حركة النهضة التونسية: الوجه والوجه الآخر

بقلم: شهاب منيف

في حمى الاستعدادات لانتخابات المجلس التأسيسي الذي حسم موعده السيد الباجي قائد السبسي في يوم 14 يونيو بدأت الأوساط السياسية والإعلامية في تونس تتململ أمام أصداء خطاب حركة النهضة وتحركاتها داخل المساجد وفي بعض الفضاءات المخصصة للنشاط الثقافي.

أشكال التململ أخذت أشمالا حادة في أوساط القوى الوطنية الديمقراطية لا سيما اليسارية التي تتناقض مواقفها كل التناقض مع النهضة التي كثيرا ما اتهمت بازدواجية الخطاب، خطاب سياسي ديمقراطي للاستهلاك السياسي والإعلامي وخطاب ديني يشحن المشاعر للتعبئة العامة.

هذا الاتهام لم يكن من باب المزايدات ولا الافتراء، فالحركة التي تعتمد على مرجعية دينية انتهجت بشكل واضح تقديم وجه ديمقراطي وطني سياسي لعامة الناس وخاصة للأوساط السياسية لطمأنتها وكسب ودها، ولكنها اعتمدت في المقابل على خطاب سلفي في المساجد وفي التظاهرات التي تقيمها لمزيد التعريف بنفسها.

هذا الوجه والوجه الآخر سينتهي بلا شك في عزل النهضة وكشف الأوراق، فالمعارضون الشرسون لنظام بن علي الذين تحالفوا مع النهضة آنذاك باتوا اليوم أكثر الأصوات التي تحذر من خطورة النهضة، فقد أكد زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي وهو الذي تحالف معها سابقا ودافع عنها أنها تسعى للهيمنة على مؤسسات الدولة.

هذا التحذير يعد صرخة واضحة في وجه طريقة تعاطي النهضة مع الشأن التونسي في وقت صدر فيه قانون بالفصل التام بين الدولة والأحزاب بل وتمت التضحية بأعرق حزب شهدته تونس وهو حزب التجمع الدستوري المنحل نتيجة استغلاله لمؤسسات الدولة واحتكار الساحة السياسية وسكوته عما لحق المناضلين من ملاحقات وتتبعات.

الوجه الظاهر للنهضة حزب سياسي وديع يريد أن يساهم في عملية الانتقال الديمقراطي من أجل بناء مجتمع ديمقراطي يتسع لليسار الملحد والقومي العروبي والليبرالي العلماني والوطني الديمقراطي، ولإقناع السلطات تقدمت النهضة بملف "نظيف" لوزارة الداخلية لم يشر لا من بعيد ولا من قريب إلى مرجعيتها الدينية، فحين تقرأ ملفها لا تكاد تفرق بينها وبين أي حزب سياسي آخر بما فيه العلماني.

لكن الوجه الآخر للنهضة، وهو الوجه الحقيقي، هو أنها حركة إسلامية قبل كل شيء مرجعيتها سلفية وخطابها يعتمد على شحن المشاعر الإسلامية وطريقة تحركها لا يختلف عن طريقة تحرك مختلف الحركات الإسلامية حيث أنها تستثمر الأوضاع الاجتماعية للفئات المعوزة لتقدم الخدمات الاجتماعية وهي نفس الطريقة التي انتهجتها حركة حماس وسبت بها البساط من تحت أقدام حركة فتح العريقة.

وشأنها شأن الحركات الإسلامية تتسلح النهضة في استثمارها للأوضاع الاجتماعية لشرائح واسعة من المجتمع باحتياطي مالي كبير تقول أنه جمعته من تبرعات أنصارها ويقول معارضوها أنها جمعته من هبات بعض البلدان الخليجية والأثرياء الخليجيين، وبالمقابل تفتقر الأحزاب السياسية التونسية الأخرى لتمويل معقول لنشاطها وهو ما يخلق فجوة على مستوى نجاعة التحرك السياسي.

لكن الضخ المالي الذي تتسلح به النهضة لم يعد العامل الحاسم في لاستمالة الناس، فخلال زيارته لمدينة الحمامات السياحية تفاجأ زعيم الحركة راشد الغنوشي بشباب يرفع لا فتات كتب عليها "أنا مسلم والنهضة لا تمثلني" وكان هذا الشعار تعبير عن حالة اجتماعية وموقف سياسي واضح.

فمظاهر التدين التي تجتاح الشباب التونسي اليوم هي أشكال روحية طقوسية بعيدة عن أشكال الانتماء السياسي، ولئن كان صحيح أن قطاعات واسعة من المجتمع التونسي شهدت خلال السنوات الأخيرة عودة قوية للتدين فإن الصحيح أيضا أن هذه العودة في منأى غن التسييس والانتماء إلى الحركة الإسلامية بمختلف تفرعاتها.

ويبدو أن النهضة وجدت نفسها أمام مفارقة ليس من السهل تجاوزها ذلك أن الأرضية الدينية متوفرة من خلال موجة عارمة من التدين لكنها موجة لا تستسيغ فكر النهضة ولا خطابها وليست مستعدة للولاء إليها إذ يرى الشباب التونسي المتدين أن الإسلام مقوم من مقومات الشخصية التونسية وليس في حاجة إلى حزب والزج بالمساجد في معارك سياسية.

ولعل هذا ما يفسر حادثة ذات دلالات عميقة حدثت لزعيم النهضة راشد الغنوشي، فخلال زيارته لمدينة قليبية في الوطن القبلي تجمهر المواطنون وطالبوه بالرحيل، الرحيل عن المدينة والرحيل عن المساجد مما اضطر الغنوشي لمغادرة المدينة دون أن يلقي كلمة.

