حرب القرم: كيف استفادت روسيا من مصر وسوريا؟

هناك ما يحملني على المقارنة بين شبه جزيرة سيناء بمصر، وشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، إذ كانت كل منهما ـ على مرالتاريخ ـ ممراً للجيوش الغازية، وساحة للاعتراك الصاخب بين قوات نظامية أوقبائل أو أحلاف.

كانت سيناء معبراً للهكسوس والتتار والصليبيين والإسرائيليين، وكانت القرم مسرحاً لقتال واحتلال من جانب الإغريق والمغول والروس والبيزنطيين والعثمانيين والحشد التتاري وغيرهم.

وبين المعارك الصاخبة التي شهدتها تلك المنطقة التي اعتبرها مفصلاً تاريخياً وساحة اختبار لعلاقات القوى في شرق ووسط وأوروبا، إذا قامت دولة أو مجموعة دول باستهداف روسيا على وجه الخصوص، كانت القرم بمثابة الدرع لموسكو.

وربما كانت أشهر تلك المعارك ما خاضته الجيوش الروسية ضد تتار القرم المتحالفين مع العثمانيين في عصر الإمبراطورة كاترين العظمى (أواخر القرن 18) واحتلت فيه شبه جزيرة القرم، ثم كانت حرب تحالف إنجلترا وفرنسا وتركيا وجزيرة سردينيا الإيطالية وتتار القرم ضد روسيا في القرن 19 ولثلاث سنوات من 1853 ـ 1856، والتي خلفت 750 ألف قتيل، لا بل وأتذكر معارك الجيش الألماني الحادي عشر عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية الذي قاده مانشتاين وأسفر عن وقوع 120 ألف قتيل حول مدينة خارقوف التي تبادل الألمان والروس السيطرة عليها، وحين وضعت تلك الحرب أوزارها كان ضحاياها قد بلغوا مليونين ونصف المليون قتيل.

لماذا انخرطت في تلك الفذلكة التاريخية قبل الكتابة عن الأزمة الأوكرانية/الروسية اليوم؟

الواقع أنني أردت وضع بضعة خطوط تحت وضعية القرم في التاريخ والضمير الروسي، فقد ضحى الروس بأرواح مئات الألوف من جنودهم الذين سالت دماؤهم على أرض أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، والتي تجعل التفريط في تلك البقعة أمراً من رابع المستحيلات.

وصحيح أن رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي السابق نيكيتا خروشوف (الفلاح الأوكراني) منح القرم للأوكرانيين ـ وهي شبه جزيرة تمتد في البحر الأسود ولا تتصل بالبر القاري إلا من خلال شريط ضيق جداً من الأرض جهة الشمال كما يمتد من جهتها الشرقية شريط أرضي اخر يكاد يتصل بالأراضي الروسية ـ ولم يك لذلك القرار أثر عملي في الحقبة السوفيتية التي كانت أوكرانيا ـ فيها ـ إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 استقلت شبه جزيرة القرم بعد أن قرر البرلمان القومي ذلك.

ولو نظرنا إلى القرم من قريب فسنجد أن 60% من سكانها من الروس و25% من الأوكرانيين و12% من التتار.

وتعتبر القاعدة البحرية في مدينة سيفاستبول على البحر الأسود في شبه الجزيرة مقراً رئيسياً للبحرية الروسية، واستأجرت موسكو هذه القاعدة بموجب إتفاق من 2010 إلى 2017 ثم وافق الرئيس فيكتور بانكوفيتش (الذي خلعه القوميون الأوكران مؤخراً) على تمديده إلى 2042.

وطبعاً هذا كان مدخلاً تاريخياً حاولت فيه أن أحرض القارئ على استحضار وقائع التاريخ لتكون بمثابة دليل إجرائي يفسر معاني وخلفيات أحداث تلك المنطقة التي تستعد ـ الآن ـ لتكون بمثابة "هرمجيدون" أو أرض معركة فاصلة بين الخير والشر إذا استخدمنا الأخيلة والصياغات الإنجيلية.

وقبل أن أدخل إلى ساحة مناقشة المواجهة الوشيكة بين روسيا والغرب على أرض أوكرانيا أو لعبة الذراع الحديدية Bras – de –fêr الدائرة بين الطرفين، فقد يكون من المناسب إلقاء نظرة على الفكرة التي يمثلها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين والتي أثرت وتؤثر على طريقة معالجته لفصول الأزمة الأوكرانية.

