حرب القبائل تهدد السلم الأهلي الهش في ليبيا

زويلة (جنوب ليبيا) - من ‬ريبيكا موراي
تجارة الهجرة والتهريب في الجنوب الليبي

ترتاح مجموعة من مقاتلي التبو بجانب الشاحنات الملطخة بالطين على مشارف زويلة، وهي بلدة صغيرة في الصحراء جنوب غرب ليبيا اشتهرت تاريخياً بالاتجار بالرقيق‪.

بعيدا عن قاعدتهم في الكفرة، على بعد مئات الأميال إلى الشرق، ينتمي هؤلاء الرجال إلى كتيبة حدود صحراوية موالية لقائد التبو –الذي يحظى بشعبية كبرى- عيسى عبد المجيد منصور‪.‬

انهم شرطة الحدود الجنوبية الواسعة للبلاد مع السودان وتشاد والنيجر والتي على ما يبدو لا يمكن اختراقها - طرق وعرة وشاقة تمر بالكثبان الرملية الشاهقة والصخور البركانية وحقول الألغام المتناثرة – وتستخدم علامات المهربين والنجوم كدليل‪.‬

وبالنسبة لقبيلة التبو الأصلية، وهي من البدو شبه الرحل، فقد عانت من التهميش الشديد في عهد القذافي، وذلك في إطار حملة "التعريب". ولعبت التبو دور هاماً خلال ثورة 2011 بهدف تأمين حقوقها المدنية‪.‬

وجمعت التبو بين معرفتها الوثيقة بالصحراء وعلاقاتها بشبكة القبائل الممتدة على جانبي الحدود، وتمكنوا من محاصرة ومنع التعزيزات للقوات الموالية للنظام بنجاح كبير‪.‬

وعندما نجحت الثورة، كانت الحكومة الانتقالية، التي تشعر بالإمتنان لمواقف التبو، قد منحت منصور حق الإشراف على معابر الصحراء الحيوية على حساب الأغلبية من قبيلة الزوي العربية في الكفرة‪.‬

وقبيلة الزوي، التي تمتد علاقاتها في المناطق الغنية بالنفط إلى إقليم أجدابيا، على بعد 150 كيلومتراً إلى‪ ‬الجنوب من بنغازي، كانت قد استفادت سابقا من تكتيكات "فرق تسد" التي كان يتبعها القذافي‪.‬

فإلى جانب تأمين حقول النفط الوطنية، يقول منصور إن أولويتها هي منع الميليشيات المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة، من تحقيق الربح من تهريب الوقود والمواد الغذائية المدعومة خارج ليبيا، وإدخال الأسلحة والمخدرات إلى ليبيا.

ويقول منصور أنه قلق بشأن الإرهابيين. ويضيف "انهم خطيرون.. ولا بد من منعهم من كسب المزيد من السلطة في الصحراء‪"‬

فالأمن هو مصدر قلق بالغ للحكومة الليبية، وخاصة في أعقاب الهجوم المميت على القنصلية الاميركية في بنغازي الشهر الماضي، والذي يشتبه في أن ميليشيا اسلامية هي ورائه‪.‬

ونظراً للغضب الشعبي اللاحق لهذا الحادث، تواجه الحكومة الآن معركة شاقة لدمج أو نزع سلاح الجماعات المسلحة غير المدربة جيدا والمرتبطة بجهاز أمن الدولة على طول الشريط الساحلي في ليبيا‪.‬

ولكن كثيراً ما يتم إغفال منطقة الجنوب التي بها سكان أقل، وهي الموقع الرئيسي للاحتياطيات النفطية الكبيرة، والمعادن النادرة، ومشروع القذافي لنهر من صنع الإنسان يغذي الشمال بالمياه، وتهريب البضائع غير المشروعة المربح عبر الحدود‪.‬

هذا وقد فشلت حكومة طرابلس في معالجة المظالم القبلية والاقتصادية في قلب الإشتباكات القاتلة هذا العام بين قبائل التبو والقبائل العربية في الكفرة وسبها، والتي تخضع الآن لوقف إطلاق النار الهش‪.‬

وعلى الصعيد الدولي، خفضت المصالح الإقليمية المتنافسة القدرة على تبادل المعلومات بين السفارات الأجنبية واتباع نهج متماسك لوزارات الحكومة‪.‬

فالولايات المتحدة تعتقد أن الجماعات الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة، تحاول مد خطوط الإمداد عبر ليبيا إلى جيرانها في الجنوب. ويبدو أن واشنطن ها تستعد لتعزيز قواتها العسكرية في أفريقيا "أفريكوم" في إطار التوسع في "حربها على الإرهاب"‪.‬

وفي الوقت نفسه، تسعى فرنسا للإحتفاظ بإحتكارها للإقليم الغني بالمعادن، والذي تعتبره تقليديا فنائها الخلفي في مرحلة ما بعد الاستعمار‪.‬

وإذا ما انتقلنا إلى الشرق عبر الكثبان الرملية الصحراوية، سوف نرى لوحة سريالية تلوح في الأفق. وهذه هي واحة الكفرة النائية والتي كانت مشهدا مميزا للسواح المسافرين عبر الصحراء‪.‬

وعندما انتهى العنف في الكفرة بوقف اطلاق النار الهش في حزيران (يونيو) الماضي، أقامت الزوي حاجزاً يحيط بالبلدة المنقسمة وسكانها البالغ عددهم 44,000 نسمة.

