حريق المنتزه في تونس، ارهاب متشددين ام 'ارهاب' تركي!

النهضة تنتهج سياسة المواربة

تونس – اطلق الحريق الذي اندلع الخميس باحد منتزهات تونس العاصمة الترفيهية موجة من القلاقل التي بدا خروجها عن السيطرة بنفس وتيرة تجدد اندلاع النيران، وأثار الحادث نقاشا حول وجود تخطيط مسبق من عدمه وراء ألسنة اللهب.

واتجه الجدل في اليومين الاخيرين لترجيح فرضية ضلوع اطراف في الحادثة بهدف تحويل صبغة المنتزه الترفيهية لمنطقة صناعية بعد تعهدات حكومة الجبالي السابقة بالتفويت في جزء هام منه لفائدة مستثمرين أتراك في اطار تمتين العلاقات الجيدة بين حركة النهضة وحكومة اوردوغان ذات التوجه الاسلامي.

وشهد ظهر الجمعة نشوب الحرائق من جديد بمنتزه النحلي بالضاحية الغربية للعاصمة التونسية بعد أن كان المدير الجهوي للحماية المدنية محمد إبراهيم قد أعلن فى وقت سابق عن السيطرة على الحريق.

وسارعت السلطات التونسية اثر تجدد الحريق الى الإعلان عن غلق المنتزه إلى حين تأمينه بالكامل وحصر الأضرار البيئية.

وفي تقدير اولي للأضرار، ذكرت مصادر رسمية متطابقة ان الحرائق التي شبت بقمة جبل النحلي أتت على مساحات غابية ونباتية تقدر بنحو 40 هكتارا من ضمن مساحة جملية تقدر بـ 210 هكتارات.

وعززت رواية شهود عيان شكوكا حول قصدية الحادثة، اذ استغرق قدوم فرق الحماية المدنية المكلفة باخماد الحرائق وقتا وُصف بالطويل للوصول في حين يبعد اقرب مركز اطفاء مسافة خمس دقائق عن المنتزه.

وتم دعم وحدات الإطفاء بقوات عسكرية مجهزة بوسائل اطفاء فردية بمشاركة 150 جنديا وتوفير شاحنتي اطفاء عسكريتين الى جانب طائرة عسكرية في ما بدا استنفارا لإخماد اتهامات بتواطؤ حكومي أطلقها نشطاء على الانترنت.

وقالت وزارة الداخلية التونسية فى بيان مقتضب لها انها تبذل رفقة وحداتها جهودا للسيطرة على الحريق واصفتا أسبابه بـ"المجهولة".

ووسط تنامي الشكوك حول أسباب الحريق أذن وكيل الجمهورية بفتح تحقيق لتحديد أسباب اندلاع الحريق، على امل ان يكشف البحث عن ملابسات الحادثة ويثبت اذا ما كانت بفعل فاعل أوطبيعية.

من جهته، أكد نائب مدير حماية الغابات سمير بلحاج صالح أن "القرائن والمؤشرات الأولية المتوفرة تدل على أن الحريق الذي نشب مساء الخميس في قمة جبل النحلي كان بفعل فاعل وأن نشوبه بشكل عفوي أمر مستبعد باعتبار أن النباتات والأعشاب خلال هذه الفترة لا تزال طرية وتحتوى على نسبة كبيرة من الرطوبة بما يجعلها غير قابلة للاشتعال بسرعة".

وأضاف نفس المصدر"أن اندلاع حريق بشرارة كهربائية أو بسيجارة أمر مستبعد جدا سيما وأن اندلاعه كان في خمسة مواقع غير بعيدة عن بعضها البعض وفي مناطق صعبة الوصول إليها" وهو ما يعزز الشكوك بشان افتعال الحريق".

ووجه مراقبون ونشطاء على الانترنت أصابع الاتهام نحو حكومة حركة النهضة المتنحية، على خلفية تفريطها أثناء فترة حكمها في جزء كبير من المنتزه الغابي لمستثمرين أتراك.

وكانت تونس وتركيا قد وقعتا في ديسمبر/كانون الأول من 2012 على اتفاقية أولية لبناء منطقة صناعية مندمجة في منطقة النحلي، وذكرت جهات حكومية آنذاك ان المشروع يمسح حوالي 100 هكتار ويهدف إلى بعث الف شركة مندمجة ذات حجم صغير ومتوسط.

ووقعت الاتفاقية المثيرة للجدل بمناسبة زيارة العمل التي قام بها رئيس الحكومة آنذاك حمادي الجبالي إلى تركيا اثناء حقبة عرفت بتقارب غير مسبوق بين الحكومتين التي تشتركان في التوجه السياسي.

وقد بدأت تونس وتركيا خلال فترة إمساك حركة النهضة بالحكم، تنسيقا سياسيا بين الحكومتين "الاخوانيتين" ترجمته وتيرة قياسية لتبادل الزيارات وتوقيع الاتفاقيات المشتركة.

ورغم الانتقادات الحادة التي وجهتها المعارضة العلمانية في تونس حينها لهذا الخيار فان العلاقات بين حزب العدالة والتنمية ونظيرته حركة النهضة التونسية واصلت تطورها على حساب العلاقات التاريخية للبلد مع دول الاتحاد الاوروبي المجاورة.

وشهد توجه "أخونة" الدبلوماسية التونسية برودا ملحوظا مع تولى حكومة مهدي جمعة "التوافقية" مقاليد الحكم مما يطرح تساؤلات عن مدى التزام هذه الأخيرة بتعهدات سابقتها الاسلامية.

ويدفع الغموض الذي يحدق بمصير المشاريع "التنموية" التركية البعض الى عدم استبعاد حصول محاولات لفرض الامر الواقع، قد يكون "حريق النحلي" احدها.

وفيما تعيش تونس على وقع شبه منتظم للعمليات الإرهابية التي تشنها مجموعات إسلامية متطرفة تتحصن بالجبال والغابات، تذهب بعض التحليلات الامنية الى القاء مسؤولية الحريق على عاتق عناصر إرهابية "مفترضة" بغية ان يتسنى لها ان تتحرك بسهولة..

جدير بالذكر ان نشاط المجموعات الارهابية قد سجل تطورا ملحوظا في غضون الأسبوعين الأخيرين في المناطق الجبلية الوعرة وفي الأماكن الغابية.

ويبدو الأمن والجيش التونسيين عاجزان عن وقف تنامي خروج هذه المناطق الساخنة عن سيطرته مع استمرار وقوع الضحايا بين أفراده في كمائن ينصبها متشددون دينيون.