حروب أمة 'أراب أيدل' بسوريا

"أعلن بوتين في ختام قمة مع قادة الاتحاد الاوروبي في الاورال أن موسكو تعتبر اية محاولة للتدخل العسكري في سوريا مصيرها الفشل وستؤدي الى عواقب انسانية كبرى".

مقدما يجدر بنا تلخيص الموقف الراهن في سوريا بأن المواجهة، بواقعها وحقيقتها، هي بين ذاتٍ قومية روسية جريحة عادت إلى الحياة من جديد أكثر صلابة وقوة وعدوانية من ذي قبل، وأشد تصميما على الثأر لما لحق بأمجاد الشعب الروسي من إهانات وإخفاقات في نصف قرن، جعلت جمهورياتها العديدة تتقافز من فوق جدارها الحديدي إلى أحضان خصمها الغربي الرأسمالي الإمبريالي التاريخي العنيد، وحصر أسواق سلاحها وصناعاتها بدول أقرب ما يقال عنها إنها جديبة وغير مجدية، ولكنها تستحق القتال في سبيل الحفاظ عليها ما دام لا بديل عنها هذه الأيام.

وفلادمير بوتين هو ذلك الفرخ الخارج من بيضة المخابرات في الإتحاد السوفيتي وتراثها التطهيري الساحق والماحق في روسيا ذاتها ضد الحزب الشيوعي ذاته، وضد البلاشفة الأوائل أيضا، وفي أكثر جمهوريات الإتحاد التي تململت قليلا أو كثيرا على الهيمنة الروسية الخانقة، ومنها مجازر جيكوسلوفاكيا والمجر وافغنستان وغيرها، وآخرها ما أنجزه بوتين نفسه في الشيشان.

وبوتين هذا، بما جُبل عليه من كبرياء قومية مغلقة متحجرة ونزعة دموية متعصبة ظل من أول تسلمه السلطة في روسيا الإتحادية يشعر بالإهانة الشخصية والقومية إزاء حالة الهوان والتشرذم التي ألصقها الغرب المتآمر به وبشعبه الروسي، ويترقب الفرص التي ترد له بعض ما ضاع منه من هيبة وجبروت، حتى لو ذبح في سبيل ذلك الملايين. لذلك فهو يتصرف في معاركه الخارجية أشبه برئيس مافيا أو عصابة من الشبيحة، وليس بقائد أمة وزعيم دولة كبرى، خصوصا بعدما لمس بيقين أنه مع كل زيادة في جرعة "التصلب" القومي في الخارج يكتسب انتصارات كاسحة أكثر في الداخل على معارضيه الذين عاملهم بما لا يخطر على بال، من قمع وقهر، هازئا بجميع احتجاجات الأميركيين والأوروبيين على خَرقه اللامحدود لحقوق الإنسان.

وقد وجدتْ هذه النعرةُ الشوفينية المتعاظمة لدى بوتين ضالتها، مثلما وجدتها عصور الاتحاد السوفيتي المنهار، في ديكتاتوريات العالم الثالث لتتوكأ عليها في مقارعة الهيمنة الأميركية الأوربية الخانقة، من أمثال كاسترو وصدام والقذافي وعلي عبدالله صالح وشافيز وبشار الأسد.

ثم التقت أخيرا، وهي في أهم مراحل صعودها التسلطي نحو أهدافها الاستراتيجية العليا، مع نعرة قومية أخرى فارسية جريحة، أيضا، تسعى، مثـلها، إلى الثأر لكرامتها الجريحة التي أهانها العرب السنة قرونا طويلة، كان آخرَها حربُ صدام حسين التي ألبسها لبوس الثورة القومية العربية لحماية البوابة الشرقية للأمة من أطماع الفرس المجوس.

وما يفعله خامنئي اليوم في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين والكويت والسعودية وفي غيرها هو الوفاء التام لوصية إمامه الخميني الذي اضطر لتجرع السم حين وافق على وقف إطلاق النار مع صدام وأميركا ودول الخليج العربية، قبل أن يحقق طموحه القومي الكبير الهادف إلى إحياء المجد الفارسي واحتلال العراق للزحف منه على دول الجوار، بفكرة تصدير الثورة، ولكن بعباءةٍ مذهبية هذه المرة تمَكن من أن يستدرج تحتها مجاميع واسعة من العرب الشيعة، مثقفين وأميين بسطاء، أيقظ فيهم جرثومة الطائفية المتشددة، بعد أن صدقوا أن إيران الخميني هي الولية والزعيمة والأمل الأخير في عودة المهدي المنتظر.

