيفاد مندوبين - حدد هو أسماءهم – لحضور المؤتمر القومي الذي سيعقد في بيروت في الشهر التاسع من العام نفسه. ومن بين الأسماء التي حددها عفلق بعثيون جمدوا نشاطهم من تلقاء أنفسهم، ومنهم من ترك العراق.
وعند انعقاد المؤتمر، بادر عفلق فورا إلى طرح مشروع طرد الريماوي من الحزب ومنعه من حضور المؤتمر. وفي المقابل طرح الريماوي عدم شرعية حضور عفلق، بسبب حل الحزب في سوريا، وعدم وجود القيادة القومية.
ولم يكتف عفلق بأزمته مع بعثيي الأردن بقيادة الريماوي، بل رتب حضور بعض العراقيين الموالين له إلى المؤتمر. ورغم أن قيادة الفرع العراقي أبلغت عفلق بأن خالد علي الصالح هو الوحيد المخول بحضور هذا المؤتمر كممثل للعراق، إلا أنه أهمل وحل مكانه طالب شبيب الذي فرضه عفلق.
في المؤتمر الثالث، وبعد اعتكاف طويل، تمكن عفلق من فصل الريماوي وتياره. وفي المؤتمر الرابع تخلص من الركابي. وفي المؤتمر الخامس أطاح بأكرم الحوراني وفيصل حبيب الخيزران وعبدالوهاب شميطلي وغسان شرارة وعبدالرحمن منيف. وهـُزم في السادس، لكنه في السابع انتقم من علي صالح السعدي وحمود الشوفي وياسين حافظ ومحسن الشيخ راضي وحمدي عبدالمجيد وهاني الفكيكي. أما في الثامن ففشلت محاولته في ضرب "اللجنة العسكرية" في سوريا، حيث تسلم منيف الرزاز الأمانة العامة.
يقول تقرير سري صادر من وزارة الخارجية إلى السفارة البريطانية في بغداد في 15 شباط/ فبراير 1963 إن الانقسامات الموجودة فعلا بين المجموعات المختلفة قد تكشفت بالانفصال السوري، وبرزت ثلاث فرق رئيسية:
* القيادة القومية في بيروت، ويسيطر عليها عفلق.
* حزب البعث في سوريا، ويسيطر عليه أكرم الحوراني.
* القيادة القومية الثورية تحت قيادة عبدالله الريماوي، مع العراقي فؤاد الركابي الذي يلعب دورا فعالا فيها.
ثم جاء ظهور صدام حسين في العراق، بعد عودة الحزب إلى السلطة في 1968 وهيمنته على فرع العراق، بمساعدة عفلق، ذاته، ودعمه وتأييده ومباركته، لكي تبدأ مسيرة دامية أخرى من تاريخ حزب البعث. ومعروفة للكثيرين بدايات حكم صدام حسين، وتفاصيل حملات التطهير التي دشن بها عهده، وجعلها طبيعة دائمة لنظامه، بتهم متنوعة ومبتكرة، أولها التآمر على الحزب والثورة، وآخرها التجسس والعمالة للإمبريالية والصهيونية، وغيرها.
وطبيعي، بعد كل تلك المسيرة المضمخة بالدم، أن يتشرذم الحزب ويتفتت، فور سقوط النظام في عام 2003 وإعدام قائده الأوحد وإخوته وولديه، وخلو ساحة الحزب من وريث بقوة صدام وجبروته.
فلو لم يكن الحزب منخورا من الداخل، ومصابا بعلل كثيرة، أهمها وأخطرها التعالي على الآخرين، والعنف في معاشرة الجماهير، وسياسة الفرض والقهر وانتزاع الأهداف بقوة الخنجر والسكين والمفخخة والكلمة الجارحة، لتماسك ونهض من كبوته، بسرعة، ولملم صفوفه، وعقد مؤتمرا قوميا عاما لمواجهة الواقع الجديد، ولراجع أفكاره، وغربل أعضاءه، وأدان أخطاء قيادته السابقة، بشجاعة وتواضع وصراحة، ولعاود انطلاقته من جديد، كأي حزب حي قابل للتجدد والانتصار على العثرات والمحن.
لكن الذي يراقب الخطاب العدائي والمتشنج الذي يعتمده البعثيون اليوم، فيما بعد نكستهم الأخيرة، لابد أن يتنبأ بأن حزب البعث دخل مرحلة الضمور والتلاشي.
وما يقال اليوم عن محاولات لم الشمل، بين فرق الحزب المتناثرة، وعن إمكانية عودته من خلال واجهات بديلة، يظل مجرد كلام في هواء طلق.
إلا إذا نهض بعثيون عقلانيون يتمتعون بالواقعية والفكر الديمقراطي النزيه فأسسوا، على أنقاض الحزب القديم، حزبا جديدا يجيد قراءة واقع الساحة السياسية العراقية والعربية، بمعطياتها الجديدة، فينبذ أساليب العمل الخاطئة السابقة التي جَـّرت على الحزب كلَّ ما عرف، وما سوف يعرف، من ويلات ومصائب، ويعتمد ثقافة الحوار الديمقراطي، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة، فكرا تطبيقيا، ويتخلى نهائيا عن اعتماد أسلوب المؤامرات ونشر الشائعات وخلق الدسائس وتفجير المفخخات لتحقيق أهدافه.
لكن من يتابع خطاب البعثيين الحالمين بعودة حزبهم إلى السلطة، كما كان ودون تغيير، في صحافتهم وبياناتهم وإصداراتهم، يدرك أنهم لم يتغيروا ولا ينوون أن يتغيروا، وهذا ما يجعل أحلامهم في العودة إلى حكم العراق قصورا من رمال على شط بحر عراقي هائج لا يكف عن الهيجان. إبراهيم الزبيدي