إذ أن أحد الأقوال الدالة التي أطلقها بوتين منذ حوالي خمس سنوات هو "سوف أعيد الإمبراطورية إليكم..الكارثة الكبرى التي شهدها العالم كانت في إنفجار وتشظي وتلاشى الاتحاد السوفيتي"..يعني نحن بصدد زعيم يتواصل مع تاريخ روسيا والاتحاد السوفيتي ويعيد إنتاج مجد الإمبراطورية.

وفي ذلك السياق استدعى ـ من جديد ـ بعض التجليات التاريخية ـ مرة أخرى ـ في تناول هذا الموضوع المعقد والضارب في أعماق الماضي منذ نشأة الإمبراطورية الروسية قبل ألف عام.

هناك تشابه كبير بين بوتين والقيصر بطرس الأعظم أو بطرس الثالث..إذ بنى ذلك الرجل مدينة سان بطرسبورج على الحدود بين روسيا وبولندا وفنلندا، ولتتلقى الصدمة الأوروبية التقدمية..وتفرض على الشعب الروسي تعديل مناهجه وبناء إمبراطوريته الجديدة على النسق الغربي..وكان بطرس الثالث نجاراً وعمل على بناء الأسطول وتكوين قوة بحرية روسية ضخمة، وظل حلمه وحلم روسيا حتى اليوم هو الوصول بذلك الأسطول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط وما يفضي إليه.

تاريخ

وقد توسع بطرس الأعظم على حساب الإمبراطورية التترية المغولية في الجنوب، وشاد إمبراطوريته تلك بعد قرنين من حكم إيفان الرهيب ـ زعيم إصلاحي روسي آخر ـ أما بوتين فقد ولد في مدينة بطرس الأعظم (سان بطرسبورغ) وكانت تجربته مع العالم الغربي واضحة كونه صار ضابطاُ في المخابرات الروسية "كي جي بي" وعمل في ألمانيا الشرقية في تماس مع العالم الغربي..ولقد كانت مهمة بطرس الأعظم أصعب من بوتين لأن بطرس أقام إمبراطوريته من العدم، أما بوتين فلم يستلم إمبراطورية روسية جاثية على ركبتيها، وإنما كان لديها أصول مهمة سواء كانت الجيش أو القوة العلمية والصناعية أو الغاز والبترول والذهب والفحم.

ولم يسمح بوتين للأوليغارشية الروسية (المجموعة المسيطرة ذات المصالح المتداخلة) بأن تكون شاردة، تنقل ثروتها للعالم الغربي، وتعيش في البيوت الفاخرة بلندن أو في منازل الريفيرا الفرنسية (ولعل ذلك كان سبباً أساسياً في مطاردة المخابرات الروسية لبعض المليارديرات الروس وأحياناً اغتيالهم وبالذات في لندن).

وقبل بوتين ضرب يلتسن الدولة السوفيتية لتحطيم الفكرة الشيوعية، وإطلاق الرأسمالية في روسيا، ولكنه كان إطلاقاً وحشياً وبالتالي عانق الفساد تلك الرأسمالية الناشئة بقوة، وطال الفساد يلتسن نفسه وابنته، وقد اختار يلتسن الضابط المغمور بوتين وعينه رئيساً للكي.جي.بي ثم سانده ليصبح رئيس روسيا مع تعهد بألا يقترب منه أو أسرته الفاسدة.

من تلك الخلفية والمنطلقات بدأ بوتين تشييد إمبراطوريته وكان تضاغطه مع الولايات المتحدة في مصر بتأييده لثورة 30 يونيو الأسطورية وزعامة المشير السيسي، أو في سوريا برفضه تسليم سوريا إلى قوى التطرف والإرهاب التي تدفقت بعشرات الآلاف من عناصرها ضد الجيش والنظام السوري، وبما سيفضي ـ قطعاً ـ إلى التقسيم لو حدث.

وأخيراً كان تصدي بوتين للغرب وواشنطن في أوكرانيا، إذ فطن ذلك الزعيم الإمبراطوري النزعة إلى اللعبة المنحطة التي تمارسها أميركا والقوى الأوروبية الآن، وذلك عند إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في روسيا، إذ أشار بوتين إلى الدور الذي لعبته بعض منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بالغرب وأميركا في محاولة تشويه التجربة الانتخابية الروسية وإفشالها.