والذي يجعل حلف بوتين وخامنئي وثيقا وراسخا وغير قابل للانفصام هو لقاء القوة العسكرية الروسية المكدسة الباحثة عن مشترين، مع مال إيران الغزير وأذرعها المليشياتية المسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا. وعمليا لم يعد بشار الأسد، وهو المستقتل في الحفاظ على السلطة حتى لو بخراب سوريا وضياع دولتها، رقما فاعلا في هذا الحلف القومي الجديد. فقد أحكم الشريكان قبضتهما عليه وعلى سوريا معه، وقررا أن يخوضاها حربا مصيرية حتى النهاية، حتى صارتا هما من يقرر ويعلن، يرفض ويوافق، ثم تبلغان بشار ونظامه بعد ذلك.

إن المعادلة الجديدة هي كما يلي. أميركا لديها إسرائيل وقوة سلاحها النووي والتقليدي المتفوق على كل دول الجوار. وروسيا لديها إيران بقوة ثرواتها وطموحها القومي ونفوذها المترامي الأطراف في المنطقة. فلماذا لا يتقاسم الروس والأميركان مناطق النفوذ في المنطقة؟ هؤلاء بإسرائيل، وأؤلئك بإيران وحزب الله ونوري المالكي؟ خصوصا وأن أمام بوتين أميركا خائرة مترددة ضائعة مثقلة بالهموم؟

شيء آخر. لقد تبين أن عقدة الحاكم الخلف مع الحاكم السلف ليست موجودة فقط في دول العالم الثالث الذين نقول عنها إنها متخلفة، بل هي في أميركا أيضا، تماما بتمام. فحين خلف أوباما بوش الإبن كان أول ما فعله أن أقال صناع القرار في إدارته، ووضع على الرف أهم قراراته ومشاريعه السابقة. ولكي يثبت أوباما أنه أعقل من بوش، وأن طاقم إدارته أكثر حكمة وحنكة من طاقمه المغامر المهاجم المتهور، فقد قرر ألا يخطيء، وجلس منزويا، جاعلا التأمل والتروي وحساب الخسارة والربح والسلامة فضيلته وفضيلة نظامه التي لا بديل غيرها. ومن لا يعمل لا يخطيء أبدا. وهكذا مضت سنواته الأربع الأولى. وانتظر الناس دورته الثانية فإذا هو أكثرُ انزواءً وتراجعا وترددا وتخوفا من ذي قبل. فلا هو أنجز شيئا نافعا في الخارج، ولا حقق أمرا ذا قيمة في الداخل.

أما بوتين وخامنئي فأذكى من أن تفلت منهما فرصة سانحة كهذه. فإنهما لن يجدا أنفع لهما من حاكم ضعيف كباراك أوباما، ولا أفضل من سياسة الهجوم والذهاب إلى حافة الهاوية لتبريد ما تبقى لديه من حماس ورغبة في المواجهة والمعاندة والمكاسرة، في هذه المرحلة على الأقل.

وسيذكر التاريخ أن أوباما أكثر الرؤساء الأميركان ضعفا وإضرارا بهيبة الأمة ومصالحها. ويقارن كثيرون بين أميركا أوباما وأميركا جون كندي في أزمة خليج الخنازير في العام عام 1962، حين تحدى الاتحاد السوفيتي وأجبره على سحب صواريخه من كوبا على الفور.

في غمرة هذه المعادلة المتشابكة نجد بالمقابل أمة عربية جاهلة متكاسلة، يتضاءل شعورها القومي ويضمُر يوما بعد يوم، ويتآكل إلى أبعد الحدود. إنها اليوم غير أمة الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات والسبعينيات، حين كان يعتدي شرطي في بغداد، مثلا، على متظاهر، تشتعل "بلادُ العرب من الشام لبغدانِ، ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصرَ فتطوانِ" هادرة غاضبة تنذر بالويل والثبور، والله أكبر فوق كيد المعتدي. أو حين كان يهوديٌ يغتال فلسطينيا أو يهدم منزلا في القدس أو غزة تقوم الدنيا ولا تقعد، وتبقى الإذاعات تهدر بنشيد "أخي جاوز الظالمون المدى" ليل نهار.

واليوم، يسُتشهد كل يوم عشراتُ العراقيين بالمفخخات والمتفجرات والكواتم، شيعة وسنة، ويسقط، كل يوم وكل ساعة، في سوريا مئة شهيد ومئتان وثلاثة حتى تجاوزوا مئة ألف بصواريخ بوتين وطائراته وقنابله الباليستية، وبمجاهدي خامنئي وماله وسلاحه، وبمليشيات حسن نصرالله ونوري المالكي والحوثيين الزاحفة إلى القصير وحلب وحماه وحمص ودمشق لتثأر من أحفاد يزيد الذين ذبحوا الإمام الحسين وأهله في كربلاء، والمشاهدون العرب، من المحيط إلى الخليج، مشدودون إلى "أرب أيدل" ومستمتعون بمشاكسات راغب وأحلام ومعارك الشهامة القومية بين محمد عساف (الفلسطيني) وبرواس حسين (الكردستانية) مع الأسف الشديد.

