حرب وشيكة حول مياه النيل؟

بقلم: فيصل جلول

ذكرت مجلة "جون افريك" الفرنسية في عددها رقم 2617 الصادر في مارس ـ اذار الجاري ان بوروندي وقعت في أواخر فبراير ـ شباط الماضي على اتفاقية تقاسم مياه النيل وهي الدولة السادسة بعد اثيوبيا وراوندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا. وسيجرد هذا الاتفاق جمهورية مصر العربية من حق الفيتو على مشاريع الدول المشاطئة للنهر علما انها حصلت على هذا الحق في العام 1929 إثر اتفاق وقعته حينذاك المملكة المتحدة نيابة عن الحكومة المصرية الواقعة تحت الوصاية البريطانية.

وتفيد المجلة الفرنسية ان توقيع بوروندي يسمح لبرلمانات الدول المذكورة المصادقة على "اتفاقية اطار" بانشاء "لجنة دول حوض النيل " وبالتالي الغاء اتفاقية عام 1959 التي تضمن لمصر والسودان الانتفاع بـ 90 بالمئة من مياه نهر النيل وامتلاك القاهرة حق الفيتو الذي يحمي هذه النسبة من مشاريع الدول الاخرى . والجدير ذكره ان البلدان المشاطئة تعتبر ان الاتفاقيات السابقة لم تعد قائمة لانها تمت مع دول مستعمرة (بفتح الميم) ولان حاجات السكان تضاعفت فضلا عن التغيرات المناخية. وتخطط الدول المذكورة لانشاء سد مائي يمكنه ان ينتج طاقة كهربائية بمعدل 60 الى 80 ميغاوات لتزويد رواندا وتنزانيا وبوروندي بالطاقة وسيكون هذا السد باكورة اعمال اللجنة المشار اليها.

ولاحظت المجلة ان المفاوضات بين الدول الستة تدور منذ عشر سنوات وسط شكوك القاهرة التي تعتبر ان تغيير الاتفاق حول 90 بالمئة من المياه يعني خطر الموت بالنسبة لمصر وكان من المفترض ان تجري مباحثات بين المصريين والاطراف المختلفة في شهر يناير ـ كانون الثاني الماضي و تعذر اللقاء بسبب الثورة المصرية. هذا و من المفترض ان تبدأ "لجنة حوض النيل" اعمالها الفعلية بعد مضي ستة أشهر على انشائها مع الاخذ بعين الاعتبار الحاجات المستجدة لدولة جنوب السودان الناشئة.

ما من شك ان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك يتحمل مسؤولية حاسمة في التفريط بحقوق انتفاع مصر و السودان بـ 90 بالمئة من مياه نهر النيل ذلك ان الدول المشاطئة للنهر ما كان لها ان تتجرأ على الغاء اتفاق وقعته مصر الناصرية في اواخر الخمسينات لو انها تقيم وزنا كبير للنظام المصري وكيف تخشى اوغندا القطب الافريقي الصاعد واثيوبيا القطب الاخر وكيل واشنطن في القرن الافريقي كيف تخشى نظاما مصريا زار رئيسه الخرطوم مع العقيد معمر القذافي عشية الاستفتاء الانفصالي في جنوب السودان لمباركة انفصال يلحق ضررا استراتيجيا ببلاده و بتوازن القوى في وادي النيل. ثم كيف تخشى الدول المذكورة من نظام ما فتئ يتلقى الصفعات تلو الصفعات من اسرائيل والولايات المتحدة دون ان يجرؤ على الرد على اي منها لا بل انه بالغ في تقديم التنازلات للطرفين على حساب المصالح المصرية الاستراتيجية عله يمرر توريث الحكم لابنه من بعده.

واذا كانت نسبة المياه التي تصل الى مصر من النيل غير قابلة للتصرف وبالتالي هي قضية مصيرية بالنسبة لهذا البلد فانه سيكون على الرئيس القادم ان يدافع عن المصالح المصرية الحيوية بما يتلاءم مع حجم الخطر الداهم ولكي يفعل ربما عليه ان يطيح بالسياسة الخارجية المتخاذلة التي رسمها السادات وواصل حسني مبارك العمل بها خلال العقود الثلاثة الماضية وبالتالي العودة الى سياسة الدوائر الناصرية التي كانت مصيبة في ايلاء اهمية استراتيجية للعلاقات المصرية الافريقية الوثيقة والعلاقات المصرية العربية والشرق اوسطية بكلام آخر لا بد من وضع حد لتقزيم مصر وحشرها داخل حدودها فالتقزيم لا يضعف هذه الدولة العربية العملاقة فحسب بل يهددها في مصيرها التاريخي بوصفها "هبة النيل ".

ثمة من يرى ان حروب الشرق الاوسط المقبلة ستتم بسبب النقص في المياه وهو استنتاج لا يرقى اليه الشك ذلك ان الثورة الديموغرافية التي تشهدها بلدان هذه المنطقة تتناسب عكسيا مع تناقص المصادر المائية ما يعني ان الناس سيدافعون عن انفسهم بكافة الوسائل تجنبا للموت عطشا وان حروبا ستقع لهذه الغاية ولكسب هذه الحروب لا يكفي فقط استخدام الاسلحة بل لربما يلعب النفوذ والتأثير الخارجي دورا بالغ الاهمية ويفترض امتلاك النفوذ الخروج من القوقعة والانطلاق نحو فضاء شرق اوسطي تحتاج اليه جمهورية مصر العربية ويحتاج اليها بالقدر نفسه. بالامس القريب خسر ت سوريا والعراق جزءا مهما من مياه دجلة والفرات بسبب ضعف العراق وسوء علاقاته مع سوريا واليوم قد تخسر مصر ومعها السودان جزءا من مياه النيل للاسباب نفسها وفي الحالتين يرقى الامر الى مرتبة الخطر الوجودي. وهذا الخطر لن يغادر ارض العرب ما لم تتجرأ مصر التي انتزعت حريتها للتو على العودة مجددا الى الشرق الاوسط بطريقة مدوية وهذا يستدعي ان يختار المصريون شخصية قوية وليس موظفا سابقا اعتاد على تقديم الخدمات السياسية لكبار هذا العالم.

فيصل جلول