وقبيلة الزوي مقتنعة بأن مجتمع التبو هو أجنبي في غالبيته، وأنه يسعى لإقامة وطن مستقل. وما يقلقهم هو السيطرة على سبل العيش الأكثر ربحية في الجنوب: التهريب‪.‬

فالمنتصرون في الثورة- وهم المهربون من قبيلة التبو- يسعون لتحقيق الربح على الحدود وهم يعيشون بحرية تامة، ويتنقلون عبر الحدود في شاحنات "تويوتا" صغيرة محملة بالوقود الرخيص والمهاجرين‪.‬

لكن الشاحنات التجارية الكبيرة التي يمتلكها رجال الأعمال من قبيلة الزوي -الذين كانوا يحققون حتى وقت قريب ثروات صغيرة من التجارة الحدودية غير المشروعة– تقف خاملة الآن‪.‬

ويقول فتحي باجا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، "أن قبيلة الزوي، من الناحية الاقتصادية، تريد السيطرة على المنطقة من الكفرة باتجاه الحدود المصرية والسودانية بسبب التهريب... الذي يسمونه التجارة.. ولكنها في الواقع تهريب".

ويضيف "أن هناك أيضا الجماعات الإسلامية التي تريد أن تسيطر على الحدود".‬

والآن يظل التبو والزوي في أحيائهم الخاضعة للحراسة المشددة في الكفرة‪.‬

وهناك أعداد صغيرة من قوات الجيش تقوم بحراسة حدود البلدة غير المرئية، بعد أن حلت محل درع القوات المساعدة ليبيا والتي أرسلت في البداية كقوات محايدة بعد اشتباكات في شباط‪ (فبراير ).‬

ويقول رامي الشهيبي، وهو أحد الصحفيين القلائل الذين سافروا إلى الكفرة ، "لقد أعطى وزير الدفاع أوامره للإسلاميين بالذهاب إلى هناك والسيطرة على الحدود وتسوية القضية. وسرعان ما تحولت أسلحتهم على التبو".

وقد إقتنع الكثيرون بدعاية الزوي الإعلامية والبث الليبي من طرابلس بأن "الأجانب" يقومون بالغزو، مما جعل المقاتلون يسارعون بالقدوم من مناطق بعيدة مثل بلدة مصراتة الساحلية للمشاركة في المعركة‪.‬

وبعد مقتل المئات، احرجت حكومة طرابلس ممن عينتهم في دور "قوات حفظ السلام"، وتوسطت في وقف إطلاق النار بين تلك القوات والتبو في حزيران (يونيو)‪.‬

فوزية إدريس هي من التبو، 37 عاماً، وكانت ممرضة في منطقة الشورى بالكفرة كجزء من الجهد التطوعي بزراعة الشتلات الصغيرة بين أكوام القمامة... "لجعل الحي جميلا"، كما توضح‪.‬

وتقول أن العنصرية والسيطرة على الحدود هما المشاكل الكبيرة... نحن مسلمون، ولكن ربما لأننا سود اللون ولسنا من البيض لا يعتقدون أننا ليبيون.. فنفس الأشخاص الذين كانوا يعملون مع القذافي ما زالوا هم المسيطرون... لا يوجد أي تغيير.

والتبو يحافظون على روابطهم الأسرية الوثيقة في تشاد والنيجر والسودان. ورغم أن العديد منهم لا يملكون الجنسية الليبية، التي صدرت أول مرة في عهد الملك السنوسي عام 1954، فبإمكانهم تتبع أسلاف الأسرة مرة أخرى إلى نفس المواضع الليبية على الأرض‪.‬

لقد تحمل التبو العبء الأكبر لغضب القذافي عند هزيمة ليبيا في حربها مع تشاد على إقليم أوزو الغني بالمعادن عام 1996. وتم تجريد العديد منهم من المواطنة وحرمانهم من التعليم والصحة والعمل، وهدم منازلهم‪.‬

وهناك الآن ما يقدر بـ 4000 من سكان التبو في الكفرة المعزولين في الأحياء الفقيرة من‪ ‬جدارفا‪ ‬والشورى وتحيط أكوام القمامة المتعفنة بالأكواخ التي بنيت من الكرتون والعصي والقطع الخشنة من الحديد المموج. وعلى البيوت والمدارس والعيادات المؤقتة تشاهد الآثار السوداء لقذائف الهاون نتيجة للقتال الأخير‪.‬

يتحدث التبو بمرارة عميقة حول ما يرونه أنه خيانة لوعود الحكومة الانتقالية بمنحهم حقوقا متساوية بعد دورهم الثوري، ويرون أن فرص الدستور الليبي المتضمن لحقوق الأقليات تبدو قاتمة‪.‬

ويوضح حسن موسى، المتحدث باسم كتيبة التبو العسكرية في الكفرة، رايه بصراحة، قائلا أن استقرار الجنوب يتوقف على حقوق التبو... والاستقرار في ليبيا يعتمد على الاستقرار في الجنوب. (آي بي إس)