لقد عملت أميركا وإسرائيل وأوربا على مدى ستين سنة على إعادة تشكيل وعي هذه الأمة وتأهيلها وتدجينها، وإذابة شهامتها وإحساسها بالكرامة القومية وحتى الآدمية، وتسطيح مشاعرها، وتفكيك ثقافاتها، وإشغالها بمعارك المصير المعيبة الدامية بين حي وحي، زنقة وزنقة، مدينة ومدينة، عشيرة وعشيرة، دولة ودولة، حاكم وحاكم، وزير ووزير، شرطي وشرطي، شيعي وسني، مسيحي ومسلم، إلى أن اعتاد المواطن العربي على أخبار القتل العربي اليومي، ولم تعد تثير اهتمامه، تماما كأخبار الزلازل في اليابان، والفيضانات ببنغلادش، ومعارك التاميل ومالي. بل صار يمل الفضائيات التي تعرض مشاهد الذبح الحلال في سوريا، فيسرع إلى البحث عن فضائية أخرى أكثر لهوا ولغوا وسخافة تعلمه الطبخ والخياطة وتنسيق الزهور.

لقد أغرقوا دول المغرب العربي في همومها ومعاركها على أمتار من رمال، وليبيا بالمشاحنات والاجتثاث والأقاليم، وتونس بالغنوشي ومعارضيه، ومصر بمماحكات محمد مرسي وفراماناته القره قوشية وغزلياته الإيمانية المذهبة بأخيه الولي الفقيه وملياراته الموعودة، ولبنان بجبل محسن والتبانة، وفلسطين بحماس وفتح ومشاكل التمويل ومعارك الأنفاق.

أما دول الخليج العربية فلم يعد في قدرتها غير الشجب والمناشدة وتهريب بنادق كلاشنكوف وبطانيات وبعض المال، وهي التي تختزن سلاحا يستطيع أن يذيب القطب الشمالي كله، لو أرادت أو لو امتلكت الصلاحية والقرار. فالذي يبيعها السلاح يشترط عليها توقيع ما يسمى End User تتعهد بموجبه باستخادمه في الداخل، أما في الخارج فينبغي أن يكون استخدامُه، كله أو أي جزء منه، بموافقة البائعين.

وسلطان تركيا أردغان الذي يملك أقوى جيوش المنطقة، والذي غزا البلاد العربية بشعارات تحرير فلسطين وسوريا وبالمسلسلات التلفزيونية وفتياتها الساحرات، أخرجوا له اعتصامات جماهيرية غاضبة لجر أذنه ولإنذاره بالتوقف عن حدود السلطنة، وإشغاله عن سوريا بهموم حكمه المهزوز.

هل رأيتم كيف انشغل العالم الغربي والشرقي، قاطبة، بهذه الاعتصامات، وكيف سارع حكام العالم أجمع إلى إدانة استخدام الشرطة التركية خراطيم المياه والرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع؟ وهل استمعتم لوزير إعلام بشار الأسد حين قال: "مطالباتُ الشعب التركي لا تستحق كل هذا العنف، وعلى أردوغان إذا كان عاجزاً عن اتباع وسائل غير عنيفة التنحي، والشعب التركي لديه كوادر كثيرة وعاقلة"، وهل تفرجتم على الفضائيات كلها، أميركية وأوروبية وعربية، وهي تنقل تفاصيل تلك الاعتصامات الراقصة مباشرة على الاهواء من ساحة التقسيم، وعلى مدار الساعة؟

ثم هل تابعتم خبر الواشطن بوست الذي زعم أن روسيا زودت بشار الأسد بأسلحة متطورة جدا تستطيع تحديد مصادر النيران التي يطلقها الثوار بدقة، حتى لو كانت من وراء ألف جدار؟ وهل رأيتم أيضا كيف تلقفت صحفنا وإذاعاتنا وفضائياتنا العربية كلها هذا الزعم المشبوه دون أن يحتمل أحد منا أن يكون المقصود بهذا الدس هو الفتُّ في عضد الثائرين وتفليش وحدتهم وقتل معنوياتهم وأيصالهم إلى حالة الضعف المُقدر والمكتوب والمطلوب ليوافقوا على أخذ الأرنب بدل الغزال؟ أو حتى على ألا يأخذوا شيئا سوى خراب البيوت؟