أما في أوكرانيا فقد بدأ سيناريو آخر يقوم على تصعيد الاتجاهات القومية (الفاشية) ودفعها إلى تشجيع اندماج أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي ومن ثم التبعية له.

وفي هذا الإطار لعبت منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالغرب والممولة منه دوراً هائلاً في إذكاء التمرد على حكم يانكوفيتش الذي اعتمدت عليه روسيا في حماية مصالحها في أوكرانيا وبالذات قاعدة الأسطول في سيفاستبول (حتى مع ما تكشف عن فساده إذ أن رئيسة الوزراء المعزولة المعارضة ثيموشينكو التي أفرج عنها المتمردون في الأحداث الأخيرة كانت فاسدة هي الأخرى، يعني الحكم والمعارضة في الفساد شرح).

أراد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقد سلاسل من اتفاقات الشراكة مع دول أوروبا الشرقية السابقة وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة مقابل منحة قدرها 20 مليار يورو لأوكرانيا، فضلاً عن ضم بعض هاتيك الدول إلى حلف الناتو، بما أثر ـ بنحو مباشر ـ على أمن ومصالح روسيا الاتحادية، إذ ترفض موسكو/بوتين دخول ثلاث دول إلى حلف الأطلنطي هي (أوكرانيا ـ جورجيا ـ روسيا البيضاء) الذين يتمحور فيهم العنصر السلافي والفكرالروسي.

ولكن الغرب ظل يتقدم صوب أوكرانيا ويضغط عليها لضمان استمرار سيطرته على مقدراتها معتمداً على آلية دعم وتشجيع القوميين الأوكران (ومنهم زعيم المعارضة كليتشينكو)، وبحيث يقومون بإحياء حركة هي ضد التاريخ من الأصل والأساس، لأنها اختفت منذ ما يزيد على ألف عام، وأعني بذلك الفكرة القومية الأوكرانية.

وقد سعت موسكو إلى عقد اتفاق للاتحاد الجمركي مع أوكرانيا وإعطائها 15 مليار دولار وتخفيض سعر الغاز الذي تصدره لها، وبالذات ما كان مقابل منح القاعدة البحرية في سيفاستبول، وبالتالي بلغ الاستقطاب بين روسيا والغرب حول أوكرانيا قمته، وعلى نحو ظلت أوروبا تغذي فيه نزعات التمرد في أوكرانيا وبمحاولة لا أبالغ إذ قلت "انتقامية" بسبب مساندة روسيا لمصر وسوريا، وقد حطمت الخطة الأميركية للشرق الأوسط الجديد، والتي كانت واشنطن تتعشم ـ بعد الفروغ منها ـ أن تذهب إلى الباسفيك لمواجهة مرتقبة مع الصين التي بلغت معدلات نمو ستجعل الاقتصاد الصيني يتفوق على نظيره الأميركي، وبما قد يحسم المنافسة والصراع السياسي والأمني والاستراتيجي بينهما لمصلحة الصين.

عقاب فاشل

اليوم أرادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقاب موسكو فدفعوا كليتشينكو لإقصاء يانكوفيتش والعمل على توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومن ثم الخضوع للنفوذ والهيمنة الغربية، ناسخين بذلك اتفاق 25 فبراير الفائت الذي كان توفيقياً بامتياز بين السلطة والمعارضة في أوكرانيا، ونص على العودة إلى دستور 2004 الذي يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية ويتعهد بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

لقد انقلب برلمان أوكرانيا ـ رغم ذلك الاتفاق ـ على يانكوفيتش (بصرف النظر عن فساده) وأعلن أنه مطلوب للعدالة، وتولى توتشينكو رئيس البرلمان رئاسة الدولة مؤقتاً، وتم الإفراج عن تيموشينكو رئيسة الوزراء السابقة اللصة لتستعد لدخول انتخابات الرئاسة..فما كان من بوتين إلا أن تحصل على موافقة (البرلمان) الروسي على قيام روسيا بعمل عسكري ما في أوكرانيا، وتدفق الجنود الروس والعربات المدرعة الحديثة على شبه جزيرة القرم، وخرجت سفينتان روسيتان إلى ميناء سيفاستبول في إشارة واضحة لجدية التدخل الروسي الذي سيبلغ أي مدى لحماية الأمن القومي الروسي.

