'حرية العقيدة' بين تركيا وبريطانيا ومصر!

"العقيدة"، مهما كان شكلها أو محتواها، إنَّما هي جزء لا يتجزأ من شخصية الإنسان وهويته، في أي مكان، وفي أي زمان، وهي التي نراها مؤثِّرة، أو متأثِّرة، بنمط عيشه الواقعي، تَعْكِسه تارةً، ويعكسها طوراً؛ وليس من إنسان لا يخضع عقله وقلبه لتأثير عقيدة ما؛ ذلك لأنَّ كل إنسان في حاجة إلى أن يملك وجهة نظر عامة، يَنْظُر من خلالها إلى ذاته، وإلى غيره، وإلى الكون. ولو أنَّ صاعقة انقضت، أو أوشكت أن تنقض، على ثلاثة أشخاص، يجمعهم مكان واحد، لرأيْنا أثر وتأثير العقيدة في سلوكهم، فهذا يلجأ إلى الصلاة، وذاك إلى تركيب مانعة صواعق، وذلك إلى الخيارين معاً. لقد تصرَّف كلٌّ منهم بتأثير عقيدة ما.

أقول ذلك لأوضِّح أنَّ المشكلة التي لم تُحَل بعد، أو بما يكفي لزوالها، إنَّما هي مشكلة "حرية" العقيدة؛ ولقد رأيْنا، أخيراً، بعضاً من أوجه تلك المشكلة في تركيا، وبريطانيا، ومصر.

في تركيا، وفي الموقف من "الحجاب"، رأيْنا "العلمانيين" هنا يصارعون "الحجاب" وكأنَّه العدو اللدود لمبادئ "العلمانية" و"الديمقراطية" التي تحوَّلت على أيديهم إلى "وثنية جديدة"، فأساءوا إليها إساءة لا يأتي بمثلها إلاَّ كل من له مصلحة في إعاقة التطوُّر العلماني والديمقراطي لمجتمعه. ولو كانوا حريصين حقَّاً على تذليل العقبات من طريق التطوُّر العلماني والديمقراطي لشعبهم (المسلم) لتوفَّروا على التأسيس لموقف من "الحجاب"، يسمح لهم بالوقوف من حرِّية المرأة المسلمة في ارتدائه على أنَّها جزء لا يتجزأ من الحق الإنساني والديمقراطي لهذه المرأة. إنَّ للمرأة، وبصرف النظر عن عقيدتها ودينها، أن ترتدي ما تشاء من الثياب، على أن تراعي مقتضيات مهنتها وعملها، و"الاحتشام"، الذي فيه يُقَوَّم التناقض بين "الإباحية" و"التزمُّت الديني" في الملبس.

والقول بهذا الحق للمرأة المسلمة لا يعني بالضرورة القول بالدافع الذي يدفعها إلى ارتداء "الحجاب"، فأنا لستُ مِمَّن ينظرون إلى شعر المرأة، أو صوتها، على أنَّه "عورة"، ينبغي لها سترها.

ولقد حان للعلمانيين والديمقراطيين في مجتمعنا أن يُطوِّروا فهمهم لمبادئ العلمانية والديمقراطية على نحو يسمح لهم بإظهارها للعامَّة من الناس على أنَّها ليست بدعوة إلى ما فيه معصية الخالق، فما أهمية تلك المبادئ إذا ما ظلَّت على وفاق مع مصالح فئوية ضيقة، وعلى تضاد مع المصالح العامة للشعب؟!

وفي بريطانيا، نجح رئيس الكنيسة الانغليكانية روان ويليامز في حيث لم يقصد إذ تسبَّبت تصريحاته الصحافية في شأن "تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية (في بريطانيا)" في إظهار وتأكيد ضيق أٌفْق "الديمقراطية" المعمول بها هنا، والتي يَفْهَم المحامون عنها دمج نحو 1.8 مليون مسلم في المجتمع البريطاني على أنَّه صراعٌ يخوضونه ضد حق هؤلاء في تنظيم بعض أوجه حياتهم الشخصية والعائلية بما يتَّفِق مع ما يؤمنون به على أنَّه "شرع الله".

ولو كان هؤلاء حريصين حقَّاً على "الدمج" بما يتَّفِق مع مبادئ الديمقراطية لجعلوا إظهار وتأكيد "الاختلاف (الديني والثقافي)" طريقاً إليه، فـ "الإكراه"، ولو نُسِبَت حيثياته إلى "السماء"، ليس بطريق إلى "الدمج" و"الاندماج"؛ بل هو أقصر الطرق إلى هدم ما بني من وحدة مجتمعية.

وإنَّها لمأساة ومهزلة في آن أن يُفْهَم تنظيم المسلم البريطاني لحياته الغذائية هناك بما يتَّفِق مع إيمانه بأنَّ أكل لحم الخنزير حرام على أنَّه خطوة على الطريق المؤدِّية إلى انتشار "الإرهاب (الإسلامي)"، والنيل من قوةَّ الالتزام الديمقراطي في القانون المدني البريطاني!

أمَّا في مصر فخطا القضاء فيها خطوة كبرى في درب "حرِّية العقيدة الدينية" إذ أجازت المحكمة الإدارية العليا لأقباط اعتنقوا، عن اضطرار اجتماعي، الدين الإسلامي لفترة قصيرة أن يعودوا إلى المسيحية، وأن تُثَبَّت عودتهم هذه في بطاقاتهم الشخصية والأوراق الرسمية، وأن تُحْظَر معاملتهم، بالتالي، على أنَّهم "مرتدين (عن الإسلام)"، فإسلامهم إنَّما كان عن "إكراه اجتماعي"، و"لا إكراه في الدين"، مهما كان نوع هذا الإكراه.

على أنَّ هذا الحُكْم القضائي، والذي يمكن أن نرى فيه انتصاراً لـ "حرية العقيدة الدينية"، يجب ألاَّ يتعارض مع الفهم الديمقراطي الأوسع لمبدأ "حرية العقيدة (الدينية وغير الدينية)"، فمبدأ "اعْتَنِقْ ودَعْ غيركَ يَعْتَنِق" إنَّما هو المبدأ الذي يتحدَّى مجتمعاتنا على التزامه، قولاً وفعلاً. جواد البشيتي