حركة 14 تموز حطمت الجبهة الوطنية وكرست الحكم العسكري الانفرادي في العراق

بقلم: اكرم طاهر حسان

لم تكن حركة 14 تموز 1958 في العراق على تنسيق متواصل مع الأحزاب السياسية غير المجازة التي كانت تعمل بالسر، وهي أحزاب مناهضة ومعارضة للسياسة التقليدية للأحزاب المجازة في العهد الملكي والمناصرة له. ولم يذكر الباحثون في تاريخ الحركة السياسية العراقية أن ثمة تنسيق بين القائمين على الحركة العسكرية وتلك الأحزاب السرية، إنما تحققت اتصالات فردية لا تزيد على أصابع اليد الواحدة إلا قليلاً. ويقول محمد حديد في كتابه مذكراتي على الصفحة 311 "ومن الجدير بالذكر انه لم تكن هناك اتصالات رسمية بين العسكريين وبين جبهة الاتحاد الوطني، وان الصلات كانت فردية حيث كان لكل حزب من أحزاب جبهة الاتحاد الوطني علاقاته الخاصة مع بعض ضباط الحركة. ومع أن كل طرف من أطراف الجبهة يعلم بوجود هذه الصلات إلا أنها لم تطرح كموضوع بحث في أي من اجتماعات الجبهة".

والحركة العسكرية التموزية هنا شيء وتنظيم الضباط الأحرار شيء آخر. فالمعارضة السياسية، أي الجبهة التي تمثل جانباً واسعاً من توجهات العراقيين تضم البعثيين والشيوعيين والاستقلاليين والديمقراطيين ولم تضم حزباً كردياً لملاحظات أبداها حزب الاستقلال، إلا أن ثمة صلات شخصية بين قياديين أو غير قياديين في أحزاب الجبهة مع ضباط في المنظمة قياديين أيضاً أو غير قياديين بحكم المعرفة أو القرابة أو الجيرة وكان بعض الضباط من أعضاء منظمة الضباط الأحرار منتمين إلى أحزاب جبهة الاتحاد الوطني، وهذه المسألة لم تعط اهتماماً كبيراً لدى باحثي التأريخ المحلي المعاصر. وهي قد أدت إلى خلق فجوة ما بين الطرفين بعد الاستيلاء على الحكم وتأسيس الوزارات لأن جهل الآخر هو الذي يجمعهما وليس معرفته. ولعل التصوّر الدائم لزعماء الحركة العسكرية أو ثورة 14 تموز بأنهم متفضلون على الذين عينوهم وزراء ومسؤولين ولولاهم لما عينوا، دليل على افتراق الأرضية الثقافية واجتماع جهلهم ببعضهم البعض في الوقت الذي يعتقد فيه الوزراء خاصة في التشكيلة الوزارية الأولى بأنهم قادة وأصحاب فكر سياسي معارض ومنهج كافحوا من خلاله لخدمة البلد، أي لديهم خلفية سياسية وثقافية تؤهلهم لممارسة أي دور قيادي في أية حكومة يوافقون هم على المشاركة فيها خاصة وان زعماء الثورة ليست لديهم خبرة سياسية أو إدارية إذ تقتصر خبرتهم على إدارة وحدات عسكرية. فالأول آمر لواء والثاني آمر فوج وكذلك الثالث وهو عبداللطيف جاسم الدراجي. وكان الأول من بينهم لا يُعرف عنه سعة العلاقات إنما محدوديتها مع زملائه من الضباط، أما اجتماعياً فلم يكن متزوجاً مما حرمه من العيش بصلات اجتماعية مهمة عدا بعض أقاربه، وذلك لأنه منطلق من اهتمامه بوظيفته العسكرية التي يريد استثمارها، مثلما حصل فعلاً للقفز على السلطة واستلامها بالقوة بدلاً من الحكام الذين قبله.

واستمرت العلاقة بين زعماء الثورة ومن ثم الزعماء العسكريين، وبخاصة الزعيم عبدالكريم قاسم، والأحزاب كعلاقة يحكم موازينها الشك والعقلية الفردية التي يتربى عليها الضباط على وفق السياسات العسكرية التقليدية. لذا لا يمكن الانسجام مثلا ما بين كامل الجادرجي مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي ورئيسه والزعيم قاسم، فالجادرجي ذو خلفية سياسية تقبل المشاركة والرأي الآخر وليس التفرد، فيما قاسم ذو خلفية آمرية متفردة ولا تقبل الرأي الآخر عمرها أكثر من ربع قرن.