هناك حالة اجتماعية دينية تونسية صرفة تتمثل في أداء الشعائر الدينية بمعزل عن أي انتماء حزبي وهو ما دعا حركة النهضة إلى مراجعة تكتيكاتها السياسية ـ وليس إستراتيجياتها ـ من خلال تعديل خطابها وتقديم نفسها كحركة تتفهم خصوصية المجتمع التونسي الذي تنشط فيه الحركات اليسارية من بداية القرن الماضي أي قبل خمسين سنة من ظهور حركة الاتجاه الإسلامي الذي تحول في ما بعد إلى حركة النهضة.

إضافة إلى ذلك هناك خصوصيات معقدة في المجتمع التونسي ليس من السهل التعامل معها فالتونسي في عمقه متدين جدا ولكنه لا يؤدي الشعائر الدينية بل هناك من يؤدي الشعائر ويشرب الخمر وهذا أمر لا تستسيغه النهضة وربما لا تتفهمه.

فقد نشأ شباب خلال العشريتين الماضيتين مجردا من الاهتمامات السياسية، شباب همه الأول الحياة اليومية وانتهاج أنماط عيش عصرية بما فيها إقامة العلاقات الجنسية خارج مؤسسات الشباب وتناول الكحول وهذا الشباب لا يستنكف من إسلامه بل ويدافع عن انتمائه للدين الإسلامي.

هكذا وجدت النهضة نفسها أمام شباب عصري متدين ولكنه يرفض تسييس الإسلام، شباب يعتز بإسلامه ولكنه ليبرالي ومتفتح.

في ظل هذه المعطيات يرى المحللون السياسيون أن النهضة لا تستطيع استقطاب أكثر من 20 بالمائة من المجتمع التونسي في الانتخابات وهي بالتأكيد نسبة تخيب آمال النهضة التي كثيرا ما حاولت تقديم نفسها على أنها المدافع الوحيد عن الإسلام خلال نظامي بورقيبة وبن علي.

لا شك أن تاريخ النهضة يمثل رصيدا يعزز شرعيتها فقد تعرضت للاضطهاد والسجون والمنافي ولكن ليست وحدها التي تعرضت لبطش النظام فقد سبقها في ذلك اليسار خلال فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي إضافة إلى ذلك أن الشرعية التاريخية لا تعني شيئا لدى شباب مشاغله البطالة والتهميش وتطلعاته تشمل الحرية الفردية وعدم إملاء الدروس من أي كان.

ومما يؤكد تراجع دور النهضة في المجتمع التونسي الانشقاقات التي تمت فقد اختارت رموز أسست الحركة الانسحاب ومن أبرز هذه الرموز المحامي عبدالفتح مورو وآخرون أسسوا أحزابا سياسية أكثر اعتدالا وأقرب للمشاغل الحقيقية للشباب التونسي.

ومما يزيد في ضعف حركة النهضة في المجتمع التونسي عنصران اثنان عليها أن تتخذ في شأنهما موقفا واضحا وعلنيا:

- الموقف من حركات السلفية الجهادية خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي نفذتها عناصر تنظيم القاعدة في مدينة الروحية من محافظة سليانة وفي مدينة رمادة من محافظة تطاوين.

- الموقف من حركات اليسار الذي يمتلك شرعية تاريخية على صعيد النضال الوطني.

لكن المسألة الأعمق الذي ستواجهها النهضة مواجهة حقيقية وتمثل اختبارا لها هي مسألة الدولة المدنية التي تتمسك بها مختلف القوى الديمقراطية في تونس، فالمرجعية التي تعتمدها النهضة هي مرجعية دينية سلفية، أما مرجعية الثقافة السياسية التونسية فهي مرجعية علمانية مدنية وهذا إشكال كبير نتوقع أن يكون محل اختلاف حاد بين النهضة والقوى الديمقراطية والوطنية خلال وضع الدستور الجديد لتونس بعد انتخابات المجلي التأسيسي.

غير أن هذه التحديات التي تواجه حركة النهضة تقابلها نقاط قوة أو لنقل حظوظ لعل أولها تشتت المشهد السياسي إلى حد التذرر فالأحزاب السياسية التي تجاوز عددها الخمسين حزبا مازالت ناشئة وذات قاعدة شعبية محدودة ولم تتوفق إلى حد الآن إلى تكوين جبهة أو تحالفات تساعداها على منافسة النهضة.

كذلك تحاول النهضة اليوم استمالة كوادر حزب التجمع الدستوري المنحل لتستفيد من تجاربهم السياسية وعلاقاتهم الاجتماعية وأساسا من انتماءاتهم الجهوية والقبلية وهي نقطة قوة تحسب للنهضة إذا نجحت في استقطاب "التجمعيين" في حين تنبذ القوى الديمقراطية والوطنية كوادر التجمع ويحملونهم مسؤولية استبداد النظام السابق.

وبرأي المراقبين أن حركة النهضة راجعت الكثير من أفكارها على ضوء ما شهدته تونس خلال الفترة الأخيرة من أحداث وعلى ضوء ما استخلصته الحركة من استنتاجات لعل أهمها أن هناك عوائق سوسيولوجية وسياسية تقف أمام نزعة النهضة لتعبئة الأنصار وهي عوائق تفرض على النهضة مراجعة أفكارها ومواقفها أمام مجتمع مدني يرفض تسييس الدين وأمام مؤسسات دولة مدنية عريقة لا تقبل بالمرة أي شكل من أشكال الدولة الدينية.

شهاب منيف

كاتب تونسي