حرب 80: قصيدة تدوين الوجع

بقلم: عزيز التميمي
القصة من النهاية

حرب 80، أو قصيدة الحروب التي شيّدت ذاكرة مجتمع، أو لنقل ذاكرة أجيالٍ مفجوعة، في ديوانه "حرب 80 " يعيش الشاعر طارق الحربي في ذاكرة أيامه وسنينه، في ذاكرة جغرافية نبتت في عمق جراحه وآهاته، يلم نياشين معاناته في صحيفة تتناول اليومي المرئي واللاّمرئي، تاريخ الحكاية التي يرويها قصّخون سمع ورآى ليقول للجيل الآخر هذا كل ما استطعت أن أسميه.

يستطيع القارىء لقصائد طارق الحربي أن يكتشف الثيمة الرئيسية التي توحد كل قصائد ديوانه "حرب 80"، والتي تعكس الرؤية المشتركة المؤسس عليها البناء الفني في القصيدة، مجموعة القصائد تؤدي إلى بناء مسرح قصيدة الوجع، وقصيدة الوجع هذه تتشظى إلى عدسات ترافق الحدث في نموه الزمني وانزياحه المكاني، تبتدء من الأزل، لحظة الوجع الأولى غير المحسوسة، لحظة ولادة الحياة وتغيير البيئات، حيث التكوين المنبثق مع نزعة المعرفة وحب الإكتشاف، ومنذ اللحظة التي يرتسم فيها اليقين من خوف الآتي بدافع الحرص على الموجود، تنمو فلسفة مقاومة هاجس الإستلاب، ذلك الهاجس المتسلل في كل التسميات، ينمو الحلم موازياً لهاجس الذبول، وتنمو الرغبة في الحرية موازية لرغبة التمرد على واقع موشوم بالعبودية، وهكذا تنساب القصيدة مع مفردات الأشياء، اليوم العادي لا يذكر ويوم الخطب يسجل تأريخاً، لا يسكت الزمن ولا يسيل مثل يسر الساقية، تأتي الولادة فرحة لتأتي معها مرارات الخوف من خدش تلك الفرحة، ولكن القصيدة لا تستمر في التستر بحكايات القصّخون الذي يتاجر بتاريخ من الرماد، ترفع القصيدة التي تعنون نفسها لمجموعة القصائد نداءها لتعلن لنا عن نيتها في سرد فلسفة الحرب، الحرب التي تأتي برغبة الكثيرين وبرفض الكثيرين، إنما في كل الأحوال تأتي وتسوقنا شئنا أم أبينا إلى دواوينها لترغمنا على مراجعة كل الحسابات الممكنة والغير ممكنة في خوض تجربتها.

لم تتمهل القصيدة في "حرب 80" لتسرد المقدمة المعتادة في كل المدونات الأدبية والتاريخية والفلسفية، بل هي المقدمة المتن، أو لنقل هي تبتدئ من آخر الحرب لتحكي لنا قصة نشوب الحرب، ثم تطرح تساؤلاً مخيفاً عن حقيقة مفردة الحرب: هل الحرب بديل أم اختيار؟، وحتى تتشكل الصورة الأكثر إقناعاً بواقع الحرب، نجد أن القصيدة تتلمس مفاهيم كثيرة تساهم في صياغة التصور الكلي لمفهوم الحرب بعيداً عن صورة الدمار المفزعة التي تعرّف الحرب كأداة للقتل المباشر، وكأنك لو أمعنت النظر في حادثة سكوت الناي الذي يرسم الوجع معزوفة غارقة في هالة الحزن تقرأ الحرب في لحظات الصمت القسرية تلك، سقوط النخلة التي تهب الحياة كل ما تملك، الثمار والظل والسعف والصدى، تجد أن الحرب تكمن في سرفة المجنزرة الغاضبة التي غرزت أسنانها الصدئة في جذع النخلة، التجنيد الذي يفرض شعائره في دفتر كئيب يسمى دفتر الخدمة، ويحول رغبة الدفاع عن الأرض من حلم إلى كابوس، لا أحد يرفض الموت من أجل بيته وأمنه وقيمه، إنما الرفض يكون حينما يعاد تسويق المفاهيم في لوحة الحرب.