وانسحب الأمر على المشاركين من القادة السياسيين لأحزاب الجبهة الوطنية في الوزارة التي سرعان ما دَّب الخلاف بينهم مع الرغبة في التفرد ولم تكن أسباب الخلاف سياسية مجردة بل لأسباب أرضيتها العقلية الفكرية للأطراف جميعها، وهذا ما دفع وزراء الجبهة للاستقالة والخروج من مؤسسة الحكم الجديد، ولم يغرهم منصب الوزير حتى لذلك الشاب الذي لم يتجاوز عمره 28 عاماً، وهو المهندس فؤاد الركابي أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث. وشكل حادث الاستقالات المعروف باستقالة الوزراء القوميين، وهم على مشارب مختّلفة، أول إشارة عملية خطيرة لانسجام عقلية التفرد لرئيس الوزراء الزعيم الركن عبدالكريم قاسم، مع العقلية الحاكمة لقيادة الحزب الشيوعي آنذاك والذي كان خارج الوزارة ويدير علاقاته مع قاسم ضمن موافقته على التفرد التي يتصف بها. والطرفان اتفقا من دون مفاوضات مُعقدة، فالحزب وافق على فردية الزعيم ورفضه الديمقراطية ومشاركة آخرين في الحكم لأنه أصلاً لا يؤمن بها بل يؤمن بديكتاتورية البروليتاريا أو بتفرده هو. والزعيم وافق على تابعية الحزب له. فقد كان يفكر هكذا وليس معنياً هنا بالنتائج، فهو ليس ممارساً حزبياً لكنه ضابط ركن حتى إنه انتمى لتنظيم الضباط الأحرار بعد مرور ثماني سنوات على تأسيسه بعد أن عرف انه سيكون أقدم الضباط فيها مما يتيح له السيطرة عليه أو تعطيل دوره ومبادراته من أجل أن ينجح هو شخصيا في قلب نظام الحكم كونه أكبر تنظيم عسكري في الجيش حيث يؤهله ذلك لأن فرصه أكثر من الآخرين، إلا أن آلية عمل التنظيم كانت أقرب إلى التنظيمات الحزبية السرية إذ أعاقته هذه الآلية من حشد قوة عسكرية مؤاتية تستطيع تنفيذ حركة انقلابية لأن معظم الضباط المنتمين سراً إليه ليسوا في وحدات عسكرية واحدة أو قريبة من بعضها.

وساعدت هذه الوضعية زعيما حركة تموز عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف في أن تكون المبادأة في صالح كفتهم وإنجاح رغبتهم للإنفراد بالتنفيذ خاصة وأنهما يقودان وحدات فعالة فيما معظم قياديي تنظيم الضباط الأحرار لا يمتلكون هذه الصفة.

واستخدم قاسم أسلوبا في اجتماعات اللجنة العليا عندما كان يكلف عبدالسلام عارف المتحمس والمندفع بأن يخلق المشاكل في اجتماعات اللجنة العليا لدرجة أن أعلن بوضوح موقفه في حزيران 1958 داخل اجتماع اللجنة انفصاله أو تخليه عنها عندما ابلغ المجتمعين بان هذا الاجتماع هو "حدنا وياكم" قبل اقل من شهر لتنفيذ الحركة. ويقول صبحي عبدالحميد في تقديمه لكتاب "عبدالسلام محمد عارف" للدكتور صبحي ناظم توفيق "إن عارف وقاسم قررا في حزيران 1958 الإنفراد بالقيام بالثورة وامتنع عبدالسلام عارف عن حضور اجتماعات اللجنة العليا بينما استمر عبدالكريم قاسم حضور الاجتماعات لتغطية ما كانا يخططان له".