ويهمني ـ في هذا الإطار ـ أن أقرأ (على نحو نقدي) سلاسل ردود الفعل الأميركية والأوروبية على بدء التحرك الروسي إلى شبه جزيرة القرم، فقد حذرت سوزان رايس (مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي) روسيا من التدخل العسكري الذي يفضي إلى تقسيم أوكرانيا رغم أن التحريض والتآمر الغربي هو الذي أفضى إلى وضع الاستقطاب في الأصل والأساس، ومن ثم فإن تواصل التحريض الغربي للقوميين الأوكران للاستمرار في حركتهم ضد التاريخ بالانسلاخ عن التأثير الروسي هو الذي أدى إلى الاستقطاب (رغم أن معظم سكان المناطق الشرقية يتكلمون الروسية، والمنظومة الاقتصادية والصناعية والتقنية فيها تنتمي للفكر الروسي بالدرجة الأولى).

الروس لن يتركوا شرق أوكرانيا أو شبه جزيرة القرم أو القاعدة البحرية في سيفاستبول ومن ثم فإن من يتحرش بمصالحهم تلك عليه أن يتحمل النتيجة، فإذا قال قائل للروس: "سنأخذ منكم القرم" سيكون كالقائل لمصر "سنأخذ منكم سيناء"، ثم إن تلويح وزير الخارجية الأميركي جون كيري والرئيس المنحط باراك أوباما عن فرض عقوبات اقتصادية على روسيا أو طردها من مجموعة الدول الصناعية الثماني هو محض كلام فارغ، ولا يؤثر ـ أبداً ـ على دولة عظمى نجحت في إعادة بناء نفسها اقتصادياً في السنوات العشر التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، وعلى نحو أدى إلى تحصينها في مواجهة الضغوط، فروسيا لا تعامل هكذا.

روسيا ليست العراق أو كوسوفو أو بلغاريا..وحتى مع التلويح بالقوة فإن تلك النمر الرخيصة لم تعد ترعب أحداً، وقد فعلتها أميركا ـ من قبل ـ مع سوريا، وأرسلت بوارجها وطراداتها إلى شرق البحر المتوسط وعمدت إلى ترقيص عضلاتها، وطلبت (مثل شجيع السيرك) أن يكتفها عشرة من الرجال الأشداء حتى تفرتك قيودها من فرط القوة، ومع ذلك فقد تراجعت أميركا ولم تجرؤ على مزيد من التورط ضد سوريا.

ثم هل ننسى أيام اجتاحت قوات الاتحاد السوفيتي السابق عام 1968 براغ زمن حركة تمرد قادها دوبتشيك؟ وهل ننسى كذلك اكتساح الاتحاد السوفيتي للمجر 1958؟

تاريخ الغرب مع موسكو هو عملية صراع حول المصالح الأمنية والاستراتيجية، وليس ـ كما يصوره البعض ـ تضاغطاً عقائديا أو أيديولوجياً، وهو تاريخ ـ كما أسلفت ـ يتواصل منذ كاترين العظمى وحتى اليوم، وكانت شبه جزيرة القرم ساحته المختارة والمفضلة.

الأميركان يسعون اليوم إلى الوقيعة بين بوتين وألمانيا، ويسربون أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت عن بوتين "إنه لا يعيش في عالم اليوم" وهو ما يتقاطع مع المصالح الألمانية التي تتاجر فيها برلين مع موسكو بمليارات الدولارات، وتتحصل حصصاً من الغاز الروسي الذي تعد أنابيبه شرايين حياة لبلاد أوروبية كثيرة.

ولكن هذا الذي تقول عنه ميركل "إنه لا يعيش في عالم اليوم" يعرف ان المجتمعات لا تقوم إلا على تاريخها، والتاريخ الروسي في القرم يحاصر طموح ألمانيا في أن تحيي مجالها الحيوي في أوكرانيا بالذات، وهو ما دفع قوات النازي إلى التحالف مع تتار القرم، واستخدام مائتي ألف منهم في الهجوم الفاشل على روسيا.

ألمانيا تحاول الدخول إلى أوكرانيا من نافذة القوميين الأوكران والذين حاربوا معها ضد الاتحاد السوفيتي سابقاً والذين نفاهم الزعيم الروسي الأسبق جوزيف ستالين عام 1944 إلى سيبيريا..واستدعاء التاريخ مرة ثالثة ورابعة وخامسة يقول إن النسخة الجديدة من حرب القرم لا بد أن تفضي ـ باستخدام القوة العسكرية أو الحرب الباردة ـ إلى انتصار روسيا لأن تلك حتمية تاريخية يعرفها من يجيدون قراءة التاريخ.