إذن القصيدة في "حرب 80" هي قصيدة تدوين الحرب بكل تماهياتها وتجلياتها، الحرب التي عاشت مفهوم الحداثة بكل إشكالياته، وتجاوزت منطق القتال في ساحة المعركة، ولعل الجانب المضيء في معالجات القصيدة هو الرصد الدقيق لإنفلات المسميات ضمن مفردة الحرب، الحرب التي فقدت جانبها الإنساني في الدفاع عن الجمال والحرية، الجانب الذي يتفق الجميع على أنه هو الحسنة الوحيدة المدونة في أسطورة الحرب، فكانت التشظية غير المنصفة، تبتدئ القصيدة مع حكاية الوجود والأزل لتنشىء جدلية الخوف والدفاع التي صادرتها فلسفة الحرب، إقتلاع كائن ما يعني تدمير جزء كبير من مرتكزاته، تلك المرتكزات التي تسعفه في هضم الحياة، ويتم رصد الطقس المترتب، رصد عذابات صغيرة وتقلبات ووجع، أي رصد الحياة خارج كونها حياة، القصيدة تتشكل مع تداعيات الذاكرة المسموح لها أن تقرأ، الذاكرة المقموعة التي تعاني من عاهات وأزمات، ولافتة طويلة وعصية الفهم " الحرب طويلة ولن تسمح لأحد بأن يمارس الحياة " طويلة ولن تنتهي، ربما هو تصريح أنتجته الذاكرة كمفهوم لإستساغة فكرة الحرب.

الحرب تنتهك كل حقل من حقول الحياة، هكذا تخلص القصيدة عند طارق الحربي، الحرب تنتهك العادي والمقدس، المستور والمعلن، وتنتج نصوصاً وتدوينات تؤسس لمفاهيمها وتؤدلج لنظرياتها، تستبدل أوكار العصافير والطيور بصافرات الإنذار والفزع، وتخلي السطوح من حبال الغسيل وحكايات العشق لتنصب فخاخ إصطياد الطائرات والمقذوفات، الحرب تشوه وتؤسس، الفلاحون يحفرون الخنادق بدل الحقول، والأب يقتل ابنه وامتداده في الحياة في موسوعة الحرب الحديثة، والناس تستحيل جنوداً في كل الأمكنة والأزمنة، يحملون حقائب ملأى بالتساؤلات عن موعد نهاية الحرب وبدء الحياة، وكل شيء في القصيدة مسخر من أجل فلسفة الحرب، العنوان الكبير الذي قصدته تشكيلات المقاطع ضمن هذه القصيدة الطويلة التي أرغمت الشاعر على قراءة كل شيء في تراثه وتاريخه وهمومه ومشاعره، سافر حافياً في طرقات لم تعرفه ودس رأسه في أفنية محشوة بالنظرات الحمر، تكلم مع كل شعوب الأرض وبكل رموز المعمورة، بكل أساطيرها وخرافاتها، وشكّل من أرض الرافدين مجرّة كونية تسيب معه في صباحاته ومساءاته، نقّب في دهاليز التأريخ المكتوب والمحفور عن ثيمة تشبة ثيمة الحرب في أرض السواد التي فقدت سوادها ضمن موسوعة الحرب الحديثة، وحاول جاهداً أن ينشر بنود تلك الفلسفة الجديدة كمعلقات ضمن أساطير الشعوب.

تعكس القصيدة في ديوان "حرب 80" نزوعاً فطرياً عنيداً لمفردة الحياة من خلال الوطن، وتطرح إشكالية إلإنتماء، فنجد الكثير من الشعراء والكتاب العراقيين وبرغم مسافات البعد الجغرافي والزمني يأبون إلاّ أن ينطقون بلغة الحياة والحب وتداعيات الهم الإنساني من خلال تأسيسات البيئة الأصلية التي شكلت وعيهم وفلسفتهم لتكون مدخلاً لعوالمهم الإبداعية، إذن القصيدة في ديوان طارق الحربي هي عدسة راصدة لتحولات الفهم المؤدلج لفلسفة الحرب، الحرب التي تتيح لها نظرياتها المستحدثة بتسمية كل مفردات الحياة ضمن مساحات ساحاتها ومحارقها، وتظهر اللوحة الأكثر بشاعة في فلسفات الحروب، قتل، حصار، تهجير، تجويع، ترهيب، مقابر جماعية، جرف حقول، إغتصاب، عبث، سمسرة، متاجرة في التاريخ، متاجرة في الدين، متاجرة في الأخلاق، ذبح طفولة، لتقول لنا القصيدة هذه فلسفة الحرب ضمن منضور الحداثة.

* عزيز التميمي
** حرب 80: عنوان المجموعة الشعرية التي تحوي مجموعة من قصائد الشاعر طارق الحربي والتي كرّست لتناول كارثة الحروب في العراق.