وليس من الصحيح نكران أن المرحلة هذه، أي نصف السنة الأولى للثورة، شهدت تطورات مهمة أبرزها تدمير جبهة الاتحاد الوطني والنجاح فيما لم ينجح فيه نوري السعيد وبقية أركان الحكم الملكي الذي لم يكن يسمح بالعمل السياسي للأحزاب المنضوية فيها علنياً أو قانونيا وهي حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب البعث. ولقد كان تفكيك الجبهة مقصودا من الزعيم عبدالكريم قاسم الذي التقت رغبته مع ما تعجل فيه المكتب السياسي للحزب الشيوعي عندما وضع أهداف للسيطرة على الحكم لا تنسجم مع حجمه وواقعه في المجتمع والوضع الإقليمي.

والذي ساعد أيضاً في تفكيك الجبهة، تراجع ممثلا الحزب الوطني الديمقراطي عن استقالتيهما من الوزارة وموافقة حزبهما على استمرار التعاون مع رئيس الوزراء. يقول محمد حديد بهذا الصدد في كتابه سابق الذكر: "رجوت عبدالكريم قاسم لمحاولة إعادة جبهة الإتحاد الوطني إلى وضعها السابق... واقترحت عليه أن نستدعي صديق شنشل ونبحث معه موضوع استقالة الوزراء.. وجاء شنشل بعد اتصالي به تلفونياً وجرى البحث في الوضع العام وأظهر شنشل أن الشيء الذي أدى إلى انسحابه والآخرين هو تجاوز المنظمات الشعبية الحدود القانونية والحدود المعقولة للتصرف السياسي (يقصد منظمة المقاومة الشعبية ومنظمة صيانة الجمهورية ومنظمة الشبيبة الديمقراطية التابعة للحزب الشيوعي) وحسب رأيه فان موقف السلطة من هذه الأوضاع كان موقفاً سلبياً إذ تركتها سائبة من دون معالجة.. وأثناء المناقشة فتح عبدالكريم قاسم الراديو الصغير المتنقل الذي كان معه وأخذ يصغي إليه فبدا غير مكترث بهذا الحديث الخطير مما جعل صدّيق شنشل يشعر بعدم الارتياح من موقف عبد الكريم قاسم وقلة اهتمامه، وما كان من شنشل إلا أن ينصرف من دون أن نتوصل إلى نتيجة".ص352.

وتأكيدا ًمن عبدالكريم قاسم لموقفه العامل على تفكيك الجبهة استوزر السياسي الديمقراطي حسين جميل لوزارة الإرشاد التي كانت تعادل حالياً وزارة الإعلام بدلاً من الوزير المستقيل والقيادي الاستقلالي صدّيق شنشل، لكنه وافق على استقالته في اليوم الثاني لإستيزاره إذ يقول حديد في الصفحة 354 من كتابه "جاء حسين جميل صباحاً لزيارتي في ديوان وزارة المالية وفاجأني بأنه اضطر للاستقالة من الوزارة فاستغربت كثيراً لهذا الخبر وسألته عن السبب فأخبرني أن جريدة اتحاد الشعب العائدة للحزب الشيوعي قدمت مساء اليوم الماضي مسودة مقال افتتاحي إلى وزارة الإرشاد حسب القواعد المرعية في ظل الأحكام العرفية لأخذ موافقة الوزارة على نشره. وكان المقال الافتتاحي تعليقاً على التغيير الوزاري واستقالة الوزراء القوميين واحتوى المقال تهجما على الوزراء المستقيلين حتى انه اتهمهم بممالأة جهات أجنبية في تقديم استقالاتهم، وذكر لي، (وما زال الحديث لحديد) انه رفض إجازة نشر المقال وبعد مداولة مع عبدالقادر إسماعيل المدير المسؤول لاتحاد الشعب. أخبره حسين جميل بأنه يوافق على نشر المقال بشرط تعديله وشطب الكلمات الجارحة للوزراء المستقيلين. وحين ظهرت 'اتحاد الشعب' في اليوم التالي وإذا بالمقال الافتتاحي قد نشر كما قدمت مسودته من دون أي تعديل. فاضطر حسين جميل إلى إصدار أمر بتعطيل جريدة 'اتحاد الشعب'، ولكن المسؤوليين عنها راجعوا الحاكم العسكري الذي عاد إلى عبدالكريم قاسم وبعد تداول بينهما قررا إلغاء أمر تعطيل الجريدة والسماح لها بالاستمرار في الصدور. وإزاء هذا القرار أخبرني حسين جميل أنه لا مناص من تقديم استقالته.. وقبلها رئيس الوزراء. ويكون عبدالكريم قاسم قد قبل استقالة وزير مهم لم يمض على استيزاره سوى يوم واحد وسمح لإدارة جريدة الحزب الشيوعي مهاجمة وزراء جبهة الاتحاد الوطني واتهامهم بالعمالة لتعميق الخلاف وتعميق الجرح أيضا. وفعلاً تمكن من تفكيك الجبهة وأصبحت أحزابها على محك صراع مفتعل تطورت قضاياه ولم تتوقف لحد الآن مما انعكس بشكل سلبي على مسيرة العمل الوطني في العراق الجمهوري."

موقف الحزب الوطني الديمقراطي عندما قرر وزيراه سحب الاستقالة بعد حديث الزعيم قاسم معهما من انه "كان وما زال متأثراً بالوطني الديمقراطي وبأفكاره لذا ليس من الصحيح أن يتخلى عني وينسحب من الوزارة" فان ذلك يعني أنهما اتخذا موقفاً أسهم في تفكيك جبهة الاتحاد الوطني أيضا وشجع عبدالكريم قاسم على تحقيق هدفه المذكور فضلاً عن أنهما انضما إلى التحالف العملي لقاسم مع المكتب السياسي للحزب الشيوعي، بينما لو أصر الوطني الديمقراطي على استقالة وزيريه فان هذا الأمر سيجعل قاسماً يفكر بأكثر جدية من ناحية ومن ناحية أخرى يكون بالإمكان المحافظة على عقد جبهة الاتحاد الوطني من الانفراط على أساس إن جهة واحدة، وهي الحزب الشيوعي قد تخلت عنها وخرجت منها أملاً في وصوله إلى الحكم الرسمي المباشر.

لم يتوقف الأثر السلبي لاستمرار وزيري الحزب الوطني الديمقراطي في وزارة قاسم على الجبهة وحدها بل انسحب على حزبهما نفسه حيث أدى ذلك فيما بعد إلى انشقاقه وتشكيل حزب جديد من قبل محمد حديد. وثمة سؤال هنا لماذا قبل الزعيم الركن قاسم استقالة حسين جميل فوراً على الرغم من حراجة الأمر حيث لم يمض على استيزاره أكثر من 24 ساعة ولم يحاول الزعيم إقناعه بالبقاء والاستمرار مثلما طلب من محمد حديد وهديب الحاج حمود البقاء وانه أي قاسم "يعتمد على استمرار وجودنا في الحكومة" لدرجة انه "كان بالغ التأثر حتى كاد يبكي وإزاء هذا الوضع أشرت على هديب بان نسحب المذكرة" (ص 353مذكرات محمد حديد) مع العلم أنهما وحسين جميل من الاتجاه الديمقراطي نفسه.

لقد كان الجادرجي متوجساً ومتردداً من اشتراك الحزب الوطني الديمقراطي في الحكومة حتى قبل الحركة العسكرية التموزية وبالتالي كان متحفظاً من أن يتولى أي من قيادة حزبه منصباً مسؤولاً في حكومة الحركة مثلما يقول محمد حديد في مذكراته ص311 الذي يضيف إن هذا الموقف قد نشأ من تجربة الجادرجي لدى قيام انقلاب بكر صدقي سنة 1936 حيث انتهت حركة صدقي بسيطرة الجهة العسكرية عليها.

وهكذا مثلما انتهت حركة بكر صدقي انتهت حركة تموز 1958 بسيطرة العسكر أولا

ثم شخص قائدهم الزعيم قاسم لوحده بخاصة بعد أن طرح الحزب الشيوعي شعار

"ماكو زعيم إلا كريم" وانه الزعيم الأوحد الذي استمر كذلك حتى بعد إقصائه الحزب الشيوعي ولحين الأحداث الدراماتيكية في 8 شباط 1963. وبين 1958 و1963 خمس سنين صنع الحداد خلالها ما صنع.

اكرم طاهر حسان